ماذا يعني انسحاب أمريكا من اتفاق باريس للمناخ؟

ماذا يعني انسحاب أمريكا من اتفاق باريس للمناخ؟

ترامب أثناء إعلانه انسحاب أمريكا من اتفاقية باريس للمناخ (وين مكنامي/ Getty)

أعلن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، أول أمس الخميس، انسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ (كوب 21)، معبرًا عن شعوره بالارتياح الكبير، بـ"التخلص من الأعباء المالية والاقتصادية التي كانت تسببها الاتفاقية"، وهو الأمر الذي أثار جدلًا كبيرًا بخصوص مستقبل الاتفاقية بين باقي الدول. وفي الوقت الذي أعلن فيه ترامب انسحاب بلاده من الاتفاقية، قال إنّ الولايات المتحدة "منفتحة للتفاوض على اتفاق آخر، وإذا توصلنا إلى ذلك فسيكون الأمر جيدًا، وإذا لم نتمكن فلا بأس بذلك".

وكان ترامب قد وعد أثناء حملته الانتخابية، بالسعي للخروج من اتفاقية باريس للمناخ، والتي تنص على ضرورة الالتزام من قبل جميع الدول الأعضاء، في مكافحة تغيّر المناخ، والتقليل من مستوى الانبعاثات التي قد تتسبب في زيادة الاحتباس الحراري، بالإضافة إلى التزام الولايات المتحدة على وجه التحديد، بتمويل برنامج الطاقة النظيفة بأربعة ملايين دولار، إضافة إلى مليونين تدفعهما في الغالب بشكل تطوعي لهذا الغرض.

وفقًا لما تنص عليه الاتفاقية التي صدقت عليها أمريكا العام الماضي، فلا يجوز لترامب الانسحاب قبل عام 2020

وجدير بالذكر هنا أنّ المادة 28 من الاتفاق تُعطي الحق لأي دولة عضو في الاتفاق، بالانسحاب منه، لكن بشرط مرور ثلاث سنوات من مصادقتها عليه، وأن تُخبر الدول الأعضاء بانسحابها قبل عام من تنفيذ الانسحاب. وكانت الولايات المتحدة قد صدّقت على الاتفاق في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، ما يعني أنّ التوقيت القانوني لانسحاب الولايات المتحدة وفقًا لبنود ومواد الاتفاقية، هو في عام 2020، أي مع نهاية الولاية الرئاسية الأولى لترامب.

الجميع يُعارض ترامب

الاتفاقية التي يصفها ترامب بـ"الخديعة"، مُشددًا على أنّ الانسحاب منها "حماية لأمريكا وشعبها"، كانت قد حُررت في عام 2015، ومن المفترض أن تدخل حيّز التنفيذ في 2020. وبشكل مبدئي يوافق على الاتفاقية جميع الدول الأعضاء في مجموعة الأمم المتحدة للتغير المناخي، والبالغ عددهم 197، باستثناء دولتي نيكاراغوا وسوريا. وقد صادقت عليها رسميًا حتى الآن 147 دولة.

اقرأ/ي أيضًا: انتهت كوب 22.. فلنعد إلى واقعنا المتسخ

من جانبها علقت السياسية الأمريكية من الحزب الجمهوري كريستين تود وايتمان، على انسحاب ترامب بقولها: "إننا بذلك ندير ظهورنا لما قاله 97% من العلماء عمّا يحدث للطبيعة، وأثره على الناس"، مُضيفة: "وها نحن قد وصلنا بالفعل إلى نقطة فارقة لابد عندها من أن نحاول إبطاء وتيرة ذلك، إذا ما أردنا البقاء في هذا الكوكب".

