الفنّان عماد جميّل.. كائنات من الهواء

الفنّان عماد جميّل.. كائنات من الهواء

الفنان التونسي عماد جميّل

كنت منهمكة في وضع إحدى لوحاتي في أحد معارض الفنّ التشكيلي سنة 2013، حين استوقفني عمل مخيف أدركت بسرعة أنّه من إنجاز الفنّان التونسي عماد جميّل. فهمت جيدًا -للمرّة الأولى- معنى أن تكون "سحليّة" أو "طائرًا طنّانًا" في الفنّ. ذلك المعنى الذي يستهلّ به الكاتب الأمريكي راي برادبيري إحدى مقالته، إذ يقول: "أُركض بسرعة ثم قِف ساكنًا. هذا أحد الدروس التي يتعلّمها الكتّاب من السحالي.. في خضم تلك المقدرة على الحركة في ومضة عين، واللّسع كالسوط والاختفاء كالدخان، يحدث في هذه اللّحظة أنّ حياة من نوع ما تنتشر على سطح الأرض... انظر إلى الطائر الطنّان، في لحظة تراه وفي أخرى يختفي. فكرة في العقل تومض ثم تخبو، وهج صيفيّ يتبخّر، تنتقل الأجرام كغرغرة في حلق الكون، تسقط ورقة في مكان ما. كلّ ذلك يحدث كهمسة، كهمسة فقط."[1]

يحفر الفنان عماد جميّل في منطقة خاصة جدًا به، منطقة يتحوّل فيها العادي إلى غريب وملفت للانتباه

ركضتُ بسرعة ووقفتُ ساكنة متجمدةً أمام العمل، لم أستطع قراءته بالرغم من أنّ عينيَ كانتا تتبعان تفاصيل ذلك "المخطوط" العملاق. ذُهلتُ من كمية الأصوات التي أسمعها وسط الفراغ الذي أحاط بي، لم أتمكن من تمييز الأحاديث رغم محاولتي الحثيثة للتركيز، كانت همسات مشوشة تنطلق دفعة واحدة وتجعلني مسمرة أكثر فأكثر في مكاني.

اقرأ/ي أيضًا: "كولاج" تمام عزام.. الشظايا هي المشهد الآن

في ذلك اليوم، توقفت أخيرًا عن اعتبار مقولة برادبيري على أنّها "المقولة الأكثر غباءً"، فقد استطاع عماد جميّل أن ينقُل إليّ بعضًا من ضوضائه الداخلية في وقت وجيز دون أن ينبس بكلمة واحدة. اكتشفت بعد ذلك بسنوات، وأنا أتتبع مسيرته وأعماله، أنّ سرّه يكمن في مجموع "الكائنات الغريبة"، والحيّة التي يستطيع أن يكونها في الآن نفسه. كائنات متناقضة أحيانًا كثيرة، لكنها مسترسلة بطريقة عجائبية، هناك دوما بنية توليفية معقّدة تجمع آثاره التصويريّة.

يحفر الفنان عماد جميّل في منطقة خاصة جدًا به، منطقة يتحوّل فيها العادي إلى غريب وملفت للانتباه. هو يعتقد -في رسوماته- أنّ التفاصيل الصغيرة التافهة هي الطريق الأصعب لفهم العالم، لكنها في نفس الوقت طريقه الفريد، المدهش، الصعب والمتاح. هكذا يتنقل من حدث بسيط إلى سؤال وجوديّ، ومن الصورة العاديّة إلى الأطروحات الفلسفيّة.

