04-يوليو-2023
Yevgeny Prigozhin

يوصف بريغوجين بأنه صعب المراس وشدسد الذكاء والخطورة (Economist)

"بريغوجين هو جورج سوروس روسيا"، بهذه الكلمات المقتضبة وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "طباخه" السابق وابن مدينته ورجل مهامه العسكرية والاقتصادية حول العالم مالك شركة فاغنر ﻳﻔﻐﻴﻨﻲ ﺑﺮﻳﻐﻮﺟﲔ.

عاش بريغوجين في الاتحاد السوفيتي، ولكنه على نسق بوتين، لم يظهر أي إعجاب في لينين، ويبدو أنه كان يفضل ستالين، بما يعرف عنه من قسوته، التي كانت المعلم الأبرز في حياة مالك فاغنر.

انطلق بريغوجين في حياته من "سارق بدون أخلاق"، إلى صاحب سلسلة مطاعم، فيما عاش زعيم فاغنر انهيار الاتحاد السوفيتي، مقدمًا نموذجًا على حياة ما بعد الاشتراكية في روسيا، ممثلًا صعود رجل الأعمال في اقتصاد مفتوح، بعدما عاش في سجون الاتحاد السوفيتي.

وإذا كان بريغوجين يمثل نموذجًا لصعود ما بعد الاتحاد السوفيتي، فإن تبلور شخصيته في السجن وناجحه في آخر أيام الاتحاد السوفيتي، اكسبه القدرة على الصعود مع القيادة الروسية الجديدة "الأكثر قسوة ويمينية".

تقدم سيرة بريغوجين، سيرة للسياسة الروسية في عهد ما بعد الاتحاد السوفيتي (ويمكن القول في عهد بوتين، لا فرق)، من محاولة للانفتاح على العالم، إلى محاولة استعادة أمجاد روسيا، التي خسرتها في سنوات التسعينات. صعد بريغوجين عاليًا، وتحول إلى صاحب نفوذ في روسيا وعدة دول حول العالم، بالتزامن مع أحلام روسيا "في عالم متعدد الأقطاب"، بعد خسارة "العالم ثنائي القطبية".

وصل طموح روسيا إلى ذروته قبيل غزو أوكرانيا، وكذلك وصل نفوذ مالك فاغنر بريغوجين، مدللًا على ذلك بحاجة الدولة الروسية إليه للقتال في أوكرانيا، بعد سنوات من إنكار علاقتها به، فيما جاء انهيار بريغوجين، مع تعثر روسيا في وحل أوكرانيا، ومع فشل تمرده على القيادة العسكرية الروسية، خروج بريغوجين من روسيا إلى بيلاروسيا، قد تكون محطته الأخيرة، أو حلقة جديدة في قفزاته.

"هل يمكن أن يصبح بريغوجين رئيس روسيا المستقبلي؟" هذا كان سؤال مجلة الإيكونوميست، التي نشرت قصة صعود بريغوجين الكاملة، وهذا السؤال سيبقى برسم المستقبل. تقديرات عدة تشير إلى نهاية مسيرة بريغوجين السياسية والعسكرية، ولكن سيرة حياته تكشف عن تقلبات كثيرة عاشها بريغوجين، من التزلج إلى السرقة، ومن السجن إلى صناعة الطعام، ومن عالم الأعمال إلى شركته العسكرية الخاصة، مسار يشير إلى صعوبة استسلام بريغوجين سريعًا، وإلى تقلبات كثيرة، وضعته في واجهة روسيا لأشهر. بعيدًا عن السؤال الإيكونوميست، فإن هذه المادة، يمكنها أن تكشف جانبًا هامًا من شكل الممارسة السياسية في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، وربما ما بعد الحرب الحالية في أوكرانيا، حال نهايتها، وصعد بريغوجين آخر وربما بريغوجين نفسه.

لماذا وكيف صعد بريغوجين؟ وهل امتلك طموحًا لمنافسة بوتين؟ ولماذا لعب دور المعارضة في روسيا؟ هذه الأسئلة وأكثر يمكن الوصول إلى إجابات عليها في هذا التقرير المترجم عن التقرير الأصلي المنشور في مجلة الإيكونوميست.


في يوم من أيّام العام 2017، رُكنت سيارة بي إم دبليو سوداءُ مصفحةٌ خارج المقر الرئيس لمجموعة فاغنر في مدينة سان بطرسبرغ الروسية، وعم الصمت أرجاء المقر لأن الأقاويل أشارت إلى وصول يفغيني بريغوجين، رئيس المجموعة. 

