نعوم تشومسكي.. صناعة القبول في إدارة الإعلام

نعوم تشومسكي.. صناعة القبول في إدارة الإعلام

نعوم تشومسكي في بورتريه لـ هاري ميتروشي

في ختام مقابلة بثت في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي مع قناة الجزيرة بالإنجليزية، قال المفكر العالمي نعوم تشومسكي، ردًا على سؤال وجهه إليه المحاور: من أين تحصل على معلوماتك؟ بأن صحيفة النيويورك تايمز ما زالت حتى اليوم هي مصدره الأول للوصول إلى المعلومة، لاعتبارات عدة أهمها أنها توفر تغطية شاملة للأخبار مكانيًا وموضوعيًا، بالإضافة إلى صحيفة الواشنطن بوست وغيرها.

يعتبر كتاب نعوم تشومسكي "صناعة القبول" من أكثر الكتب تأثيرًا وقراءة في العالم بشأن التغطية الإعلامية

هذا الجواب يعني أن مصدر المعلومة الأول يأتي من الصحافة الرصينة ذات القيم الأصيلة بعيدًا عن الكم الهائل من المعلومات التي قد تكون مضللة ومنتشرة في وسائل التواصل الإعلامي، والتي في أحيان كثيرة يصعب التأكد من صدقيتها وموضوعيتها ودقتها وحقيقتها وحياديتها، بالإضافة إلى تلك المعلومات والأخبار الخاضعة لسيطة ومعالجة المؤسسات الاعلامية العملاقة مثل "سي إن إن" أو "فوكس نيوز" وغيرها.

اقرأ/ي أيضًا: نعوم تشومسكي: إسرائيل رأس حربةِ قتل الديمقراطية

المقابلة جاءت في إطار برنامج إعلامي أعدته  قناة "الجزيرة" الإنجليزية بمناسبة مرور 30 عامًا على تأليفه كتاب تصنيع أو صناعة الموافقة أو القبول، بمشاركة إدوارد هيرمان. فهذا الكتاب يعتبر من أكثر الكتب تأثيرًا وقراءة في العالم بشأن التغطية الإعلامية، والتي يتحدث فيه عن الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام، ويقدم فيه نقدًا جديًا وتقييمًا موضوعيًا للعمل الصحفي. وكذلك لعلاقة الإعلام بالسياسة ومراكز صنع القرار، ويظهر كيف تدافع المؤسسات الإعلامية والصحفيون العاملون فيها عن الأجندات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للحكومات والشركات العملاقة. وكيفية إظهار المؤسسات الإعلامية لنخب ريادية في المجتمعات في الوقت الذي تطمس فيه آخرين بما يحملون من آراء ووجهات نظر مختلفة أو مناقضة.

يتطرق الكتاب إلى خمسة أفكار رئيسية تمثلت فيما يلي:

أولًا:

ملكية وسائل الاعلام،  فالشركات الإعلامية هي مؤسسات عملاقة تعمل لتعزيز وتعظيم أرباحها بالدرجة الأولى، فيما تأتي الصحافة السياسية في الدرجة الثانية لاحتياجاتها واهتماماتها، ووسائل الإعلام مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ببنية الأنظمة المسيطرة وبيئتها الحاكمة وسياساتها، وعلى سبيل المثال لا الحصر فملكية وسائل الإعلام الأسترالية الخاصة مرتبطة بنخبة وبعدد محدد من الشركات التي تسيطر على الإعلام، والتي لا تختلف في طبيعة ملكيتها عن الأنظمة الشمولية، فوسائل الإعلام في قبضة نخبة محددة، ومن الصعب إعادة هيكليتها لأنها مصممة بطريقة تكرس بقائها بيد عدد محدد من الشركات دون منازع ومنافس حقيقي وجدي.

