بعد الفقر والحروب.. الاحتباس الحراري سبب آخر للهجرة من الشرق الأوسط

بعد الفقر والحروب.. الاحتباس الحراري سبب آخر للهجرة من الشرق الأوسط

يهدد الاحتباس الحراري الحياة الإنسانية في الشرق الأوسط (ليو جين/ أ.ف.ب)

تُعرف المنطقة العربية إجمالًا بحرارة أجوائها، وإلى جانب الفقر وسوء التخطيط والانهيارات المتلاحقة في البنية التحتية، تُصبح الحرارة المرتفعة نتيجة الاحتباس الحراري مشكلة كبيرة تواجه المنطقة. 

لا يقف الأمر عن ذلك، إذ تنبأت التقارير الأخيرة بمشكلات أكبر بكثير من ارتفاع درجة الحرارة، إذ تقول أبحاثٌ إن المنطقة العربية، ستكون مصدرًا آخر للهجرات إلى كل أنحاء العالم، ليس فقط بسبب الحروب المشتعلة، ولكن أيضًا لازدياد ارتفاع درجات الحرارة، والتي لا تواجهها أية إجراءات جادة، وقد تُعجّل بمصير قاتم لكثير من دول المنطقة.

تتوقع دراسات وأبحاث أن تتحول منطقة الخليج وشمال إفريقيا لمصدر آخر للهجرات حول العالم، بسبب ارتفاع درجات الحرارة

من الهلال الخصيب إلى الهلال العقيم

 تحت عنوان "الهلال العقيم"، تشير مجلة "ذا إيكونوميست"، ما بات يشعر به سكان مدينة البصرة في العراق من تغيرات مسّت جوهر حياتهم اليومية. شكري الحسن أحد علماء البيئة العراقيين، يتذكر كيف كانت مدينة البصرة في السبعينيات، قائلًا إنّ مناخها كان معتدلًا كمناخ جنوب أوروبا، وكانت تحوي الكثير من القنوات النهرية، حتى أنّ سكانها أطلقوا عليها "فنيسيا الصغيرة".

اقرأ/ي أيضًا: ماذا يعني انسحاب أمريكا من اتفاق باريس للمناخ؟

كان شط العرب في البصرة قبل أن يغرق في الطين، بتعبير الصحيفة، يرعى حوالي 10 آلاف نخلة تنتج أجود أنواع التمر في العالم، قبل أن تتحول هذه المنطقة إلى صحراء عارية، بسبب الحرب والمياه المالحة التي تتدفق من البحر بسبب السدود إضافة إلى التنقيب المستمر عن النفط. وقد تسبب كل هذا بالإضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة الناتجة من الاحتباس الحراري، إلى خسائر كبيرة جدًا للمزارعين، حيث تحولت معظم بساتين العراق إلى أراضٍ جدباء تنافس في حرارتها وادي الموت في كاليفورنيا.

ووفقًا لذا إيكونوميست، فإنّ دراسة أعدها معهد دراساتٍ بيئية في هولندا، قالت إن درجات حرارة الصيف سترتفع سبع درجات مع نهاية القرن الجاري، وستزيد العواصف الرملية في العراق من 120 إلى 300 عاصفة سنويًا، وذلك وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة التي تتوقع أنّ قسوة المناخ ستهدد حياة ملايين من سكان منطقة شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب، "ما يجعلها قاتلة أكثر من الحروب".

ومن الأمور المثيرة للاهتمام في هذا السياق، ما ذكرته ذا إيكونوميست من أنّ سوء الأحوال المناخية، دفع جبهة النصرة في سوريا، إلى الوعظ بشأن أهمية وفضيلة استخدام الألواح الشمسية، والحجة على الراوي.

لا يتوقف الأمر عند البصرة في العراق، فهي حكاية مكررة في العديد من مدن شبه الجزيرة العربية، لكن الفقر والحروب تزيد من الأمر سوءًا كما هو الحال في العاصمة اليمنية صنعاء. ومعظم هذه المشكلات هي من صنع الإنسان المُهدر للمياه والملوث للبحار.

تصدير الهجرات إلى العالم

في بلدان غنية كالكويت التي سجّلت أعلى ارتفاع في درجات الحرارة مُحتلة المركز الثاني بعد البصرة؛ فقد وضعت أجهزة تكييفها على الدرجة الأكثر انخفاضًا، إلا أنّ ذلك لم يعد يُجدي نفعًا.