آنذاك كان ثمة اجتماعٌ يُعقَد في إحدى قاعات الاجتماعات داخل المقر، فتوجه بريغوجين رأسًا إليه بشخصيته المهيبة وحضوره الطاغي؛ فهو ممتلئ الجسم مدور الرأس، في أواسط الخمسينيات من العمر، يمشي والحراس محيطون به من كل جانب. واللافت أن كثيرًا من موظفيه لم يسبق لهم مقابلته بتاتًا، فلا وجود رسمي لمجموعة فاغنر، وهي شركة عسكرية خاصة تنشط في بلدٍ حيث يفترض ألا شرعية قانونية لمنظمات كهذه. لذلك سعى بريغوجين لئلا يلفت الأنظار قدر المستطاع، حتى إن مديرًا تنفيذيًا شابًا، ممن كانوا في الاجتماع، لم يتعرف عليه عند دخوله. وقد أفاد موظف سابق ممن حضروا هذه الحادثة بأن ذلك الشاب نهض معرفًا عن نفسه، فما كان من بريغوجين إلّا أن حملق في وجهه، ثم أمسك به من كم سترته وأخرجه إلى الردهة حيث لكمه على وجهه لكمًا عنيفًا. 

بيد أنّ الحال تغيرت في هذه الأيام، فقلّة من الروس يتعذر عليهم معرفة بريغوجين حاليًا، إذ أصبحت مجموعة فاغنر أشهر قوة مرتزقة حول العالم، وأضحى قائدها اليوم، وحده من دون جنرالات الجيش، وجه الحرب الروسية على أوكرانيا؛ فهو إلى ذلك يُصدر البيانات الحربية عبر تليجرام (Telegram) وفكنتاكتي (VKontakte)، وهي منصة تواصل اجتماعي روسية بديلة عن فيسبوك. ولا يقتصر الأمر على ما سبق، فهو يقف ندًا للمؤسسة العسكرية الرسمية في روسيا ويواجهها علانية، وبذلك يعطي فرصة نادرة للمواطنين الروس حتى يطلعوا على صراعات السلطة التي تحدث عادة في الخفاء. وصحيح أن بريغوجين أخفق في مسعاه لإزاحة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، بيد أنّه يظل فاعلًا سياسيًا قويًا في البلاد، وتعزى هذه المكانة إلى المتابعة الجماهيرية الهائلة التي حققتها مجموعة فاغنر على منصات التواصل الاجتماعي. 

يرى بعض الشباب الروس بريغوجين بطلًا تعرض للخيانة جرّاء الفساد وانعدام الكفاءة في المؤسسة العسكرية المتصلبة، في حين يراه آخرون رجل عصابات حالفه الحظ، أو مجرد أداة في أيدي أجهزة الأمن التي ربما تتخلص منه حالما تحقق أغراضها، كما يظنّ فيه بعض الناس القدرةَ على اغتصاب السلطة من بوتين

ولئن عُرِف بريغوجين بسمعته السيئة، فإن دوره في هياكل السلطة لدى الكرملين ما يزال مبهمًا- ولعل ذلك هو النهج الذي يحبذه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إدارة الأمور؛ فالحكومة الروسية تستفيد من الالتباس والغموض المحيطان بموقع مجموعة فاغنر ضمن تسلسل القيادة حتى تنكر جرائم الحرب التي ارتكبتها المجموعة في أوكرانيا.

ويرى بعض الشباب الروس بريغوجين بطلًا تعرض للخيانة جرّاء الفساد وانعدام الكفاءة في المؤسسة العسكرية المتصلبة، في حين يراه آخرون رجل عصابات حالفه الحظ، أو مجرد أداة في أيدي أجهزة الأمن التي ربما تتخلص منه حالما تحقق أغراضها، كما يظنّ فيه بعض الناس القدرةَ على اغتصاب السلطة من بوتين.

أمّا بريغوجين نفسه فلاذ بالصمت والتكتم حيال طموحاته المستقبلية، بيد أن الاحتمال المرجح هو التنامي المطرد لقوته ليصبح لاعبًا مهمًا في مستقبل بلاده، خاصة إذا نجا من مكائد وأشراك أعدائه ضمن النخبة السياسية الحاكمة. ولا ريب أن إدراك التصرفات المستقبلية المحتملة لهذا الرجل المتلون يستلزم مراجعة التحولات في ماضيه. 

ولد يفغيني فيكتوروفيتش بريغوجين عام 1961، وبدأ حياته بأمثل بداية ممكنة في ظل حكم الاتحاد السوفييتي، فالتحق بمدرسة 62 الداخلية الرياضية في مدينة لينينغراد، وهي مؤسسة مرموقة اشتهرت بتخريج الرياضيين الأولمبيين، وقد أوشك بريغوجين نفسه أن يصبح متزلجًا محترفًا لولا تعرضه لإصابة حرمته من ذلك، وهو ما ذكرته وثيقة مسربة زعم مخترقون أنهم حصلوا عليها من محامي بريغوجين. 