أما فيما يتعلق بملكية وسائل الإعلام العام فهي مملوكة من قبل الدولة، وتدار في بيئة ديموقراطية تتيح الفرصة لكافة وجهات النظر والآراء بالظهور، بالرغم من اختلافها واختلاف السياسات الإعلامية للأحزاب السياسية الحاكمة، فعلى سبيل المثال، في حال تغطية قضية ما تعطى الفرصة لكافة الآراء المختلفة لتعبير عن موقفها في فترات زمنية متساوية بما يضمن تحقيق التوزان في التغطية الإعلامية. وتكون الغلبة لمن يمتلك خطابًا إعلاميًّا مقنعًا. ملكية وسائل الإعلام بشكل عام تتمحور حول المجال العام، والهيكل التنظمي لملكيتها، بالإضافة إلى استجابتها لمتطلبات التغيير، وكذلك التطوير والإصلاح الإعلامي. ويشمل الآليات اللازمة للتنظيم والسيطرة على المؤسسات الإعلامية.

ثانيًا:

كشف الدور الحقيقي للإعلانات التجارية، فالصحافة تستهلك مصاريف مادية أكثر مما يدفع المستهلكون، فتأتي الإعلانات لملء الفراغ والنقص المادي. وبالمقابل فإن المعلنين يدفعون لكسب الجماهير العريضة بغرض بيعك كمتلق لرسائلهم وإعلاناتهم المادة المراد منك ابتياعها. ففي كثير من الأحيان تجني الصحف أرباحًا من إعلاناتها تفوق عشرات المرات قيمة العوائد المترتبة على عدد نسخ بيعها وتوزيعها. فالمبدأ الرأسمالي الأساسي في العمل الإعلامي يتمثل بكيفية تحقيق أرباح مادية من الإعلام كمنتج تسويقي. الفلسفة الجوهرية التي تقوم عليها صناعة الإعلانات التجارية تقوم على تعزيز الشهوة الشرائية الاستهلاكية بعيدًا عن الحاجة والمتطلب المنفعي الإساسي للحياة.

ثالثًا:

إدارة المؤسسات للإعلام، حيث إنه من الصعب أن تنفصل الصحافة عن مركز صنع القرار والنفوذ والسلطة، وذلك لأن تركبية وبنيوية النظام القائم تعتمد بدرجة عالية على التواطؤ، وذلك لأن الحكومات والشركات العملاقة والمؤسسات الراسخة تتقن فنون اللعبة الإعلامية، ومحترفة في التأثير في الرواية الإعلامية، وتجعل من نفسها ضرورة لعملية الإنتاج  الصحفي والإعلامي. صعوبة الفصل بين الصحافة ومراكز صناعة القرار تتأتى من أن عملية الاتصال والتواصل بمجملها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإدارة المهام العملية والإجرائية، بالإضافة إلى أن ارتباطها الوثيق مع التخطيط والتنظيم والتوظيف والتوجيه والتحكم يشكّل بالضرورة جوهر ومضمون الإدارة الإعلامية. كما أن الإرتباط الوثيق بين الصحافة ومراكز صنع القرار يعتمد بالدرجة الأساسية على وجود معلومات يطمح صانع القرار السياساتي لتمريرها، وفي حال غابت الرؤية السياساتية وتدنت نسبة المعرفة والمعلومة الاستهلاكية المراد إيصالها إلى الجمهور المستهدف سيقود حتمًا إلى ضعف في بنية القرار وتدنّي الأثر المترتب على ذلك. كما أن ارتباط المؤسسة الاعلامية بمركز يشكل قوة ضرورية للمؤسسة الإعلامية ونفوذها، لأن الوصول إلى المعلومات الصحيحة في الوقت الصحيح يمثل أبرز معالم قوة المؤسسة، لأن امتلاك المعرفة والمعلومة لعاملين في الحقل الإعلامي داخل المؤسسة الإعلامية سلاح مهم وفاعل للإقناع وإيصال الرسالة بنجاح واقتدار.

