الكاتب والكحوليات.. النشوة الأدبية وتشمع الكبد

الكاتب والكحوليات.. النشوة الأدبية وتشمع الكبد

ارتبطت الكحوليات بالكتابة (Electric Literature)

ابتداء من قول يوناني قديم "قدح من النبيذ، بعد شربه، يمكن أن يحمل لك مئة مقطع"، وانتهاء بخلاصة مفادها أن الأدب والكحول، اليوم، يعتبران مزيجًا أمميًّا قديمًا، تحققا واقعيًّا في صدر جميع الحضارات الأدبية، بسبب اتحادهما المقدس منذ آلاف السنين. اليوم، إذا سُئل رجل من العامّة، عن صفة ترتبط بالكاتب، فإنه على الفور سوف يشير إلى إدمان الكحول!

ارتبطت الكحوليات بالكتابة لدرجةٍ تغلبت هذه الفكرة على حدود الصورة النمطية البسيطة للكاتب

في الواقع، ارتبطت الكحوليات بالكتابة لدرجةٍ تغلبت هذه الفكرة على حدود الصورة النمطية البسيطة للكاتب، فاليوم، عندما يرغب أحد الشباب المبتدئين، دخول الوسط الأدبي، فإن أول ما يفعله هو التدرب على شرب الكحول.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| جبور الدويهي: رواية الأنا تتكاثر مقابل حكاية الجماعة

تم دعم هذا الارتباط قديمًا وحديثًا بوساطة عدد كبير من الكتاب والشعراء المؤثرين. ففي الشرق القديم كان الخليفة والشاعر الأموي الوليد بن يزيد، وأبو نواس، والشيرازي، وعمر الخيّام، وأبو محجن الثقفي (بعد 36 هـ - 656 م) وهو صاحب البيت الشهير: "إذا مِتُّ فادفنّي إلى جنب كرمة.. تروي عظامي بعد موتي عروقُها". أما باتجاه الشرق الحديث، هناك جبران خليل جبران- وقد مات بتشمع الكبد- وراشد الحسين، ومظفّر النواب، وغيرهم.

أما في أوروبا، فتجدر الإشارة إلى أن تعداد الكتاب مدمني الكحول يكثر عن تعدادهم في الشرق، ربما بسبب عدم إخفاء كتاب أوروبا هذا الأمر الشخصي عن الجمهور والصحافة. فهناك إدغار آلان بو، وآرثر رامبو، وبول فيرلان، ناهيك عن بودلير، الذي كرّس القسم الثالث من أعماله الشعرية الأكثر شهرة "أزهار الشر" للحديث عن الخمر.

ضمن هذا الإطار، حضرت الكحوليات في جميع المناطق، ومختلف الثقافات، كحليف عظيم لا غنى عنه في ممارسة الكتابة، وما أسهم في إثبات ذلك هو شهرة الشعراء مدمني الكحول (أو الذين يعتمدون عليها) كرفيق كتابي، لا سيما مؤلفي القرن العشرين، وبالتحديد شعراء المنطقة الأنجلو أمريكية، بدءًا من تشارلز بوكوفسكي (1920 - 1994)، جيمس جويس، فرانسيس فيتزجيرالد، جاك كيرواك، وترومان كابوتي- ,قد مات الأخيران بتشمع الكبد- وغيرهم الكثير. لكن على رأسهم إرنست همنغواي، المدمن الرصين، كما وصفه بوكوفسكي، خلال مقابلته مع الكاتبة والمترجمة الإيطاليّة فيرناندا پيڤانو 1980، كان ذلك بعد أن سألته فيرناندا عن رأيه بالمخدرات، حيث أجاب: "أنا ضدّ تعاطي المخدرات، إنها سيئة. إذا أردت أن تكون شيئًا، كن مدمنًا على الكحول. فلولا أني كنت أعيش في حالة من السكر، لانتحرت منذ أمدٍ بعيد". كان بوكوفسكي حالة مختلفة تمامًا عن جوفاني باسكولي (1855 -1912) الشاعر الإيطالي، وأستاذ الأدب في جامعة بولونيا (1905)، فباسكولي لم يكن مدمنا على الكحول مثل بوكوفسكي، لكنه كان يحب شربها، ما أدى إلى وفاته بتشمع الكبد عن 57 عام. لقد كان باسكولي يستمتع بزجاجة صغيرة "أو أكثر"، بين كتابة قصيدة وأخرى، أو عند جلوسه في الفيلا الإيطالية، حول الطاولات الرخامية، فهناك- حسب مذكراته- كان يروي عطشه الكحولي برفقة أصدقائه الشعراء.