وحذّر كبير المفوضين الأمريكيين، تود ستيرن، خلال لقاء تلفزيوني، من أن ذلك الانسحاب الأمريكي من الاتفاقية "قد يكون مدمرًا" بشكل كبير، ناصحًا ترامب بـ"التفكير في الأمر والاستماع إلى آراء الآخرين حول الموضوع". يُضاف إلى ذلك ما قالته رئيسة وفد المفوضية الأوروبية، إيفون سلينجنبرج، من أنها ترى أنه "من المهم جدًا بالنسبة للولايات المتحدة أن تبقى على طاولة اتفاقية باريس، حتى مع سياسات ترامب المؤيدة لاستخدام الفحم".

وكان كبير المديرين التنفيذيين في شركة إكسون موبيل للنفظ والغاز، قد حذر مؤخرًا من أن التغير المناخي بات بمثابة "خطر حقيقي، وعلى الولايات المتحدة أن تبقى طرفًا في المباحثات الجارية في الأمم المتحدة بشأنه". العديد من شركات النفط الأُخرى ترفض أيضًا خروج الولايات المتحدة من الاتفاقية، فبالإضافة إلى شركة إكسون موبيل، هنالك شيفرون ورويال داتش وشركة "BP".

بدوره خرج الرئيس الفرنسي المنتخب حديثًا، إيمانويل ماكرون، خلال لقاء تلفزيوني، مُعلقًا على انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، بقوله إن "ذلك خطأ كبير بحق الكوكب"، ساخرًا من جملة ترامب التي قالها سابقًا: "علينا أن نجعل من الكوكب مكانًا أفضل". بينما عبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن أسفها الشديد وشعورها بخيبة الأمل الكبيرة جراء قرار ترامب، وشاركها في ذلك المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك. فيما ندد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بقرار الانسحاب من الاتفاقية التي كان قد صادق عليها هو.

يُعارض الجميع انسحاب ترامب ما ينذر بأزمات داخلية مع سياسيين ونافذين أمريكيين، وخارجيًا مع كل الدول الأعضاء في الاتفاقية

على ما يبدو إذن، فإنّ انسحاب ترامب من اتفاقية باريس للمناخ، سيؤدي إلى العديد من الأزمات الدبلوماسية للولايات المتحدة، وهو ما عبّرت عنه صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، التي أشارت إلى هذه الأزمات ستكون داخلية بمعارضة عدد كبير من السياسيين والنافذين الأمريكيين، ومن الخارج من كل الدول الأعضاء في الاتفاقية، وعلى رأسهم فرنسا وألمانيا، بخاصة مع زيادة المبالغ المالية التي ستسددها الدول الأُخرى للدول النامية عن الولايات المتحدة، والتي ستصل إلى 100 مليار دولار، بحلول عام 2020.

ولكن، ما هي مكاسب ترامب التي يعتقدها بانسحابه من الاتفاقية؟ يُرجّح أن أوّلها هو توفيره للمبالغ المالية التي كانت مقررة على الولايات المتحدة وفقًا للاتفاقية، هناك كذلك إمكانية استخدام مصادر طاقة غير نظيفة، كالفحم الذي يُعد ترامب من أهم مُشجعيه، باعتباره بديلًا رخيصًا وأكثر توافرًا، كما أن الانسحاب سيتيح له حال قرر الاعتماد على مصادر طاقة بديلة، أن يبيع حصته المسموح له بها من الغازات الملوثة لدول أُخرى، على طريقة الاتحاد الأوروبي في تسعينات القرن الماضي. 

مخاطر الاستهتار باتفاقية باريس للمناخ

نشرت منظمة الأرصاد الجوية الدولية، تقريرًا مفصلًا عن المناخ العام في العالم، أكّدت فيه أن التغير المناخي يواصل كسر الأرقام القياسية وصولًا إلى مستويات غير مسبوقة، مُشيرةً إلى أنه في كل مكان، سواءً في الغلاف الجوي أو عند القُطبيْن، "لا يزال التغير المناخي يكسر الحدود الطبيعية التي لم تكن معروفة مسبقًا على كوكب الأرض".