رابعًا:

إن أي محاولة لمواجهة وتحدي السطوة والنفوذ ستقود بالمحصلة إلى الخروج خارج إطار اللعبة الإعلامية، ما يحتم عليك البقاء خارج السياق، فاقدًا مقدرتك على الوصول إلى المعلومة والمعرفة والحقيقة، الأمر الذي سيحتم عليك خسارة القصة برمتها وستكون خارج الإطار المؤثر والفاعل بدون أي قيمة أو أثر. وخاصة عندما تكون غير مقنع ومؤثر لمراكز النفوذ والقرار. وهو الأمر الذي يعبر عنه واقع عمل الصحفيين البريطانيين والأمريكيين الذين يمتنعون عن انتقاد سياسات شركات روبرت ميردوخ، وخاصة بعد انهيار شركة "نيوز كوبريشن" إثر قضيحة التنصت على عدد من مشاهير العالم بهدف الوصول الى معلومات خاصة، تساهم حال نشرها بتحقيق مبعيات هائلة للأعداد الورقية، وتساهم في ترويج العلامات التجارية لشركات روبرت ميردوخ المنتشرة حول العالم.

خامسًا:

تتمثل الفكرة الخامسة في التغطية الإعلامية، أهمية وجود عدو والذي يتمثل بالشيوعية والاشتراكية والإرهاب واللاجئين لإخافة الرأي العام، وتحضيره وإقناعه بتقبل الأشياء التي لم يكن ليتقبلها لولا منظومة التخويف والرعب المخلفة لإطاره المعرفي برمته. حيث تتمحور الفكرة حول إحاطة الجمهور بهالة من الخوف والرعب من خلال سلسلة ممنهجة من الدعاية الإعلامية المستهدفة لعقل وعواطف الجمهور. والقائمة على الخوف والترهيب والتهويل ما يقود الجماهير إلى الاستسلام للمعلومات الصادرة من مراكز صنع القرار بغرض الحصول على الأمان والطمأنينة، الأمر الذي يمهد الطريق لصناعة الإشاعة والدعاية من قبل الحكومات والمؤسسات الإعلامية العملاقة. وهذا بالفعل ما حدث خلال حرب الخليج الثانية وغزو العراق التي نجح  الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير في إقناع "بي بي سي" بوجود سلاح دمار شامل في العراق، الأمر الذي ثبت لاحقًا عدم صدقه وزيف ادعائه، ووجهت لهم تهم متعلقة بتضليل الإعلام والتلاعب بالرأي العام الأمريكي والبريطاني لحشد التأييد للإطاحة بنظام صدام حسين.

تكمن أهمية وجود عدو في إخافة الرأي العام، وتحضيره وإقناعه بتقبل الأشياء التي لم يكن ليتقبلها لولا منظومة التخويف والرعب

اقرأ/ي أيضًا: نعوم تشومسكي: محاولة تأبيد بوتفليقة في الحكم مهزلة طائشة تتبعها عواقب وخيمة

الأفكار الخمس السابقة هي المحاور الأساسية لإثبات نظرية إعلامية واحدة، وهي أن  تصنيع الموافقة يتحكم في إعادة صياغة كل شيء من حولك، ليجعل قناعتك متوافقة ومنسجمة مع ما يراد لك أن تؤمن به وتصدقه وتتصرف بناء عليه. وهو خلاصة كتاب نعوم تشومسكي المتعلقة بصناعة الموافقة، بالإضافة إلى آرائه المشابهة التي نشرها في كتابه "السيطرة على الإعلام"، وفي مقال له بعنوان "ما الذي يجعل وسائل الإعلام الرئيسية، وسائل إعلام رئيسية؟" نشره عام 1997، والذي يقول فيه إنه من السهل القيام بتحقيق منهجي لمقارنة إصدارات اليوم بالأمس، لترى الفرق ما بين ما يحدث فعلًا في الواقع وما ينشر لتضح جليًا الصورة حول كيفية هيكلة الأشياء، وبالرغم من وجود وسائل إعلام لتأدية مهام محددة كالترفيه والتسلية إلا أنه يشير إلى وجود وسائل إعلام أخرى نخبوية، تحدد الأجندات السياساتية والتي تتمثل وفقًا لرأيه في "نيويورك تايمز" التي يعتبر جمهورها من المميزين من النخبة المجتمعية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صناعة الإنسان المعاصر

هل تُهدّد وسائل التواصل الاجتماعي الديمقراطية؟