حخهتال

وبدلًا من بروز بريغوجين في المجال الرياضي، ظهر اسمه لأول مرة في السجلات العامة ضمن عداد المجرمين؛ فقد حُكِم عليه بالسجن لعامين مع وقف التنفيذ بتهمة السرقة، وبلغ عمره آنذاك 18 عامًا، ثم ما لبث أن قام ببعض عمليات السطو بينما كان ما يزال خاضعًا للمراقبة. بيد أن منازل لينينغراد خلال الحقبة السوفييتية غلب عليها الفقر وأقفرت من الأغراض الثمينة التي يطمع بها السارقون، ففي شهر فبراير عام 1980 اقتحم بريغوجين وشريكه شقة سكنية، وسرقوا منها إناء وست كؤوس شراب وحمالة مناديل.

أفضت هذه المخالفات القانونية الصغيرة إلى جرائم أعنف وأخطر؛ ففي إحدى الليالي خرج بريغوجين ورفاقه للاحتفال بمبلغ 250 روبل سلبوه من رجل استدرجوه إلى زقاق مظلم، فلفتت أنظاره شابة ترتدي معطفًا جميلًا على حد وصف أحد أفراد العصابة، فتبعوها جميعًا في الشارع حتى استوقفها أحدهم طالبًا منها سيجارة. وفي اللحظة التي فتحت فيها حقيبتها، انقض عليها بريغوجين من الخلف ممسكًا رقبتها وأخذ يخنقها، فحاولت الصراخ طلبًا للنجدة غير أنه أحكم قبضته على رقبتها، فأغمي عليها وهوت على الأرض، فسلبها أحد اللصوص حذاءها، في حين نزع بريغوجين أقراطها الذهبية. وقد حكمت عليه المحكمة بعقوبة السجن لـ 13 سنة، وكان عمره آنذاك 20 عامًا. 

وغلبت على السجون السوفييتية في تلك الحقبة القسوة الشديدة وانعدام الرحمة. تقول لاورا بياشنتيني، وهي باحثة في علم الجريمة سبق لها العيش بين أوساط السجناء، إنه عندما دخلت البلاد عصر الانفتاح عقب سقوط الشيوعية، فإن نظام السجون كُرّس تحديدًا لممارسة العنف المتواصل فائق الفظاعة، ذلك العنف اللا إنساني المحض؛ إذ أودع السجناء في مهاجع يتكدس فيها 50 إلى 100 سجين، وشجّع الحراس بعض السجناء على فرض الانضباط في تلك المهاجع، وبذلك أصبحت الحياة اليومية في تلك السجون خاضعة لسيطرة وإدارة زمرة المجرمين المدعومين الذين كان يطلق عليهم اسم (vory v zakone)، أي اللصوص الذين يلتزمون بقواعد معينة. 

واتبعت هذه الزمرة قواعد صارمة، وساد بين أفرادها ميثاق شرف، لهذا تظنّ بياشنتيني أنهم احتقروا بريغوجين لأنه هاجم بعصابته امرأة وحيدة، وعاملوه لذلك معاملة سيئة في أثناء سجنه. وتحكمت هذه الزمرة أيضًا بتداول الأموال بين السجناء في السجن، فكانوا يستعملون الحيلة لتهريب الأجهزة الإلكترونية إلى الداخل مثل المسجلة أو التلفزيون، وهم إلى ذلك عرضوا على السجناء خدمات أخرى مثل حماية عائلاتهم في الخارج. ومن هذا المنطلق يتأتى القول إنّ حياة بريغوجين داخل السجن زودته بالمهارات الملائمة للنجاح في روسيا الجديدة التي أخذت معالمها تبرز في الخارج. 

ظهر بريغوجين في ساحة أحد السجون وهو يشحذ همم المجندين، والتف حوله مئات الرجال بينما كان يقول لهم: "ما تقدسونه قادر على إخراجكم من هذا السجن في نعوش، ولكنني قادر على إخراجكم أحياء".

أطلق سراح بريغوجين من السجن عام 1990 حينما كان على مشارف العقد الثالث من عمره، وهو يستذكر هذه الأيام قائلًا إنه بدأ حياته الجديدة ببيع النقانق في لينينغراد (سان بطرسبرج حاليًا)، إذ تحدث لإحدى الصحف فقال: "أعددنا صلصة الخردل في مطبخ شقتي، وتولت أمي مهمة جمع إيرادات البيع لدينا، فقد جنيت 1000 دولار أمريكي في الشهر، وكسبنا أموالًا كثيرة من الروبلات حتى تعذر على والدتي إحصاؤها جميعًا". وسرعان ما أقلع بريغوجين عن بيع الوجبات السريعة وعمل في مجال الطهو والمطاعم، فافتتح مطعمًا في أقبية بناء مصلحة الجمارك التاريخي في سان بطرسبرج، وترك إدارته لمضيف إنكليزي ذي شارب وخدين متوردين. وافتتح مطعمًا آخر على متن قارب نهري كان فيما مضى ملهى ليليًا عائمًا. 