"هسهسة" الكتابة وضوضاء اللامقروء

لا يخفي الفنّان تتبعه وطلبه المتواصلين لبقايا وآثار الآخرين، بقايا ورقة أو خط أو خيط أو صورة، مهما كانت صغيرة أو قديمة أو بالية، كلّ ما يهمّ هو ما تحتويه من آثار بصريّة ووجدانيّة "تكمن كل الأسرار فيما تخلِّفُه اليد-يقول الفنّان- أنتم لا تعرفون ما تفصح عنه الخربشات والخدوش، تلك اللّا أشياء. كل شيء موجود هناك. إنّني أصطاد كنوز وأسرار الآخرين من المجهول وأبثّ فيها الحياة من جديد"[2]. تلك الحياة التي وصفها رولان بارت بـ"اللّذة المجرّدة للنص".

لكن أيّ نصّ؟

نحن نتحدث على الأرجح، عن نصوص وسجلاّت للمغاير فيه. يعِي عماد جميّل جيّدًا حركته الغريبة حين يسطو، في كلّ مرّة، على موطن إلهام جديد. هو لا يستدعي فحسب ما خلّفه شخص ما في مجرّد خط أو نقطة أو شطب، بل أنّه يستدعي ذكريات الآخر، طفولته وعشقه وعذاباته وآلامه وآماله. يُسجّل الفنّان الأثر المغاير الذي يتلبّسه بكل ما يحمله من وسواس وهواجس، بكل ما يحمله من عبث وفكاهة. تطلّ علينا أسئلة هذا العمل وعلى الواقع من نافذة جديدة، نافذة الغرابة التي هي- في نهاية المطاف- غرابة ومتعة العالم نفسه.

عماد جميّل

نفكّر في كلّ تلك الآثار، في "بين السطور" و"بقايع.. بقايع" وغيرها، لنجد أنفسنا في صنوف من اللّذة والشهوة والجوع الوجدانيّ، قد تكون كبيرة أو صغيرة ولكنّها مهمّة، يكفي أنّها مُرِّرت إلينا همسا وهسهسةً. تمامًا مثلما نفكّر في رولان بارت الذي يعدنا بالعزف والحلم والعشق. أو حين نفكّر في فيكتور هوغو الذي سوف يرمينا قسرًا في الرعد والبرق والريح والخوف.

يقرّ الفنّان عماد جميّل بتأثّره بفنّ المنمنمات الإسلاميّة، يظهر ذلك جليًّا في بناءاته المركّبة بإحكام

يقرّ الفنّان تأثّره بفنّ المنمنمات والمخطوطات الإسلاميّة القديمة، يظهر ذلك جليًّا في بناءاته المركّبة بإحكام، يستعين بآليات "المحو" و"الاستعادة" ليخلق مخطوطاته المرسومة في سجلاّت لانهائيّة. هو يصنع عوالم متناصّة "بين السطور" أين تتحوّل الكتابة الخطّيّة إلى "صلاة بلسان اليد"[3]. تنحني الكتابة ثمّ تتماوج وتتشابك، تتقابل وتدور، تنبسط وتلبس الحركة في جميع أبعادها لتختزن جميع الإشارات. وعماد جميّل هنا، ككلّ مبدع مسكون بشيء ما "لا يُعنى بما يراه إلاّ بوصفه عتبةً لما لا يراه"[4]، "إنّني أستعيد القيمة التشخيصيّة للكتابة –يقول عماد جميّل- أنا أعود إلى الأصول البدئيّة للأشياء، أستعيدها ثم أجمّعها وألقيها متدافعة على محاملي. إنّني أسترجع الجانب الحيوانيّ فينا عبر المكتوب والمشطوب والمرسوم"[5].

اقرأ/ي أيضًا: الجيل اليتيم في البلاد التي اختارها المهرّبون

يتفاخر الفنّان بحيواناته المتراصّة هناك، على صفحات اللوحات، داخل تلك الغابات المتوالدة من النباتات والكائنات الغريبة، يقول: "إنّني بصدد تحويل القيم السلبيّة في حركات الكتابة إلى مواقف متواترة في الرسم، الشطب ليس خطأً بل نصرًا، الفراغات ليست صمتًا بل مجالًا للحلم. اللوحة هي حديقة الكائنات التي استحضرتها معي وأنا أرسم"[6].