هذا وقد سجّل عام 2016 أعلى معدل درجة حرارة في التاريخ، بزيادة 0.06 درجة مئوية عن عام 2015، أي أنّ 2016 كان العام الثاني على التوالي الذي تواصل فيه درجات الحرارة تجاوز الحدود المعروفة. 

اقرأ/ي أيضًا: تفاصيل الاستهلاك العالمي للطاقة في 2015

تقرير منظمة الأرصاد الجوية، عقد مقارنة للنمط المناخي السائد بين عامي 1961 و1990، ليتوصل إلى نتيجة مفادها زيادة درجة حرارة الكرة الأرضية 0.83 درجة مئوية عمّا هو متوقع، وهو ما يعني زيادة حرارة الكوكب 1.1 درجة مئوية عمّا كانت عليه خلال الحقبة ما قبل الصناعية.

وبتحليل بعض البيانات، أوضح التقرير أن المناخ سيستمر في تجاوزه الحدود خلال عام 2017، بخاصة بعد تعرض المناطق القطبية في العالم لثالث موجات من الرياح الحارة خلال فصل الشتاء، ما أدى لزيادة معدلات ذوبان الجليد، وما سيؤدي إليه ذلك من سلسلة لا تنتهي من التأثيرات على حالة المناخ العامة في كل أرجاء الكوكب.

من يستفيد من كل ذلك؟

يعني انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس، خلو مكانها، لتشغله قوة أُخرى لتقود دفة مكافحة التغير المناخي في العالم. ووفقًا للمسؤولة الأممية عن ملف المناخ باتريسيا إسبينوزا، فإنّ "الصين عبرت عن رغبتها في قيادة العالم لمكافحة التغير المناخي"، لافتةً إلى أنّ ذلك قد "يدفع بدبلوماسيين أمريكيين للتفكير في عواقب السماح للصين بالاضطلاع بهذا الدور الأخلاقي والقيادي العالمي".

انسحاب أمريكا من الاتفاقية، يفسح المجال أمام قوى أُخرى لقيادة العالم من هذا الجانب، على رأسها الصين والاتحاد الأوروبي

من جهة أُخرى، وفي محاولة لتدارك الموقف لصالحه، قال المفوض الأوروبي لشؤون المناخ والطاقة، ميغيل أرياس كانيتي، إن العالم "بإمكانه أن يواصل التعويل على أوروبا لقيادة مكافحة الاحتباس الحراري". إذن فهذه المنافسة الأوروبية الصينية، قد تعني تراجع دور الولايات المتحدة القيادي في العالم، بدءًا من ملف المناخ الذي اجتمعت عليه كل القوى، بما فيها الصين. وقد أبدت الهند أيضًا حماسًا كبيرًا لمكافحة التغيير المناخي، ومع انسحاب الولايات المتحدة، قد يُقسَح لها مجال ضمن المنافسة أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: "الحل الصيني" يزاحم أمريكا ببطء على قيادة العالم 

يأتي ذلك في الوقت الذي تحتل فيه الصين المرتبة الأولى في قائمة الدول الأكثر تلويثًا للعالم، تأتي بعدها الولايات المتحدة، ثم الاتحاد الأوروبي، ثم الهند فروسيا. ومع ذلك فإن أحدًا لا يستهين بتلك الاتفاقية، ولا بحالة المناخ العالمي، سوى أمريكا ترامب وروسيا بوتين.

ولكن بنظرة اُخرى أكثر قربًا للواقع، يبدو أن الاتحاد الأوروبي لن يكون طويل النفس في سباق قيادة العالم من هذا الجانب، بخاصة مع مشاكله الداخلية المنغمس فيها، في الوقت الذي تشق فيه الصين طريقها بخطوات ثابتة نحو مراكز القيادة الأولى.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ما هي أهمية الطاقة الشمسية في حياتنا؟

ما هي أفضل أماكن السياحة البيئية في العالم؟