توحي القصة على نحو ما رواه بريغوجين بأن نجاحه وليد الكد والعمل الشاق، بيد أن بعض الأشخاص يعتقدون أن وراء الأكمة ما وراءها؛ فميخائيل خودوركوفسكي، وهو رجل أعمال أوليغارشي سابق سجنه بوتين عام 2005، يزعم أن الجريمة المنظمة تورطت في أنشطة مطاعم بريغوجين في سان بطرسبرج. فاثنان من شركاء بريغوجين في مجال المطاعم امتلكا كازينو، لذلك من المستبعد ألا يكون قابل آنذاك رجال العصابات في هذا الوسط المشبوه، لا سيما أن سان بطرسبرج كانت حينها "شيكاغو الروسية" على حد وصف خودوركوفسكي. وتستذكر بطانة بريغوجين اليوم الذي تناول فيه نائب العمدة، المسؤول عن الكازينوهات وأمور أخرى، وجبة العشاء في مطعمه. كان ذلك الشخص هو فلاديمير بوتين. 

ولما استفحلت قوة بوتين وتبوأ مقاليد السلطة، أخذ بريغوجين تحت جناحه؛ فبعدما تولى بوتين منصب الرئيس عام 2000، أصبح بريغوجين متعهد الطعام المفضل له في المناسبات الرسمية الكبرى، فحاز بذلك لقب "طباخ بوتين". وتقرّب بفضل هذا الدور من أقوى رجل في روسيا، فضلًا عن زعماء العالم الآخرين، فالتقط له المصورون صورة وهو يمسح آنية زجاجية على طاولة عشاء بوتين، وأخرى وهو يحوم بجوار الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش. 

كحخهعا

 

تقول كانديس روندو، التي عاشت في سان بطرسبرج في تسعينيات القرن الماضي وتعمل الآن باحثة خبيرة في مجموعة فاغنر، إن عمل بريغوجين في مجال الطعام ليس بالأمر التافه بتاتًا؛ فبوتين كان ما يزال حديث العهد في السياسة حينما تولى الرئاسة، لذلك استغل الولائم الفاخرة لإبهار نظرائه من رؤساء الدول. ولم تكن هذه المهمة يسيرة على بريغوجين، إذ تعين عليه أن يتغلب على مشكلتين عويصتين هما: نقص الطعام والصيت السيء للمطبخ الروسي، بيد أنه نجح في هذه المهمة وأعد قوائم طعام راقية من مكونات تقليدية؛ فلمّا زار الرئيس الأمريكي بوش روسيا، قدّم بريغوجين وجبات مكونة من الطماطم الأستراخانية (نسبة لمدينة أستراخان الروسية) والخل البلسمي، وجراد البحر مع مربى الكشمش الشائك، وسمك الهف المقلي مع اللفت والكوسا الصغيرة، لكن بوش تناول شريحة لحم. 

وبرهن بريغوجين عن براعة فائقة في تنظيم المناسبات الكبيرة، فحظي لذلك بمكانة لا تضاهى لدى الحكومة الروسية، التي تعول في سياستها على المظاهر العامة الخادعة، بل إن الإسراف المبهرج في وجباته وترتيباته بلغ أحيانًا حدّ الهزل والسخرية؛ إذ كشفت بعض الرسائل الإلكترونية المسربة أنه قدّم للضيوف في حفل عشاء أقيم بمناسبة عيد ميلاد سيرغي إيفانوف، رئيس إدارة الرئاسة الروسية، لحم نعام صومالي، ولحم تمساح، ولحم قرش رمادي، وسمك البيرانا، لكن بوتين تناول شريحة لحم.

لا ريب أن بريغوجين حظي بثقة عمياء حتى بلغ هذا المنصب، لا سيما أن للروس باعًا طويلًا في تسميم الشخصيات السياسية. وقد تحدث ضابط استخبارات أمريكي سابق عن هذا الأمر منوهًا إلى أهمية دور الطاهي في الكرملين مقارنة بدوره في البلدان الغربية، ويقول إنه "يستلزم الأمر في روسيا ثقة راسخة في الطاهي الشخصي، فهذا الأمر مهم جدًا هناك". وما من شخصٍ أدرى بهذا الأمر من بوتين، فجده كان الطاهي الشخصي لستالين. 

تعرض دماغ الجندي المنشق الفار للتهشيم بمطرقة ثقيلة، وهي طريقة الإعدام التي أصبحت علامة مميزة لفاغنر.

وتقول روندو إن الأفراد العاملين في الخدمات المنزلية للقائد وبطانته يكتسبون نفوذًا واسعًا في الأنظمة الاستبدادية، "فسائقو الأفراد الأثرياء والمتنفذين في سان بطرسبرج والخدمُ والخادماتُ والطهاةُ، أولئك جميعًا ارتقوا في حياتهم، وأصبحوا الآن بمنزلة الحاشية الملكية في روسيا بوتين". فقد حصل بريغوجين على عقود لتزويد الطعام إلى المدارس والسجون والجيش الروسي بأكمله، محققًا بذلك ثروة طائلة حسبما يشاع، والأهم من المال هو محافظته على ثقة بوتين. 

