المخرج خارج البيت.. السينما في المكان الغريب

المخرج خارج البيت.. السينما في المكان الغريب

من ثلاثية الألوان (IMDB)

من عدة شروط هامة وأساسية لصناعة الأفلام هي البيئة، أو المكان الذي تجري فيه الأحداث، يصل المثقف إلى مستوى معين من فهمه للبيئة التي يعيش فيها، يدفعه لمحاولة التعبير عنها وعكس صورتها في فيلمٍ أو رواية أو عمل فني. هذا الاستيعاب من شأنه أن يعكس العلاقة بين المثقف وهذه البيئة وطريقة التعبير عنها بما يكشف عن مدى تمكنه من القول وحريته في المكان.

أهم ما يميز الأفلام التي تجري أحداثها في بيئات غير مألوفة لصنّاعها أنها تقدم البيئة من وجهة نظر الغريب

مع الحضور الباهت لفيلم المخرج الياباني هيروكازو كوريدا "الحقيقية" (la vérité ) في افتتاح "مهرجان فينيسيا السينمائي" لهذا العام تحضر إلى أذهاننا تجارب العديد من المخرجين الذين خرجوا من بيئاتهم لتصوير الحياة في أمكنة أخرى، متحايلين على مهمة العيش في مكان غريب ومحاولة فهمه والتأقلم به من خلال عدسة الكاميرا. 

اقرأ/ي أيضًا:

قدم صاحب السعفة الذهبية فيلمه الأول خارج اليابان، ولم يخرج منها كإطار مكاني فقط، بل غيّر لغته وتفاصيل كثيرة، عمل في مكان آخر مع ممثلين فرنسيين بلغة لا يتقن منها حرفًا، هذه التفاصيل مجتمعة غاية في الخطورة من شأنها أن تسقط العمل أو ترفعه.

كوريدا ليس الأول الذي يحاول الخروج من البيئة التي حفظها وفهم مفاتيحها محاولًا اختبار تجربة العمل في بيئة جديدة، المجهول فيها كبير. بل سبقه إلى هذا العديد من مخرجيّ السينما الكبار والمؤثرين في تاريخها.

يدفع هذا التصور إلى الواجهة سؤال هويّة الفن، هل يلحق العمل هوية صاحبه؟ أم يأخذ جنسية البلد الذي يقدم به؟ وكيف تسمى مشاركة عنصر أجنبي في عمل يجري في بيئة موحدة؟

كلها أسئلة حاول العديد من المخرجين والفنانين الإجابة عليها من خلال الخروج عن الإطار الجغرافي الذي يعيشون به، منطلقين وتجاربهم إلى بيئات أخرى مختلفة محاولين أن يقدموا مقولات جديدة عن العالم.

نستعيد في هذه القائمة أسماء مجموعة من مخرجيّ السينما الذي عملوا خارج بيئاتهم، وقدموا أعمالًا لم تكن أقل من تلك التي صنعوها في محيطهم الأصلي.

الجدير بالذكر قبل البدء بأنّ أهم ما يميز تلك الأعمال التي تجري أحداثها في بيئات غير مألوفة لصناعها أنها تقدم البيئة من وجهة نظر الغريب، تطرح سؤال الهوية، الآخر، وتنبش في التفاصيل المسكوت عنها، حيث يرى الغريب أو القادم الجديد مع حكايته وأفكاره إلى ذلك العالم ما لا يراه ابن المكان، فيطرح مجموعة أسئلة ربما لم تخطر على بال أصحاب المكان، لذلك علينا أن نرى تلك التجارب على أنها مساهمات إنسانية من محاولة فهم العالم، من خلال الخروج من المكان المفهوم نحو الأمكنة الخطرة أيّ الغريبة.


1- الجميع يعلم إلاّ نحن

الفيلم الأخير للمخرج الإيراني أصغر فرهادي "الجميع يعلم" الذي قدم أحداثه في قرية صغيرة في إسبانيا، ليس الخروج الأول له من إيران فقد سبقته تجربة للمخرج في فرنسا كانت ناجحة وتعتبر علامة فارقة في تاريخه، كانت في فيلم "الماضي" (ThePast)، الذي تم تصويره في فرنسا مع ممثلين فرنسيين، ويعالج أسئلة العائلة الفرنسية المنفصلة، وحكايات أخرى. فرهادي الذي برع في كشف ما هو مسكوت عنه في المجتمع الإيراني، وقاد حكاياته للكشف عن معاناة ومشاكل عائلية اجتماعية لها روابط مع السياسي والديني في المجتمع، في التجربة الإسبانية حضرت أيضًا أسئلة المكان الجديد، سؤال البنوة والأبوة، أسئلة يعيدها الزمن إلى المقدمة بعد أن اعتقدنا بأنها انتهت. الخصوصية الإسبانية أيضًا ظهرت في صورة المكان التي قدمها الفيلم، وطريقة معالجة الحكاية هو المعروف بحبكات حكاياته المشوقة، أضاف عليها في هذه التجربة بعدًا جديدًا. لذلك يمكن اعتبار مغادرته إيران هي تغيير مكاني فقط، يشهد على براعته السينمائية وإمكانياته في نقل تفاصيل أيّ بيئة يريد مع الحفاظ على خصوصيتها وأسلوبه.