هو لا يُعنى بالصورة وإنما بالدلالة التي تخبئها، ولا يهتم بهويّة الكائن وإنّما بجانبه المتغاير. تشدّد مشاهده المرسومة على النظر إلى الحيوان على أنّه نافذ الأثر في الطبيعة والكون، ومؤثّر في طريقة التحوّل أو الحلول في هيئات مغايرة، بين الإنسانيّ والحيوانيّ والمسوخيّ. تجدنا هنا بالذات أمام صور دلاليّة وكأنّنا أمام روايات متداخلة في بعضها البعض كـ"دعاء الكروان" لطه حسين، و"الذباب" لجان بول سارتر، و"طيران فوق عش الواق واق" لكين كيسي، و"العنكبوت" لمصطفى محمود، و"مزرعة الحيوان" لجورج أوريل، و"الرقص مع البوم" لغادة السمان، و"هياج الإوزّ" لسليم بركات، و"ظلّ الأفعى" ليوسف زيدان... يقف المشاهد أمام مجازات وحكايات اجتماعيّة وسياسيّة وأيروسيّة ويستحضر بذلك ما يعبّر عنه وما يعتمر بداخله، في دهشة غريبة تشبه ما تعتري عماد جميّل عند إنهاء لوحته وتجبره على الاستغراب ممّا أبدعه للتوّ.

"إن لم تقف وراء الوصف، أخذك الوصف"           

كشف الفنان مؤخرًا، عن عنصر جديد ومفاجئ في أعماله: "الدائرة". وقد أسرّ لنا بنفوره السابق من ذلك الشكل الذي تداوله العديد من الفنانين التشكيليين، وكان يستبعد أن تكون موضوعًا لممارسته يومًا ما. يقول عماد جميّل: "لقد ظهرت فجأة لا أدري من أين. لعلّها كانت هناك دائما –يشير إلى خربشات لولبية صغيرة داخل لوحاته- ببساطة، لقد آن لها أن تنتشر وتكشف عن متاهتها الجديدة"[7]. يكتشف الفنان أنّ تلك "الدائرة، النقطة، البقعة، العين، الحفرة، الجرح، البصمة، العتمة، الضوء.."، ليست سوى جزء مِيكرُوسكُوبِي توالد تدريجيًا في ممارسته ليُهيمن أخيرًا على العمل.

يعود بنا إلى المعنى الطبيعي للحركة الدائريّة اللاشعورية في الرسم والخربشة، ذلك أنّ الدائرة هي أوّل شيء يرسمه المرء. هي الشكل الأكثر انتماءً للطبيعة لأنّها قادرة على احتواء كلّ شيء، بل هي "رحم الأشكال كافة"[8] كما يطلق عليها الكاتب البرتغالي أفونسو كروش، أو ما يسميه أدونيس بـــ"سرّ الكون وروح العالم"[9]. فما معنى إذن، أن يمشي الشخص ذا العينين المغمضتين في دوائر ويسير في حلقات لولبيّة؟  

تتضمّن أعمال عماد جميّل ثورة على الثورة نفسها، على تراجيديا الانصياع ومأساوية الجمع وفراغ المنظومة 

يسير كلّ شيء وفق دوائر، يلتفّ كعقارب الساعة مخلّفا لسعات "مسمومة" على حد تعبير الفنّان، تمامًا مثل الوقت والذكريات والحكايات. تظهر تلك المتاهة بزواياها القائمة وخطوطها المتقاطعة، بتشابكها ولا نهائيتها، هي في الأصل مستديرة أين يتحرّك الكلّ حول الكلّ، ويستفحل هوس الاستقامة ليُقصي الطبيعيّ فينا. يكشف لنا عماد عن هواجس المجتمع من القوانين والرقابة والتلصّص والأنانيّة، ويعمد ساخرًا إلى استعمال المحاور التناظريّة، ذات الصيغ المتوازنة من حيث التركيب، ويؤسس عناصر زخرفيه متعاقبة وتكثيفية داخل أشكاله الدائريّة. يستعمل الفنان إلى جانب ذلك الألوان الصارخة والزخارف التصحيحية التي يستلهمها من الفن الصيني، والتي يُحمّلها بدلالات استهزائية من إيقاعية الحياة وتراتب التقاليد وثقافة القطيع.