ويمتنع موظفو فاغنر، إلا قلة منهم، عن الظهور على وسائل الإعلام، لكن منهم من كان مستعدًا للتحدث مثل مارات جابيدولين، وهو محارب من قدامى المحاربين تخلى عن منصبه في القوات المسلحة الروسية الرسمية عام 1993، ورغم أنه تعذر التحقق من جميع تفاصيل قصته، غير أنها متسقة مع الحقائق المتاحة. 

يقول جابيدولين إنّه كابد حتى يستقر في حياته المدنية بعدما غادر فرقة المظليين، فعمل حارسًا شخصيًا واضطر في إحدى المرات لإطلاق الرصاص على رجل عصابة سيبيري، فحكم عليه بالسجن 3 سنين جرّاء ذلك. وأخبره أحد رفاقه السابقين في الجيش عن مجموعة فاغنر، فسجل اسمه للانتساب إليها، ثم باشر مهامه القتالية في أوكرانيا، حيث نشب صراع مسلح في شرقي البلاد عام 2014 بين الحكومة والانفصاليين المدعومين روسيًا، ثم انتقل بعدها للقتال في سوريا حيث دعمت روسيا نظام بشار الأسد. 

يقول جابيدولين إنه خاض عام 2016 معركة مسلحة مع مجموعة مسلحة قرب مدينة تدمر، ولم يسمع في أثناء القتال دوي الانفجار الضخم الذي ألقاه في الهواء، فتشوشت حواسه كلها، ولم يحس إلا بالألم الشديد جرّاء عشرات الشظايا التي مزقت جسده، ثم أمضى شهرين متتابعين غائبًا عن الوعي في إحدى المستشفيات. ولمّا أفاق من غيبوبته ظل مترنحًا من إصابته الشديدة، غير أن أحدهم ناوله هاتفًا جوالًا وقال: "المتكلم هو يفغيني فيكتوروفيتش". ويصف جابيدولين هذه اللحظة بقوله: "بدا الأمر كأنه نداء من الرب"، وقد أخبره بريغوجين حينها أن مجموعة فاغنر تتكفل بنفقات علاجه اللازمة، ووعده بميدالية شرف ووظيفة مكتبية مريحة. وصحيح أن بريغوجين لم يرتدِ طوال حياته زيًا رسميًا إلا زي السجن، بيد أنه تعامل مع مقاتليه كأنهم رفاق سلاح. 

وما يزال الغموض يكتنف طريقة تحول بريغوجين من مجرد طاهٍ إلى قائد عسكري. يقول جابيدولين إن فاغنر كانت تعرف في بداياتها على أنها شركة، وهي إلى ذلك نشرت مرتزقتها في جميع أرجاء العالم من شبه جزيرة القرم إلى سوريا، ومن ليبيا إلى الكونغو. ففي سوريا دربت عناصر محلية، وشكلت قوات اصطدام رديفة لقوات النظام، أما في ليبيا فقاتلت في صفوف قائد المتمردين المدعوم روسيًا. وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، قدم "مدربو" فاغنر الدعم والتدريب لقوات الحكومة في أثناء الحرب الأهلية في البلاد. 

وفي عامي 2015 و2016 خدم رجال من المجموعة في أوكرانيا على أنهم جنود وهميون، أي أنهم قاتلوا مرتدين زيهم العسكري دون شارات تحدد هوياتهم، فغزوا أراضٍ تسيطر عليها القوات الأوكرانية ونفّذوا مهمات تخريبية واحتجزوا بعض الرهائن، وكان هدفهم الرئيس هو توحيد الجماعات الانفصالية المسلحة المتنافسة وإخضاعها لقيادة واحدة. وانتشرت شائعات فيما بعد أن مجموعة فاغنر دبرّت مقتل بعض القادة الانفصاليين ممن افتقروا للحكمة فتسببوا ببعض القلاقل. 

ولمّا تعافى جابيدولين من إصابته، انضم إلى طاقم بريغوجين وعمل مساعدًا شخصيًا له، فاستطاع بذلك أن يطلع اطلاعًا وثيقًا على أعمال المنظمة. فقد أشارت التغطية الإعلامية آنذاك إلى أن فاغنر تجني الأموال من سيطرتها على آبار ومصافي النفط السورية، بيد أن جابيدولين ينكر هذه التفسيرات ويؤكد أن قطاع النفط السوري كان "متداعيًا" و"في حالة انهيار"، وهو إلى ذلك يؤكد على حد علمه أن مجموعة فاغنر لم تكسب أي أموال قط ولم يدفع بريغوجين أي ضرائب على الإطلاق، وإنما حوّلت الدولة تلك الأموال لسداد نفقات العمليات التي طلبها الكرملين.

وفي عام 2017، أي حينما بلغ انتشار قوات فاغنر في سوريا ذروته، يُخمن جابيدولين أن المجموعة أنفقت زهاء 175 مليون دولار أمريكي، منها 25 مليون دولار على هيئة معاشات لعائلات المرتزقة القتلى. واستطاع بريغوجين أن يحصل على الدبابات والمركبات المدرعة وقاذفات الصواريخ وغيرها من الأسلحة الصغيرة. 

