في ثقافة الحرب الأهلية

في ثقافة الحرب الأهلية

ذات يوم لـ(جميل ملاعب/ لبنان)

يندرجُ تحت مسمّى "الحرب الأهلية" كلُّ قتال داخلي منظّم ومخطط له، بهدف الاستيلاء على الحكم أو فصل جزء من الدولة أو السيطرة عليه، بصرف النظر عن اتّخاذ القتال شكلاً دينياً أو مذهبياً أو سياسياً أو عرقياً أو غير ذلك. فالصراع المسلّح بين فريقين أو أكثر، من أبناء البلد وداخل أراضيه، هو حرب أهلية. لا يتغيّر هذا الوصف أيّاً كانت طبيعة الأطراف المتقاتلة. فالصراع قد يكون بين جيش نظامي وميليشيات مسلحة، أو بين فصائل مسلحة سياسية أو دينية أو مذهبية أو إثنية، تشترك وتشتبك فيما بينها أحياناً، ومع القوات النظامية في أحيان أخرى. يحدث في الغالب، أن يستعين كل فريق على الآخر بدعم أطراف خارجية "تستثمر" في الحرب الأهلية لتحقيق مصالحها.

لا شكّ أنّ ظروفاً وأحداثاً معينة، "سياسية، اجتماعيّة، اقتصاية، دينية.." لا بدّ من وجودها لتتهيّأ البيئة الملائمة لاندلاع الحرب الأهلية. غير أنّ ثمّة ما يمكن اعتباره "ثقافة" مشتركة في كافة الحروب الأهلية، على اختلاف ظروفها ومسبباتها، تتشكّل في سياقها ثمّ تساهم في استدامتها أيضاً.

في الحروب الأهلية، تصبح الجرائم والانتهاكات بطولات، والتعصّب فضيلة

بالنظر إلى استقرار الرأي على قذارتها وكارثيّتها على الشعوب التي تُبتلى بها، فالثابت في الحروب الأهلية عموماً، رفض أيّ من أطرافها الإقرار بأنها كذلك، حيث يواصل كلّ منهم الإنكار، والإصرار على التمسّك بروايته، وتالياً وصفه للصراع الذي يخوضه: "ثورة"، "دفاع عن الشرعية"، "حماية الوطن"، "جهاد".. وسواها من أوصاف يُفترض أنها تنطوي على قيم ودلالات إيجابية لدى الجمهور، وتحمل طاقة على حشده وتعبئته. بالتالي، ستفقد "القضية" نبلها وأخلاقيتها، حين يكون حاملها مجرّد طرف غارق في مستنقع حرب أهلية، و"القضية" محض عبارات جوفاء يردّدها. كما أنّ الإقرار بحقيقة كهذه سيعني الاعتراف بالآخر كندّ مقابل، "شريك" في اللعبة القذرة، وهذا بدوره مقدّمة تتيح التفاوض بما يفضي إلى تسويات سياسيّة، لا تتفّق بالضرورة مع مصالح المتحاربين أو الداعمين.

يعمل الفرقاء، وداعموهم، على إطالة أمد الصراع بما يخدم إنضاج الظروف التي تعزز مكاسبهم وتحافظ على مصالحهم، ولا بدّ لذلك من توافر بنية فوقية تنظّر للصراع، وتصيّر العنف الناجم عنه ظاهرةً يومية مألوفة، فالمسألة لا تكمن في تجنيد المقاتلين واستخدام السلاح فقط، وإنما في الأيديولوجيا التي تحكمهم وتوجّه سلوكهم.

يساهم أطراف الحرب جميعاً في خلق هذه "البنية الفوقية" المواكبة لها، حيث تعمل آلة الدعاية الخاصّة بكل فريق على طمس الذاكرة المشتركة بين أهل البلد الواحد، لتحلّ محلها ذاكرة انتقائية، مفككة وطريّة. في جانب منها تنتمي "الذاكرة البديلة" إلى يوميات الحرب، ويُستحضر جانبها الآخر من التاريخ وتراث "الجماعة"، بوصفه مستودع حقيقتها ويختزن قيمها القديمة، بما يحمله ماضيها من ذاكرة حروب وصراعات. هكذا، يُلغى المُشترك والعام لصالح الخاص المتماهي مع الجماعة بعينها، والتي تمجّد ذاتها وتشيطن "الآخر".

وإذ يحرص كل فريق على إثارة مخاوف "جماعته" من "الآخر" باستمرار، فإنما لإقناعها بضرورة حمل السلاح لقتال الآخر/العدو دفاعاً عن وجودها. ومع مرور الوقت، لا تقتصر "ثقافة" الحرب على المسلحين المنتشرين على خطوط التماس وجبهات القتال، بل تتغلغل في أوساط العامة وأذهانهم. يُطمسُ الحس النقدي، وتصبح الجرائم والانتهاكات بطولات، والتعصّب فضيلة، ويغدو السلوك الفاشي لمختلف الأطراف سياسةً ممنهجة، تستهدف النيل من"جماعات" بأكملها، يُعاقب أفرادها على "تهمة جماعية" أُلصقت بهم.

 هذه المقدّمات ستسهم تدريجيّاً في تصلّد تعيينات جزئية محددة من مركّبات الهوية، عوّمتها الحرب على حساب الهويّة الوطنيّة الجامعة.. وتحت ذريعة "احترام الفوارق" و"الخصوصيات" يتحول المجتمع السياسي في المرحلة التي تعقب وقف القتال إلى سوق للصفقات والتسويات بين جماعات منغلقة داخل الهوس بهوياتها المتايزة. وسينمو جيل جديد يعي ذاته بدلالة تلك الهويّات الجزئيّة فحسب، جيل صنعته الحرب الأهلية، وتتكفّل ثقافتها المستمرة في تهيئته ليكون وقود جولاتها المقبلة.