بن ميناش.. عميل الموساد وبائع الوهم لحلفاء الثورة المضادة

بن ميناش.. عميل الموساد وبائع الوهم لحلفاء الثورة المضادة

آري بن ميناش (Toronto Star)

كشف تقرير فريق من الخبراء تابع للجنة العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا بالأمم المتحدة، أن قائد قوات الدعم السريع السوداني، محمد حمدان حميدتي، قد كسر الحظر المقرر من الهيئة الدولية، بتقديم دعم عسكري للمشير خليفة حفتر، قائد ما يُعرف بالجيش الوطني الليبي. 

لمع اسم بن ميناش في الموساد الإسرائيلي بعد عدة عمليات ناجحة، بعضها قام على أساس دعم كلا طرفي الصراع في نفس الوقت!

قام حميدتي بذلك عبر تسهيلات من شركة علاقات عامة كندية. تلك الشركة التي وقعت عقودًا مع حفتر وحميدتي وشخصيات عربية أخرى، أبرز علاماتها، أنا مؤسسها ورئيسها الحالي هو ضابط الموساد الإسرائيلي السابق آري بن ميناش.

اقرأ/ي أيضًا: كيف جرت عملية إجهاض الربيع العربي؟

بن ميناش ابن الموساد

ولد آري بن ميناش في العاصمة الإيرانية طهران، في كانون الأول/ديسمبر عام 1951 لأسرة يهودية عراقية الأصل، هاجرت إلى إسرائيل حيث عمل والده في التجارة والأعمال.

أما آري نفسه فالتحق بالموساد الإسرائيلي، ثم التحق بشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ثم قسم العلاقات الخارجية بوزارة الحرب الإسرائيلية، ثم عينه رئيس الوزراء إسحق شامير مستشارًا شخصيًا لشؤون الاستخبارات.

سمسار الحروب

لمع اسم بن ميناش في الاستخبارات الإسرائيلية بعد عدة عمليات ناجحة، كان أهمها صفقة الرهائن الأمريكيين في إيران والمعروفة باسم "إيران كونترا"، والتي كان بن ميناش طرفها الثالث.

آري بن ميناش
في كثير من الأحيان لعب بن ميناش دور العميل المزدوج حين كان عميلًا للموساد الإسرائيلي

 وبالإضافة إلى إسقاط الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، كان لتلك الصفقة وصفقات أسلحة أخرى لإيران دور هام، فقد كان شاه إيران أحد أهم حلفاء إسرائيل في الشرق الأوسط، وظل لمدة ربع قرن يعمل جاهدًا على إنهاء العداء بين الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي، خاصة دول المواجهة. 

وبعد قيام الثورة على الشاه، عملت إسرائيل وفق خطة للموساد بـ"قتل الجانبين"، وذلك بمساعدة الأكراد على شن الحروب ضد نظام الخُميني، وفي الوقت نفسه العمل على تزويد إيران بالسلاح لاستخدامه ضد العراق.

وإلى جانب إذكاء نار الحرب في الشرق الأوسط، فقد كان لبن ميناش دور مماثل في أمريكا اللاتينية، عبر شبكات سرية لدعم الحكومات اليمينية بالسلاح، وكذلك الجبهات المنشقة والمتمردة والمحاربة لها. 

كما كان له دور هام في كشف مردخاي فعنونو، الخبير النووي الإسرائيلي من أصل مغربي، والذي سرب للصحافة العالمية أسرار القوة النووية وأسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية، حتى اعتُقل عام 1989 في الولايات المتحدة، بتهمة تهريب طائرات عسكرية لإيران. 

وكانت تلك القضية محط أنظار العالم، إلا أنه قد أُفرج عنه بعد عام واحد عام، بعد أن أثبت بأن ما فعله كان بأوامر إسرائيلية رسمية تم الموافقة عليها من مستويات سياسية أمريكية.

وكيل الطُغاة

وفي عام 1999، أنشا بن ميناش شركة "ديكنز وماديسون - Dickens and Madison" في مونتريال بكندا، كشركة استشارات وعلاقات عامة وخدمات ضغط ودعاية، وتسهيل صفقات سلاح وجمع المعلومات الاستخباراتية.

وبنى لها قاعدة عملاء في العديد من الدول الأفريقية والأوروبية. وجعل كادرها الرئيسي من عملاء استخبارات إسرائيليين وكنديين وأوروبيين، إضافة إلى شبكة واسعة من العملات المنتشرين في باقي دول العالم، الذين كان قد جندهم أثناء عمله في الموساد الإسرائيلي.

وبحسب ما ورد في كتاب "جواسيس جدعون" للصحفي البريطاني ألويلزيه جوردان توماس، يصف بن ميناش عمل شركته بقوله: "الطريقة التي نتبعها في عملنا، هي أن نتحرك مثل اللصوص في الليل".

موغابي
كان ديكتاتور زيمبابوي السابق، من أقدم زبائن بن ميناش

اشتهرت شركة بن ميناش في العمل بالوكالة للزعماء الديكتاتوريين. ومن هذا منيت بالكثير من الفضائح، أشهرها فضيحة مرتبطة بديكتاتور زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، الذي استأجر بن ميناش مقابل مليون دولار، للإطاحة بخصمه في الانتخابات الرئاسية عام 2002، مورغان تسفانجيراي، حيث قام بتصويره خلسة وهو يتحدث كأنما يُخطط لاغتيال موغابي، ليتم محاكمته بتهمة الخيانة ويفوز بعدها موجابي بالرئاسة، قبل أن تنتهي فصول تلك الواقعة تسفانجيراي من قبل المحكمة.