وصحيح أن بعض الناس لا يرون بريغوجين إلا شخصية تافهة من صناعة الكرملين، لكن يبدو أنه يتمتع بهامش من الحرية للعمل والمبادرة بنفسه؛ إذ يقول جابيدولين إن بريغوجين اتخذ في شهر فبراير عام 2018 قرارًا أحاديًا بإرسال رجاله للاستيلاء على آبار النفط في الأراضي الخاضعة لسيطرة القوات الكردية، ولم يدرك حينها أن القوات الأمريكية الخاصة ناشطة في المنطقة، وهو إلى ذلك إخفاق استراتيجي كبير. ولمّا رأى الأمريكيون دخول المرتزقة إلى تلك المنطقة، تواصلوا مع وزارة الدفاع الروسية عبر الخط الساخن المباشر ساعين بذلك لأن يتبينوا أنهم لن يشعلوا فتيل حرب عالمية إن صدوا الهجوم، فأكد الروس للأمريكيين أن لا جنود روس في المنطقة، فقصف الأمريكيون مرتزقة فاغنر، فمات منهم 100 جندي حسب تقديرات جابيدولين. 

خودوركوفسكي يشير إلى أن بوتين أعطى أوامره لمجموعة فاغنر حتى تغتال الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي في بداية الغزو.

تتباين الحسابات بشأن السماح بوقوع هذه الكارثة؛ إذ يقول بعض الأشخاص إن بريغوجين تلقى إذن الكرملين لشن هذه الغارة، غير أن مسؤولي وزارة الدفاع تنصلوا منها لأنهم أرادوا تقليص نفوذه. ويأتي جابيدولين بتفسير أبسط لهذه الحادثة، فقد أعطي الجنرال الروسي الذي أجاب عن مكالمة الأمريكيين أوامرَ بعدم التدخل في شؤون فاغنر، وبذلك فقد تقيد بهذه الأوامر حرفيًا. 

وكما هو معلوم غزت روسيا أوكرانيا في شهر شباط/ فبراير عام 2022. وفي بادئ الأمر لم يظهر للعلن أي دور لمجموعة فاغنر في هذه "العملية العسكرية الخاصة"، وهو الوصف الذي أطلقه الكرملين على عملية الغزو. وفي الحقيقة كان مرتزقة بريغوجين الخبيرين بالمعارك غائبين عن ساحات القتال في الأيام الأولى للحرب، وانتشرت الأقاويل والنظريات بخصوصهم غيابهم عن القتال. بيد أن الأوليغارشي السابق خودوركوفسكي يشير إلى أن بوتين أعطى أوامره لمجموعة فاغنر حتى تغتال الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي في بداية الغزو. والجدير بالذكر أن خودوركوفسكي أصبح الآن معارضًا للنظام الروسي، ويعكف على جمع المعلومات الاستخبارية من مقره في لندن، وهو إلى ذلك يقول إن مناوئي بريغوجين في المؤسسة الأمنية الروسية أبلغوا الأوكرانيين بأمر الاغتيال، ويزعم أن محاولة الاغتيال أخفقت إخفاقًا ذريعًا ومخزيًا حتى أن بريغوجين فقد حظوته السابقة، ولم يفصح خودوركوفسكي عن مصدر معلوماته ولا عن طريقة حصوله عليها. 

ومهما يكن السبب وراء غياب مقاتلي مجموعة فاغنر عن المعارك في الأيام الأولى، فإنهم سرعان ما ظهروا للعلن خلال الشهور القليلة التالية، خاصة بعدما أبدت أوكرانيا مقاومة فاقت كل التوقعات. 

وجلا دور مجموعة فاغنر للعالم في شهر سبتمبر عام 2022، وتحديدًا حينما انتشر على تويتر مقطع فيديو عجيب؛ إذ ظهر بريغوجين في ساحة أحد السجون وهو يشحذ همم المجندين، والتف حوله مئات الرجال بينما كان يقول لهم: "ما تقدسونه قادر على إخراجكم من هذا السجن في نعوش، ولكنني قادر على إخراجكم أحياء"، فلا يلزمهم إلا القتال ضمن مجموعة فاغنر في أوكرانيا. أدلى لهم بريغوجين بحبال وعدٍ يتعذر على كثير منهم رفضه، وقال لهم: "لن تعودوا إلى السجن مهما حدث"، ثم أمهلهم خمس دقائق حتى يقرروا قبول العرض أو رفضه. 