2- أزرق، أبيض، أحمر.. عن كل ما لم نختبره بعد

فيلم "ثلاثية الألوان" يستلهم رمزية عنوانه من ألوان العلم الفرنسي، ويعمل أيضًا على رمزية كل لون ليبنى خيوط حكاياته، في محاولة من المخرج كريستوف كشلوفسكي لإعادة تعريف الشعارات الكبرى التي تشغل جزءًا من تفكيرنا دون أن نجد لها إجابات دقيقة من حياتنا اليومية. يأخذ المخرج معاني الحرية المساواة والإخاء إلى مكان آخر، ويضعها في مكان بعيد عن الشعارات التي لا يمكن فهم لماذا نحفظها ولا نستخدمها، ويجعلها أكثر قربًا من اليومي المعاش، لتبدو تجربة الحرية قابلة للفهم والتجريب، منعكسة على تفاصيل دقيقة من حياة بشر عاديين يشبهوننا، فبذلك هو خَلَصَ الكلمة من جمودها وأعطاها أبعادًا أخرى.

هذا البولندي الذي صور أفلامًا عن فرنسا دون حتى أن يتقن اللغة، وضع سؤال المعنى المرجو من هذا القول في مقدمة الاختبارات التي تواجه الغريب صاحب مهمة الكشف والقول. صحيح أنه عمل خارج بولندا إلًا أنه قدم صور عن العيش ومعاني التجربة الإنسانية لم يمكن تلخيصها أو تحديدها في مكان أو إطار واحد.

3- نقطة زابرنسكي دائمة الانفجار

لطالما كان العالم بالنسبة للمخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني مادة قابلة للتفكك وإعادة الإنتاج، على الدوام يمكن التلاعب بها وإعادة تشكيلها، غير أنّ روي الحكايات في عوالم هذا المخرج له بعد جديد يتولد على الدوام من حكايات تُظهر تشتت الإنسان وضياعه في العالم.

بعد فيلم "الصحراء الحمراء"، الإيطالي شكلًا ومضمونًا، خرج أنطونيوني في فيلمه "Blow-up" من إيطاليا، والذي يعتبر أول أفلام ثلاثيته الناطقة بالإنجليزية وذات الإنتاج الأمريكي. انتقل أنطونيوني من المحليّة الإيطالية إلى الحياة الأمريكية، على وجه الخصوص مع فيلم "نقطة زابرنسكي" (Zabriskie Point) وبقي خارج إيطاليا أيضًا في فيلم "المسافر" (The Passenger) حيث جاب فيه فضاءات وعوالم أشد غرابة بين أفريقيا وأوروبا.

ذهب أنطونيوني في نقطة زابرنسكي إلى شكل الحياة مثلما تبدو لنا في ستينيات القرن الماضي، تلك السنوات الحاملة لكل أشكال التمرد وسط تصاعد اليسار وغليان الحياة الطلابية وحركات التحرر، هنا لم يعد العالم كما كان في فيلمه المغامرة، ورحلة البحث عن المرأة المفقودة وإعادة تعريف الخيانة من خلال الإطلالة على عالم يعج بالشخصيات المنكسرة، العالم في "نقطة زابرنسكي" الذي يحاكي تجربة العيش في أمريكا خلال فترة صاخبة ومتمردة هو عالم الانفجارات السريعة والانفعالات والتغييرات.

4- نسخة طبق الأصل وأكثر

لم يكن من الصعب التعرف على الهويّة السينمائية لشاعر السينما والصورة المخرج الإيراني عباس كياروستامي في فيلمه "نسخة طبق الأصل" الذي أخذه إلى إيطاليا ولكن بلغة إنجليزية وممثلين فرنسين. هذه الهويّات المتعددة للمنتج لم تأت على مضامين أفلام المخرج وشكلها، يمكن التوقف عند هذا الفيلم كثيرًا، فيلم منشق ومتضمن في الوقت ذاته عن أفلام كياروستامي التي تأتي متفردة بنبرة إبداعية ظاهرة في الصورة تحاكى الحياة في إيران، على اعتبار أنها السياق المكاني الذي لعب فيه المخرج وحفر فيه أبعادًا جديدة، وأسست لاحقًا لظاهرة سينمائية تعاقبت عليها أسماء كثيرة.

فيلم نسخة "طبق الأصل" الذي يبحث في هم إنساني وأبديّ حمل بصمة المخرج ورؤيته الأسلوبية، ولكن طغت عليها بطولة الممثلة الفرنسية جولييت بينوش التي نالت جائزة أفضل ممثلة عن ذلك الدور في مهرجان كان السينمائي عام 2010. إيران التي لم يغادرها المخرج إلاّ في عملين له، الأول تسجيلي "ألف باء أفريقيا" 2001، والثاني قصير مشترك "تذاكر" 2005. يقدم لنا في نسخة "طبق الأصل"، بطاقة دخول إلى مغامرة إنسانية يمسك بطرفيها رجل وامرأة في محاولة تتبع ملابسات سوء فهم أزلي حاضر في تفاصيل رحلة قصيرة كياروستامية بامتياز.

اقرأ/ي أيضًا:

بين الكواليس والخشبة.. كيف صوّرت الأفلام عوالم المسرح؟

عندما يرن الهاتف.. نماذج من السينما العالمية