النحات العراقي أحمد البحراني.. وسائد من البرونز

النحات العراقي أحمد البحراني.. وسائد من البرونز

أحمد البحراني (فيسبوك)

تجابه المتصفح للتراث الفني الرافديني الهائل العديد من الأسئلة والإشكاليات، فلا تزال أعمال الفنان العراقي القديم تمتلك خطابًا فنيًا معاصرًا، قادرًا على بث طاقة مؤثرة ومتجاوزًا الشرط التاريخي لمعانقة الخلود، مما يضع على كاهل الفنان العراقي المعاصر- الذي يرتبط بها بروابط عدة، ليس رابط الأرض إلا أبرزها- حتمية محاورة هذه الأعمال، وعبء المواصلة وإنتاج أعمال لها أثرها في مخيلة المتلقي ووجدانه.

المخدة استعارة لآلامنا وهمومنا وأحلامنا وأفراحنا، ارتقى بها البحراني إلى مستوى الرمز الفني

هذا التراث الكبير وما ارتبط به من هموم ومشكلات، ربما بات لعنة، تجسدت على شكل تحدٍ معلن وصارخ منذ نشأة الفن العراقي الحديث في منتصف القرن العشرين تحديدًا، وظهور الجماعات الفنية التي لامست أسطح النصوص التراثية بنكهة التأثيرات الأوروبية لتقدم أعمالها الفنية الأولى. لكن هذه التجارب لم تكن في رأيي مجدية لأسباب كثيرة، أبرزها عدم القدرة على إحداث قطيعة معرفية وجمالية مع التراث الفني. فلم تستطع أعمال الحداثة الأولى الغائية واليقينية التحرر من عبء التاريخ، فكانت مشاريع خاصة مرحلية على وجه التحديد.

اقرأ/ي أيضًا: علي يماني.. تسخير اللون لانعتاق الإنسان

لكن الجهود لم تقف مكتوفة الأيدي إزاء هيمنة النموذج الفني التراثي أو الوقوع في مستنقع محاكاة التجارب المستوردة، فسرعان ما استطاع الفنانون إيجاد القيم الفنية والمعرفية وإنتاج أعمال أوجدت لها مسارها الطليعي الخاص.

وبعد عام 2003، ونتيجة للتلاقح الثقافي الكبير بعد سقوط النظام الشمولي المنغلق، ظهرت تجارب فنية فردية مميزة، عبرت عن التحولات التي طالت كل المستويات الحياتية وعكست صورة العنف الهائل الذي شهدته البلاد.

واحدى أبرز هذه التجارب هي تجربة الفنان أحمد البحراني النحتية، والتي تجلت ملامحها المميزة منذ معرضه الأول "ضد الحرب"، ولتؤسس بدايةً لنزوع فني مجدد ونهضة جديدة لفن النحت لافي العراق فحسب بل في منطقتنا على مستوى التقانة والمفاهيم، وتبرز هذه التجربة اليوم في مشروعه الأخير "مخدة" بصورة جلية.

اختار البحراني قطعة أو حاجة نتعامل معها دومًا في حياتنا اليومية. نتركها في الصباح بوعود وآمال لنعود إليها في المساء بنجاحات أو اخفاقات وليتجدد الأمر في دورات متتالية.

المخدة إذًا استعارة لآلامنا وهمومنا وأحلامنا وأفراحنا، ارتقى بها البحراني إلى مستوى الرمز الفني بما ينطوي عليه من إيجاز وغموض وإيحاء وانفتاح دلالي.. إلخ، وبما ينشئه من  روابط وثيقة مع المتلقي سواء في تبادل المشاعر والانفعالات أو استثارة فعالية التأويل.

يسعى البحراني إلى تهوين ما أفرزته الحروب لسنوات عدة، والخروج من الحرب عملية ليست بالهينة تتأخذ مسارًا معقدًا، ولكنها بالنهاية محاولات ناجحة تنتهي بالأمل المرتقب للمتلقي، بالتأكيد لا يستطيع أحد إيقاف الحرب، ولكن بالخطاب الجمالي يشير إلى أن هنالك كارثة، يتطلب الامر موقفًا حازمًا.

تثير ثيمة "المخدة" مفارقة على مستوى أداء المادة. فالبرونز مادة صلدة تتعارض والطبيعة المعروفة للوسائد من ليونة ونعومة وسهولة في التشكل، وما ارتبط بها من دلالات الرقة والراحة والأحلام. فكأن الفنان أراد بذلك الإشارة إلى ثنائية معاشة، خبرها وعانى منها. ثنائية المنفى القاسي قسوة البرونز والوطن الناعم نعومة وسادة. فالفنان يشركنا في هذه التجربة والمعاناة ويفتح أمامنا مجال الحلم ونحن نضع رؤوسنا على وسائد من البرونز.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الفجوات المسكونة بالكائنات الغيبيّة في أعمال النحات اللّبناني بسّام كيرولس

الفنان الفلسطيني مصطفى الحلاج.. تراجيديا في الحياة والموت