وكان بريغوجين حتى لحظة ظهور الفيديو يقاضي الصحفيين الذين يشيرون في كتاباتهم إلى صلته المحتملة بمجموعة فاغنر، أما الآن فأخذ يصرح بهذا الأمر علانية. وما انقضى يوم واحد بعد هذه الحادثة إلا وشهد تصريحًا من بريغوجين أو ظهورًا في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ كان يظهر غالبًا مرتديًا زي المعركة على خطوط المواجهة الأولى. وسرعان ما افتتح مقرًا جديدًا لفاغنر في سان بطرسبرج، وهو برج زجاجي فوق بابه عبارة مكتوبة بأحرف سريالية ضخمة: "مجموعة فاغنر، شركة عسكرية خاصة". وبدا بريغوجين محصنًا من الانتقادات والمحاسبة بسبب الطلب المتزايد على الجنود في الخطوط الأمامية، فهو إلى ذلك المُزوّد الذي يحتاج إليه الكرملين. وقد اعترف بريغوجين أيضًا في الآونة الأخيرة بتأسيسه مجموعة من الحسابات الإلكترونية في محاولة للتدخل في الانتخابات الأمريكية عام 2016، وسبق له أن أنكر هذا الادعاء.

خهت

ومع ذلك تضمن الوعد الذي قطعه بريغوجين تحذيرًا شديد اللهجة للسجناء الذين سجلوا أسماءهم للانتساب إلى فاغنر، إذ قال إن "المجندون الذي يبلغون خطوط القتال الأمامية، ثم يتذمرون قائلين إن هذه الأمكنة لا تناسبهم، فهم لدينا بمنزلة الفارين، وسنعدمهم رميًا بالرصاص".

ونشرت مجموعة فاغنر مقطع فيديو لسجين سابق اسمه يفغيني نوزين، كان محكومًا عليه بالسجن 24 سنة بتهمة القتل، ثم أطلق سراحه حتى ينضم للقتال في أوكرانيا، بيد أنّه انشق وهرب قبل أن يقبض عليه مرة ثانية. وقد ظهر نوزين في الفيديو داخل قبو مظلم، وبدا رأسه ملتصقًا بجدار من الطوب، ثم هُشِّم دماغه بمطرقة ثقيلة، وهي طريقة الإعدام التي أصبحت علامة مميزة لفاغنر، وقد وصف بريغوجين الفيديو بأنه عمل إخراجي متقن، وزار إحدى وحدات قوات فاغنر مهديًا إياها مطرقة محفور عليها عبارة "لقتل الأرانب"، أي أولئك الفارين من القتال. 

وتقول وزارة الدفاع البريطانية إن عدد جنود فاغنر في أوكرانيا بلغ في بعض الأوقات 50 ألف مقاتل، وكان أربعة من أصل كل خمسة منهم سجناء سابقين. وفي ذلك الوقت صمم بريغوجين على نسب المجد والبطولة لمجموعة فاغنر وحدها؛ ففي شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، أعلن استيلاء من سماهم أعضاء الأوركسترا الخاصة به (أي مقاتليه) على بلدة سوليدار في شرق أوكرانيا، وقال وقتها: "أؤكد لكم أن ما من وحدات أخرى شاركت في هذا الهجوم إلا مقاتلي فاغنر"، (لكن هذا الادعاء خاطئ، فقد قاتل الجيش الروسي كذلك). 

وعقب ذلك انتقل بريغوجين في هجومه صوب باخموت، وادعى كذلك أن قوات فاغنر ستستولي وحدها على هذه المدينة. وفي الوقت عينه لم تصدر أي بوادر للمساعدة من جنرالات الجيش الروسي، وهنا يبين خودوركوفسكي أن وزير الدفاع شويغو ورئيس الأركان العامة فاليري جيراسيموف يريان جنود فاغنر كسقط المتاع، فهم مجرد جنود مشاة تافهين يستدرجون قذائف المدافع الأوكرانية، ويطهرون حقول الألغام عبر السير فيها، ويحددون مواقع العدو بإطلاق النار. ويتابع خودوركوفسكي كلامه بالإشارة إلى رغبة بريغوجين حينها في استخدام المدفعية الثقيلة لتمهيد الطريق أمام تقدم مقاتليه، وهو أمر اعتيادي في الوحدات القتالية النظامية، بيد أن وزارة الدفاع الروسية امتنعت عن استخدام إمداداتها المحدودة من الذخيرة والقذائف لتسهيل تقدم المرتزقة. 

كتا

وهكذا لم تسقط باخموت سريعًا كما كان متوقعًا. أما بريغوجين فاشتد غيظه وغضبه من "الكسالى" في مؤخرة الجيش، الذين يتناولون طعامهم في "أطباق ذهبية" بينما يعود رجاله إلى منازلهم قتلى في النعوش. واللافت في الأمر أن التلفزيون الحكومي الروسي، الذي اعتاد تمجيد بريغوجين والاحتفاء به، امتنع هذه السنة عن تغطية أخباره أو الاهتمام بها كما السابق، مما يوحي بأن كفة الصراع مالت لصالح خصومه في المؤسسة العسكرية. 