ضابط الموساد في خدمة الزبائن العرب

بعد اندلاع الانتفاضات العربية في 2011، ومن ثمّ بدء موجة الهجوم المضاد لها، تحولت المنطقة العربية إلى أهم مناطق تحركات بن ميناش. ورغم سرية أعماله وزبائنه، إلا أن عددًا منها كُشف، وكشفت معها أسماء أبرز زبائنه في المنطقة.

من هؤلاء، إبراهيم الخضران، زعيم الحركة الانفصالية في إقليم برقة الليبي، والذي سعى من خلال بن ميناش لانتزاع اعتراف دولي بالحكم الذاتي للإقليم، بما يمكنه من تصدير النفط إلى الخارج. 

وهناك أيضًا خليفة حفتر، قائد القوات شرق ليبيا والمعروفة باسم "الجيش الوطني الليبي" والمدعوم من السعودية والإمارات ومصر، والذي يسعى للسيطرة على كامل التراب الليبي والقضاء على حكومة الوفاق المتمركزة في العاصمة الليبية طرابلس.

ومنذ عام 2015 أصبح حفتر عميلًا لشركة بن ميناش عبر عدة عقود واتفاقات، كان منها عقدًا بقيمة ست ملايين دولار، لشراء معدات لوجستية من شركة تتبع أيضًا لبن ميناش، بالإضافة إلى نقل قوات لدعم قوات حفتر في شرق ليبيا، وممارسة ضغوط من أجل الاعتراف بحفتر على حساب حكومة الوفاق في طرابلس، وجعله الحليف المفضل لكل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، والسعي للحصول على 500 مليون دولار مساعدات العسكرية من موسكو.

ومن زبائن بن ميناش الأبرز أيضًا، كان الفريق أول محمد حمدان دقلو، الشهير بـ "حميدتي"، عضو مجلس السيادة السوداني، ونائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي السابق، وقائد قوات الدعم السريع (الجنجويد)، والمتهم بالمشاركة في ارتكاب مذابح جماعية في دارفور خلال عهد عمر البشير، راح ضحيتها قرابة ربع مليون قتيل. 

وفي السابع من أيار/مايو الماضي، وقع حميدتي اتفاقًا مع شركة بن ميناش، بهدف تلميع صورة المجلس العسكري الذي كان حاكمًا آنذاك، ومساعدته في إدارة شؤون البلاد وترتيب الأوضاع.

ونص الاتفاق بين بن ميناش وحميدتي على تمثيل المجلس العسكري وتقديمه إلى دول العالم، ودعمه في العالم الغربي، مع الحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا، لكسب تأييدها، بالإضافة لتأييد كل من الولايات المتحدة والسعودية، للأهداف السياسية للمجلس العسكري.

كما نص الاتفاق على أن تعمل شركة بن ميناش على توفير مصادر التمويل المالي والمعدات العسكرية للمجلس العسكري السوداتي، وبذل الجهود لضمان تغطية إعلامية دولية متماشية مع رؤية المجلس، وترتيب لقاء بين حميدتي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

من جهة أخرى، هدف الاتفاق الذي بلغت قيمته ستة ملايين دولار أمريكي، إلى تكوين تحالف بين المجلس العسكري السوداني وجيش حفتر؛ ذلك التحالف الذي أرسل بموجبه حميدتي ألف جندي من قوات الدعم السريع إلى شرق ليبيا في تموز/يوليو الماضي، لتمكين قوات حفتر من الهجوم على طرابلس.

حميدتي
أبرم حميدتي اتفاقًا مع بن ميناش بـ6 ملايين دولار، بغرض تلميع صورة المجلس العسكري السوداني

 وكان بن يمناش نفسه قد كشف عن لقاء جمعه بالرئيس السوداني المعزول عُمر البشير في شباط/فبراير الماضي، حيث عرض عليه الخروج الآمن من السلطة وتشكيل حكومة انتقالية، مقابل عدم ملاحقته قضائيًا في السودان أو خارجه، وإسقاط دعاوى محكمة الجنايات الدولية ضده. وهو الاتفاق الذي وافقت عليه الإدارة الأمريكية، وفقًا لبن ميناش الذي لم يوضح أسباب عد تنفيذ العرض. 

ومن السودان إلى تونس، حيث رجل الأعمال ورئيس حزب قلب تونس والمرشح الرئاسي السابق نبيل القروي، زبون بن ميناش، وفق وثائق نشرها موقع "لوبينج آل مونيتور"، ونشرتها وزارة العدل الأمريكية أيضًا، والتي تكشف عن إبرام عقد بين القروي وبن ميناش، بهدف الحصول على دعم كل من روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل الحصول على منصب رئاسة الجمهورية التونسية.

وأشار العقد المُبرم في شهر آب/أغسطس الماضي، بقيمة مليون دولار، إلى تعهد الشركة بالسعي إلى دعم القروي في الانتخابات، عبر تنظيم بعض اللقاءات مع زعماء عالميين، على رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.

بعض الاتفاقات التي يبرمها بن ميناش، تقدم عروضًا غير منطقية، ما قد يدلل على استخدامه حِيَل بيع الوهم للباحثين عن قشة النجاة

وكما يتضح، يحكم "البيزنس" تحركات بن ميناش بشكل أساسي، باحثًا عن زبائنه بين أصحاب الأوراق الأضعف من حيث "السمعة". وكما يتضح أيضًا، فليست كل أعمال بن ميناش ناجحة، وبعض الاتفاقات التي تبرمها شركته مقابل ملايين الدولارات، تقدم عروضًا غير منطقية على أقل تقدير، ما قد يدلل على استخدامه حِيَل بيع الوهم للباحثين عن قشة النجاة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مترجم: "مافيات" الثورة المضادة بقيادة أبوظبي من واشنطن (2/2)

السعودية وإسرائيل.. تعاون استخباراتي وثيق وقرع لطبول حرب في المنطقة!