اقرأ/ي أيضًا: ديلاكروا.. حياة كالعاصفة

يسجّل موقفه من الثورات عبر الثورة على القيود من خلال رسم الحدود نفسها، هو يفضح الواقع عبر كشف تفاصيل الخلايا الخطية المتشابكة في ذهنه "كل جزء هو شبكة من العلامات والكتابات، كل خط هو انعكاس للجهاز العصبي، كلّ أثر خطيّ هو شيء مقدّس. أنا أرسم مثل نملة تكتب وأتغذّى على آثار خطوط خلّفها الناس على ورقات بلا قيمة"[10].

عماد جميّل

تتضمّن أعمال عماد جميّل ثورة على الثورة نفسها، على تراجيديا الانصياع ومأساوية الجمع وفراغ المنظومة واستقامة الصفوف. هو يقدّم كل تلك الدوائر الفارغة والمُفرغة إلاّ من الدوران في الحلقة ذاتها، التيه في اليومي والواقعي واللاجدوى والاصطفاف. هناك رفض حاسم للواقع وللعالم الخارجي بتفاهته المعتّمة. لعلّه يرسم بذلك دائرة الضوء الوحيدة داخل كلّ هذا.

هكذا إذًا، تعود بنا الدائرة التي يرسمها عماد جميّل، إلى بعض التجارب الصوفية التي أسست لكتابات ذاتية جدًا، "كأن أصحابها لم يكونوا يعيشون في المكان، بل في نصوصهم"[11]. تماما كالنصّ المرسوم بالنسبة إليه، هو نصّ مكتوب في ظاهره فقط، ولكنه مجموع كائنات حيّة تحت المجهر. تمثّل الخطوط والخربشات مخابئ لدروبه وآفاقه ورموزه، وكأنّه نصّ واقعيّ وجدانيّ وروحانيّ شبيها بقصيدة نثريّة.

ابتكر عماد جميّل طريقة جديدة في الكتابة والرسم الخطيّ، أين "فُطِر على ألا يُكلِّم أحدًا إلاّ رمزًا" على حدّ تعبير ابن عربي، هذا كلّ ما في الأمر.

 

المراجع:

[1] - راي برادبيري، "الزِّن في فنّ الكتابة"، مراجعة وتحقيق محمد الضّبع، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2015، ص31.

[2] - حوار مع الفنّان عماد جميّل في مرسمه بتاريخ 30/09/2018.

[3] - ادونيس، "الصوفيّة والسورياليّة"، دار الساقي، لبنان 2010، ص202.

[4] - نفسه، ص203.

[5] - حوار مع الفنّان في مرسمه 30/09/2018.

[6] - نفسه.

[7] - حوار مع الفنان في مرسمه 30/09/2018.

[8] - افونسو كروش، "الرسّام تحت المجلى"، ترجمة مها عطفة، مسكلياني للنشر والتوزيع، تونس 2018، ص19.

[9] - أدونيس،" الصوفيّة والسورياليّ"، دار الساقي، الطبعة الرابعة، بيروت 2010، ص132.

[10]- حوار مع الفنان في مرسمه 30/09/2018.

[11]- أدونيس، مرجع سابق ص 115.

 

اقرأ/ي أيضًا:

علي فرزات.. الكاريكاتير مع الناس وإليهم

فوتوغرافيا جوزيف كوديلكا.. خراب بيروت المضيء