ويقول جابيدولين، موظف فاغنر السابق، إن براعة بريغوجين في التصرف تتجلى حينما يضيق عليه الخناق ويصارع للنجاة، فيقول: "إنه رجل صعب المراس وليس شخصًا عاديًا، فمن سوء التقدير معاملته على أنه مجرم أحمق، فهو شديد الذكاء والخطورة".

في شهر أيار/ مايو الماضي زعم بريغوجين أن قواته استولت على مدينة باخموت، بيد أنها خسرت 20 ألف جندي لتحقيق هذه الغاية. وأجرى بريغوجين مقابلة تلفزيونية لاذعة اللهجة، فهاجم خلالها وزير الدفاع شويغو ووزير الخارجية سيرجي لافروف وآخرين من النخبة الحاكمة، الذين أرسلوا أولادهم إلى بلدان أخرى، في حين أرسل المواطنون الروس أولادهم للقتال في الجبهات، وأوشك أن يبصق في وجه الكاميرا حين قال غاضبًا: "يا أولاد الفاعلة، اجلبوا أولادكم وأرسلوهم إلى الحرب". 

وتعيش موسكو في الوقت الراهن حالةً من الإثارة والترقب بشأن طموحات بريغوجين السياسية، فقد برهن أنه رجل ذكي يحب الاستعراض والاستفزاز، ولو أنه فظ الأخلاق. ولمّا انتقد البرلمان الأوروبي انتهاكات فاغنر، أرسل لهم صندوقًا على شكل آلة كمان قاصدًا بذلك جوقته الموسيقية (أي مقاتليه)، وداخل الصندوق مطرقة ملطخة ببقع حمراء، أو ربما دماء! وهو إلى ذلك يقول إنه يعتزم الترشح لرئاسة أوكرانيا مستقبلًا. 

حخهعغب

ولا يظن جابيدولين أن بريغوجين- رئيسه القديم- راغب في الوصول إلى سدة الرئاسة في بلده، وهو إلى ذلك يقول: "إن رئيس روسيا مسؤول عن كل الأمور فيها، وجميع الإخفاقات والأخطاء". ويعتقد جابيدولين أن نية بريغوجين الحقيقية هي شغل الدور الشاغر عقب وفاة فلاديمير جيرينوفسكي في العام الماضي، وهو سياسي قومي متطرف أباح له النظام الروسي توجيه الانتقادات العلنية ضمن حدود معينة، ويقول جابيدولين: "إنه موقع مناسب تمامًا، فلا يلزمه التعامل مع أي مشكلات، وإنما يستطيع التحدث بصراحة على العلن، وجني الأموال مستفيدًا من موقعه السياسي". 

وتميل فيونا هيل، المسؤولة السابقة عن السياسة الروسية في مجلس الأمن القومي الأمريكي، إلى الرأي القائل إن بوتين يحقق منافع سياسية كثيرة من ظهور معارضة يمينية، فهذا الأمر يجعله خيارًا معقولًا مقارنة بالخيارات الأخرى المتطرفة. وتعتقد هيل أن هذا التقدير السياسي يفسر ظهور سلسلة من المقالات في الصحافة الروسية عن احتمال ترشح بريغوجين لمنصب الرئاسة، ويفسر أيضًا الامتناع عن عقابه جرّاء انتقاداته العلنية المتهورة بحق الكرملين. وترى هيل أن بريغوجين برع في استخدام الخطاب الجماهيري الطنان، وهو إلى ذلك قادر على تأدية دور البعبع الذي قام به جيرينوفسكي في السابق. 

ولدى هيل رأي لافت للاهتمام بشأن ديناميكية القوة بين بوتين ورئيس الطهاة المدان؛ فهي تظن أن من الأسباب التي تدفع بوتين لتوثيق صلته ببريغوجين هي الظهور بمظهر الرجل القاسي والمهاب جرّاء الارتباط بينهما، وهي صورة يتوق إليها بشدة؛ فعندما عكفت هيل على مراجعة سيرة بوتين الذاتية قبل بضع سنين، ارتابت بأن جميع القصص التي تحدد معالم الإرث الشخصي للرئيس الروسي، أي قصة الطفل البائس الذي يقاتل في فناء عمارته السكنية في لينينغراد، وتقييم شخصيته في جهاز الاستخبارات السوفييتية بأنه لا يهاب المخاطر، ما هي إلا قصص اختلقها بوتين بنفسه. 

تقول هيل: "ينتابني التساؤل أحيانًا عن مدى الطبيعة القاسية لبوتين، فعندما تجلس بجواره مباشرة، لا تبدو سمات القسوة والهيبة بارزة عليه حقًا. فصحيح أن جسده يبدو رياضيًا ومثاليًا، بيد أنه لا يبث الخوف ولا الرهبة في نفوس الآخرين". ومن المحتمل أن بريغوجين لا يرى رئيسه قويًا كما يدعي، وهنا تشير هيل إلى أنه ربما يتأمل بريغوجين ويتساءل في قرارة نفسه: "لماذا لا أكون أنا الرئيس؟!"