08-مارس-2020

سامية حلبي/ فلسطين

أيام مسروقة

لا يستطيع التخلص من عادة الاحتفاظ بشيء من كل يوم، كقاتل يحتفظ بجزء من ضحاياه. بيته مليء لا بما يحتاجه، ولكن ببقايا الأيام التي عاشها. إنه يتذكر بدقة اليوم الذي ترك لديه ورقة جافة، واليوم الذي ترك مشبك غسيل، واليوم الذي ترك شيئًا يشبه الصَدَفة. بيته مجمع للأيام التي لا تعني شيئًا، وليس بينها رباط، هكذا كالعقد المفروط الذي لا يدل على ماضيه المجتمع إلا طبيعة آحاده. هناك شيء ما، شيء لا يستطيع حتى هو إدراك كنهه، يجعل من أيامه تنتمي إليه وحده، حيث لا يمكن للداخل إلى هذه الفوضى أن يخلط أيامه بأيام سواه.

شابكًا يديه وراء ظهره، ناحلًا كفزاعة طيور، يذرع الغرفة من الممر إلى النافذة المكسورة، ومن المكتبة حتى الباب المخلوع. يمسك كتابًا ممزقًا تركه الأول من حزيران منذ عامين، يقلبه قليلًا، ثم يعيده. أين وردة الأول من حزيران العام الماضي؟ يلتفت وراءه إلى حيث كانت المروحة، أين سلكها من الأسبوع الفائت؟ يفكر قليلًا بفاعل محتمل، من يمكن أن تغريه أيام كأيامه العجاف؟ يطوي أفكاره تحت إبطيه. رغم أنه نجى، لكنه ليس سعيدًا ليكمل يومه، ويحتفظ منه بشيء ما. ينظر قليلًا إلى الخراب حوله، ثم يغض بصره. يقف في المنتصف، كاسدًا ومتعبًا ومستهلكًا، وينام هكذا واقفًا بعينين مفتوحتين، بينما تسرح أيامه المفروطة في الصندوق الخلفي لسيارة بيع الخرداوات.

 

دين آبائهم

لقد نسي أهل هذه القرية عادة الكلام. مرت عليهم سنوات من حكم الطغاة، عندما كان يفرض منع الكلام في ساعات الليل أولًا، فتعلم القرويون أن يصمتوا ليلًا حتى يطلع الصباح. لقد خسروا في ذلك خيرة شبابهم، قبل أن يستيقنوا أن الصمت هو أقصر الطرق للسلامة والنجاة. مات الذين قالوا "كيف نصمت كل هذا الوقت"، والذين قالوا "هي ساعات معلومات"، والذين قالوا "اصمتوا"، والذين قالوا "صه". كلهم ماتوا، فصمت الناس حتى طلوع الشمس.

غير أنه بتراكم الأعمار، وتكالب الطغاة، صار الصمت يأكل من كبد النهار. فيصمت الناس إرضاء لحكامهم، وخوفًا من الخروج على عرف الجموع، هكذا حتى نسي الناس الكلام، وألفوا الإيماء، وشب أطفالهم بلا لغة معلومة. وعندما دخل الثوار، وداروا في القرية يقرعون الطبول، ويدعون الناس للغة، وينشرون بينهم الكلمات، خرج إليهم الأطفال يرمونهم بالقاذورات والحصى، وأغلقت النساء الأبواب وتفلن في صدورهن، وهاجمهم الرجال بالعصي.

وحتى عندما دار الثوار بين البيوت ليلًا، وقذفوا في ساحاتها بأكياس الكلام، وبذروا حقولها وفرشوا أزقتها بالكلمات والمعاني، ليستيقظ أناس، وقد عاد لكل شيء اسمه ومعناه، وملأت أنوفهم وصدورهم الحكايات. فنظر الزوج لزوجته وكاد يقول لها أحبك، ونظر الولد لرفاقه وكاد يقول مرروا الكرة، ونظرت الأم لأطفالها وكادت تقول جائعون؟ ونظر المعلم لطلابه وكاد يقول مفهوم؟ حتى عندها لم يقل أحدهم شيئًا، وظلت الكلمات هكذا معلقة في صدورهم وأفواههم، بينما غادر الثوار ليلًا صامتين.

 

الغرفة

"وقّع هنا" يشير صاحب الفندق بإصبعه إلى المكان المخصص لتوقيع المستأجر، فيمر عليه الزبون الذي لا يكاد يطيق انتظارًا بخفة وعلى عجل. يسأله لمرة أخرى "متأكد أنها غرفة جيدة؟". يجيبه السمسار بثقة "سيدي، إني أربي هذه الغرف منذ نعومة أظافرها، لن تغادر الغرفة إلا راضيًا، لا تقلق."

لقد اختارها من بين تشكيلة واسعة من الغرف، صغيرة ولكنها خبيرة بشؤون المتعبين. مر عليها قبله آلاف امتدحوا صدرها الدافئ الرحيب، وطلبوها بالرقم لمرات تالية عديدة. ورغم سعرها الأعلى نسبيًا من غيرها، إلا أن سمعتها دفعته لاختيارها لساعات قليلة آخر النهار، قبل أن يبتلعه عالمه البائس المعتاد.

دخل الزبون السعيد الغرفة حابسًا نفسه، فتحت له عينًا، فعبره هواء خفيف وأرخى يديه. مرت بجدرانها على جسده طرية وبهية. إن لجدرانها رائحة تشبه صدر أمه، لم يخطئ إذًا من قال له أنها كالغرفة التي وُلِد فيها. خلع ملابسه، واستلقى هناك على أرضها، رشقته بمائها فارتجف قلبه، وبكى. لفت جسده بستائرها، ومسحت على رأسه، دندنت في أذنيه بلحن من المراعي البعيدة، حيث الغرف مفتوحة على الحقول، والناس سعداء كالأطفال، فنام. وحين استيقظ كان على العتبة الخارجية عاريًا. نظر إلى الباب المقفل أمامه، وكطفل خائف أضاع أمه بكى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ليوم آخر.. لمرة قادمة

لعبة الخطاب