في نهاية هذه القائمة الطويلة، لا يمكن إلا طرح سؤال واحد: لماذا؟ هل لذلك علاقة بحقيقة أن الكتّاب، كفنانين، لديهم روح أكثر حساسية، ولا شيء يمكنه إسكات يأسهم وتحفيز مخيلتهم إلا الكحوليات؟ للعثور على إجابة، لا توجد كلمات أقرب إلى الفهم من كلمات المؤلف الأمريكي ستيفن كينغ (1947). كما هو معروف عن كينغ، كان له تاريخ طويل، وقاسٍ مع الكحول والمخدرات، ورغم أنه تمكن من السيطرة والتغلب عليهما، إلا أنه، وبشجاعة، تحدث في الجزء الأول من سيرته الذاتية عن تجربته، يقول كينغ: (مدمنو الكحول يبنون دفاعات مثل سدود البناء الهولندية، قضيت السنوات الاثنتي عشرة الأولى من حياتي الزوجية وأنا أؤكد لنفسي "أنا ببساطة أحب أن أشرب" [...] ككاتب، أنا شخص حساس للغاية، لكنني أيضًا رجل، والرجال الحقيقيون لا يستسلمون لحساسيتهم [...] لذلك أنا أشرب كي أواجه الرعب الوجودي وأواصل العمل. ثم، هيا، يمكنني التعامل مع الكحول بشكل جيد، فأنا أسيطر عليها وليست هي من يسيطر علي).

محاولة الكاتب إيجاد ملجأ معزول عن العالم الذي لا يستطيع التأقلم معه، بوساطة الكحوليات، هي محاولة أشبه بالجنة الاصطناعية

نتفاجأ بعد عدة صفحات أن ستيفن كينغ قد تغير كليًّا، وانتقل إلى حالة مختلفة، يضيف: "ياللقرف، أنا الآن مدمن على الكحول [...] في عام 1985 أضفتُ إدمان المخدرات إلى إدمان الكحول [...] في النهاية، تعرضتُ لأزمة فرضت عليّ إيقاف الكحول والمخدرات، عندها، خفت من التوقف عن الكتابة، إذا ما توقفت عن تناول الكحوليات وتعاطي المخدرات، لكنني خلصت إلى أنني أقبلُ بأن أتخلى عن الكتابة مقابل الحفاظ على زوجتي ورؤية أطفالي يكبرون [...] لم يكن الأمر كذلك، ففكرة أن الجهد الإبداعي والمواد التي تبعث الخيال في العقل مرتبطة ببعضها هي واحدة من أعظم التحولات ​​الفكرية في عصرنا [...] إن كاتب مدمن مخدرات ليس سوى مدمن مخدرات، لا يهم إذا كنت جيمس جونز، أو جون شيفر [...] من المحتمل أن يكون المبدعون أكثر عرضة من غيرهم لإدمان الكحول والمخدرات، ولكن ما العذر في ذلك؟ كلنا متشابهون عندما نتقيأ على جانب الطريق".

اقرأ/ي أيضًا: نعوم تشومسكي.. صناعة القبول في إدارة الإعلام

إن محاولة الكاتب في إيجاد ملجأ معزول عن العالم الذي لا يستطيع التأقلم معه، بوساطة الكحوليات، هي محاولة أشبه بالجنة الاصطناعية، لكنها جنة سريعة الزوال، والكاتب يعرف ذلك، لكن ما يهمه هو وهم الحرية المؤقت لمغادرة هذا المكان، والكتابة عنه كمُشاهد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مختارات من "كحول" غيوم أبولينير

"مملكة آدم" لأمجد ناصر.. رسالة اللّاغفران