"كل شيء في الكويت يبدو أصفر اللون". تحت صورة لإحدى العواصف الترابية في العاصمة الكويتية، نشر موقع "فيز" العلمي، مقالًا حول تحول بيئة الشرق الأوسط إلى بيئة طاردة للسكان بسبب المناخ. ويتنبأ المقال بأن عدد اللاجئين بسبب الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة الناتجة عنه، سيكون كبيرًا جدًا في المستقبل، ذلك مع العلم بأنّ المنطقة العربية نفسها موطن لجوء لما لا يقل عن 39% من اللاجئين حول العالم، الذين يتقاسمون فيها الخيام ويعانون سوء الأحوال الطقسية دون حماية حقيقية من التغيرات المناخية الكبيرة.

عاصفة ترابية في العاصمة الكويتية (مولي جون/ Flick)
عاصفة ترابية في العاصمة الكويتية (مولي جون/ Flick)

وفي وقت سابق، قدر باحثون في معهد ماكس بلانك للكيمياء الحيوية، وآخرون في المعهد القبرصي بنيقوسيا، أن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، سيصبحان مواطن حارة بحيث سيؤثر ذلك على صلاحية الحياة الإنسانية. 

هذا وأشار مقال موقع فيز، إلى أنّ "هدف الحد من الاحترار العالمي إلى أقل من درجتين مئويتين، المتفق عليه في قمة المناخ للأمم المتحدة في باريس، لن يكون كافيًا لمنع هذا السيناريو، وستزداد درجة الحرارة خلال فصل الصيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الساخنة جدًا، أكثر من مرتين مقارنة بمتوسط ​​الاحترار العالمي".

العديد من الأبحاث حذّرت من أن الشرق الأوسط ستكون منطقة طاردة للسكان بسبب ارتفاع درجات الحرارة أكثر بمرتين خلال السنوات القادمة

يعني هذا أنّه في الأيام الحارة، ستصل درجات الحرارة جنوب البحر المتوسط، إلى حوالي 46 درجة مئوية، وإن كان موقع فيز قدر حدوث ذلك منتصف القرن، إلا أن آخر عامين سجلت دول كمصر مثل هذه الدرجة خلال فصل الصيف. كما يُحذر المقال من أنّ فترات الحر ستزداد لخمسة أضعافها مع حلول منتصف القرن في نفس المنطقة، "وبالإضافة لتلوث الهواء المتزايد بسبب غبار الصحراء، فمن الممكن أن تصبح الظروف البيئية غير محتملة، وقد تجبر الناس على الهجرة"، كما يقول مقال فيز.

اقرأ/ي أيضًا: 9 طرق للتغلّب على الجو الحار

وبتعبير جوس ليفيلد، البروفيسور في معهد ماكس بلانك، فإنّ "التغيير البيئي الكبير في الشرق الأوسط بسبب الاحتباس الحراري، قد يجعل الوجود البشري مُعرضًا للخطر".

ومن نتائج البحث الذي أجراه معهد ماكس بلانك، فمن المتوقع أنه خلال منتصف القرن، لن تنخفض درجات الحرارة في منطقة شمال إفريقيا عن 30 درجة مئوية ليلًا، وستصل لأكثر من 46 درجة مئوية نهارًا، ومع نهاية القرن قد تصل درجات الحرار في منتصف النهار لـ50 درجة مئوية!

الدائرة المفرغة

رغم تحذيرات الأمم المتحدة وخبراء المناخ، إلا أنّ المساعي لمواجهة التحديات المذكورة، غير كافية بالمرة، بل تقريبًا ليس ثمة استعدادات، إذ أكدت خبيرة قضايا المياه في الشرق الأوسط فرانشيسكا دو شاتيل، لصحيفة لواشنطن بوست، أن حكومات المنطقة غير مستعدة بشكل عام للتعامل مع النمو السكاني السريع والتحولات المناخية الموازية له.

تعيش الآن منطقة الشرق الأوسط في دائرة مفرغة، إذ تتصاعد الحروب من التغير المناخي الذي بدوره يكرس لمزيدٍ من الحروب!

وأضافت فرانشيسكا دو شاتيل: "قد يكون الوقت قد فات الآن". هذا وأشار خبراء إلى أن التغيرات المناخية التي ساهمت في تضخمها الحروب التي تشهدها المنطقة، قد تؤدي إلى الجفاف، والذي هو بدوره أحد محفزات الحروب الأهلية، ودافع لمزيد من الهجرات من المنطقة، أي أن الأمر بات بمثابة دائرة مفرغة، فالحرب تضاعف التغيرات المناخية، والتغيرات المناحية تكرس للحرب!

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماذا يعني انسحاب أمريكا من اتفاق باريس للمناخ؟

ما هي أفضل أماكن السياحة البيئية في العالم؟