عندما يرن الهاتف.. نماذج من السينما العالمية

عندما يرن الهاتف.. نماذج من السينما العالمية

من فيلم الطيور (mentalfloss)

التلفون الثابت أو الموبايل من الأغراض الأساسية المؤثرة على خط سير الأحداث في أيّ الفيلم، وقد يستخدم جهاز الهاتف بطريقة خدميّة لنقل المعلومات، ويوظف في أماكن أخرى بهدف دفع الأحداث أو تغيير مسارها. بعض الأفلام قد تستغني عن هذا الغرض وأفلام أخرى تقوم حكايتها على انتظار صوت رنين الهاتف ووصول مكالمة من شخص قد تغير خطة الشخصيات. تصل الأخبار عبر الهاتف وقد يحمل الخط أيضًا تغيرات جوهرية من شأنها قلب الأحداث. كما يُعتمد على المكالمات الهاتفية لفتح حبكات صغيرة أخرى في الحكاية أو للانتهاء من أمر ما معلق، وقد يستخدم كغرض للزينة أو ديكور يعبر عن حقبة ما.

استخدام الهاتف كجهاز اتصال في السينما لم يقتصر على نقل المعلومات، بل يتعدى في بعض الأفلام ليصبح أداة يدور حولها مصير البطل. اليوم، لم يعد استخدام جهاز الهاتف المنزلي الثابت ذا شأن كبير، نظرًا للتغيير الذي أصاب أدوات الاتصال وحلول وسائل التواصل الاجتماعي في الحياة كأمور لا مناقشة في ضرورتها، فنلاحظ أن المحادثات المكتوبة والرسائل القصيرة قد حلّت محل صوت الشخص على طرف الآخر، أو صوت وصول رسائل عبر برنامج واتساب أو ماسنجر هو البديل عن صوت الرنين القوي في الأفلام المصرية، ومشاهد كابينات الهاتف في الشوارع في بعض الأفلام الأمريكية، أو مشاهد الهواتف المنزلية الثقيلة التي يتكبد البطل مشقة حملها أو الاقتراب منها والمشي باتجاهها من مسافة بعيدة. بالضرورة أثّر هذا الغرض على طريقة تصوير المشاهد وحركة الكاميرا. كما لم يعد غرضًا في وسط غرفة الجلوس، أو بجانب السرير بل أصبح بحجم أصغر موضوعًا في الجيب أو الحقيبة، ولم يعد البطل في الخارج معزولًا عن الأخبار ولن تفوته معرفة أيّ خبر يؤثر على سير الأحداث.

من أجل الغوص في عوالم المشاهد التي تدور حول الهاتف كغرض أساسي، وتجعل منه مؤثرًا في سياق الفيلم، سنقوم باستعراض مجموعة من الأمثلة من السينما العربية والعالمية بهدف الوقوف عند ذلك التأثير، وكيف تم اللعب به ومن خلاله من أجل عرض الحكايات؟


1- نبدأ مع مثالين من أفلام السينما المصرية الكلاسيكية، مشهدين من فيلمين مختلفين كان للمكالمة الهاتفية دورًا أساسيًا في وجودهما، بالطبع، الأمثلة غير معدودة فلا يخلو أيّ فيلم عربي من استخدام الهاتف للحصول على المعلومات والأخبار، إلاّ أن الخبر الذي تحصل عليه صباح في فيلم شارع الحب في بطولة مشتركة لها مع عبد الحليم حافظ قد يغير في شكل العلاقة العاطفية وتطورها بينهما، ويمكننا من خلاله كمتابعين للفيلم أن نتأكد من حقيقة مشاعر مديحة تجاه المغني الشاب عبد المنعم صبري، الذي يكابد بهدف النجاح. وفي هذا المشهد وبسبب المكالمة الهاتفية التي وصلتها في مشهدٍ سابق تتحضر صباح لتغني لحبيبها بهدف اقناعه بعدم التخلي عنها، وتظهر أغنية لأ لأ الشهيرة. يعتبر فيلم شارع الحب من إخراج عز الدين ذو الفقار وكتابة يوسف سباهي، واحدًا من أشهر أفلام الحب والذي جمع نجمين من عالم الغناء.

المثال الآخر أكثر دراميّة، من فيلم غروب وشروق للمخرج كمال الشيخ. لم تستطع سعاد حسني الغارقة في النوم أن ترد على المكالمة الواردة من رشدي أباظة صديق زوجها والذي كان سيخبرها بأنه خرج وقفل باب الشقة التي تنام فيها، بعد أن جاءت إليه بهدف المتعة وقضاء الوقت، وهي الآن في ورطة لأن زوجها على وشك الوصول من إحدى سفراته. يسبب ضياع هذه المكالمة الطلاق بين مديحة وزوجها، ويقوم صديق الزوج بسبب شعوره بالندم بفضح والد زوجة صديقه عزمي باشا، الذي كان رئيس البوليس السياسي وقتها، حيث تجري الأحداث في أعقاب ثورة يوليو 1952. فيسلم وثائق سريّة لزملائه من حركة الضباط الوطنيين بغية القضاء على رمزية تلك الشخصية.

2- فيلم يومان وليلة للمخرجين البلجيكيين جان بيير ولوك داردين، وأداء الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار. يقع على عاتق ساندرا المفصولة من عملها أن تدور على بيوت زملائها في العمل بهدف اقناعهم على الوقوف بجانبها كي لا تفصل من عملها وبالتالي تعيش في ضائقة ماديّة مع عائلتها. بعد أن تصلها مكالمة هاتفية تخبرها بأن الاختيار قد عليها من بين الموظفين لترك عملها. ووسط حالة من الانهيار النفسي تقرر ساندرا جاهدةً القيام بتلك الرحلة إلى بيوت هؤلاء الزملاء بهدف حثهم للدفاع عنها. وصول المكالمة الهاتفية في بداية الفيلم دفعت بأحداثه إلى الأمام وكان السبب في رحلة ساندرا خلال يومين. إلاّ أن غياب الهاتف من تلك الرحلة هو المؤسس الأساسي لفكرة الذهاب لزيارة بيوت الزملاء، لربما لم تفضل ساندرا أن تحل مثل هذه المشكلة المصيرية عبر الهاتف، لذلك لجأت إلى تلك الزيارات التي شكلت جوهر الفيلم.

3- عودة إلى الكلاسيكية قليلًا، لا يمكن إلاّ تذكر مشهد اختباء البطلة من كابينة الهاتف العمومي في مشهد من فيلم الطيور للمخرج ألفريد هتشكوك. عندما تهاجم الطيور القاتلة إحدى البلدات الصغيرة وتقتل سكانها. تحاول ميلاني دانييل (تيبي هيدرن)، الهرب والنجاة من تلك الطيور القاتلة، وفي إحدى المرات التي تهاجم بها الطيور البلدة تكون ميلاني في الشارع فلا تجد إلاّ كابينة الهاتف العمومي للاحتماء من الموت. يلعب ذلك المكان دورًا أساسيًا في نجاتها من ذلك الهجوم، ويتم تصوير المشهد من داخل الكابينة التي نرى من داخلها ماذا يجري في الخارج، تم توظيف هذا المكان الضيق توظيفًا سينمائيًا أثّر في مشاعر المشاهدين الذين صاروا محصورين في مكان صغير يشاهدون هجوم الطيور، ما زاد من مشاعر الإثارة والتشويق. لطالما اعتبرت كابينة الهاتف العمومي الموجودة في الشارع مكانًا حميمًا وخاصًا ضمن سياق أكثر عمومية، غالبًا ما يتلقى أبطال الأفلام مكالمات خاصة من خلالها، ويشكل ذلك المكان دورًا هامًا في خطة سير الأحداث، صارت اليوم كابينة الهاتف ديكورًا أو غرضًا للتعبير عن أحداث ما تعود إلى حقبة زمنية معينة. تلعب المكالمات الهاتفية دورًا هامًا في أفلام هتشكوك لتأخير حدوث أمر ما، أو لوصول نبأ أو خبر عن حالة ما، كما أن غياب الهاتف وانقطاع الشخصية يحمل الكثير من المعاني في أفلامه.

4- فيلم Her للمخرج سبايك جونز. على الرغم من أن رنين الهاتف ووجود الهاتف في الفيلم لا يشكل أيّ أثر أو يحمل وقائع ومشاهد، وإنما فكرة التواصل مع الآخر الغائب، وظهور الصوت الذي يتواصل معه البطل على الدوام هو ما يجعل من إحدى مهام الهاتف وتوظيفه دراميّا أمرًا في غاية الأهمية. يدمن ثيودور الذي يعاني من أزمة عاطفية ونفسية على صوت سامثا الذي يأتيه من نظام التشغيل الجديد OS1 الذي صَدر حديثا وتم الإعلان عنه كأذكى نظام تشغيل صناعي في العالم، فقرر استخدامه للتعرف عليه والتغلب على وحدته. يقومالفيلم  في مجمله على تلك المكالمات الطويلة التي تأتي من البرنامج وتغير حياة ثيودور بشكل كبير. البرنامج ليس هاتفًا والمكالمات لا تجري عن طريق رقم، ولا رنين واضح مستخدم كالرنين الذي نسمعه في الأفلام الأخرى، وإنما شكل العلاقة التي صارت بين الصوت والشخصية الأخرى وتأثيرها على أحداث الفيلم هو ما يدفعنا للتفكير بشكل التواصل في حال كان يوميًا وطويلًا والذي لم يعد مقتصرًا على الهاتف ورنينه كحالة إخبارية، بل صار يشكل جزءًا من شكل الحياة العصرية التي دخلت عليها التكنولوجيا ومدى تأثيرها على علاقات الناس.

5- فيلم باريس تكساس للمخرج فيم فندرز. قبل نهاية الفيلم يحدث مشهد فيه لقاء بعد سنوات بين الزوج وزوجته التي تركته ورحلت، ولكنه مشهد خارج عن المألوف مشبع بالعواطف تتحدث فيه الزوجة عبر جهاز من وراء حاجز زجاجي، ويمسك الزوج بسماعة الهاتف التي يسمع من خلالها صوت زوجته وهي تتحدث معه، أو بالأحرى تتحدث وسط صمته. يصور المخرج الألماني فندرز مشهد فيلمه هذا عبر لقطة واحدة ثابتة تظهر الوجوه خلال المحادثة. تلعب سماعة الهاتف التي يحملها الزوج ليسمع ما تقوله الزوجة في الجزء الثاني من الغرفة دورًا وظيفيًا هامًا لنقل الحديث وإيصال الكلام، كما أن للمشهد وشكل جلوسهما معاني عديدة سيتوصل لها من شاهد الفيلم وعرف لماذا لم يلتق الاثنان وجهًا لوجه بعد غياب عدة سنوات. كما يعتمد الفيلم على مسجّل الصوت في أكثر من مناسبة بغية نقل معلومة وطلب السماح من أحد ما، بسبب عدم القدرة على المواجهة. كان استخدام الهاتف كجهاز لنقل معلومة وتقديم وظيفة خدمية ودرامية في نفس الوقت.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "The Great Hack".. هكذا يتم التلاعب بك

كيف يبدأ الفيلم؟ 5 من أشهر المشاهد الافتتاحية في السينما