22-يونيو-2023
قارب اللاجئين المنكوب

بدت قصة غرب القارب مألوفة لمن يتابع الأخبار (BBC)

لم تنتهِ أصداء مأساة مركب المهاجرين الذي انطلق من ليبيا بأحلام أكثر من 700 شخصٍ بعيش حياةٍ تليق بالإنسان، وتشبّث بها عندما بدأ بالترنّح ونزل بها إلى أعمق نقاط مقبرة المتوسط قبالة السواحل اليونانية، حيث يرقد آلافٌ غيرهم من الحالمين الصامتين الغرقى.

ولعلّ أسوأ جوانب القصة عند بداية انتشارها أنها باتت مألوفة؛ مهرّبٌ حدوديّ جشع، ومركبٌ متهالك قد لا يصلح لتنزّه مجموعة أصدقاء أمام الشاطئ، وخفر سواحل يراقب داعيًا ألا يدخل المركب مياهه الإقليمية، وآهات ذوي الضحايا المنتظرين بلوغهم الفصل القادم من حيواتهم البائسة.

لم أرد في البداية معرفة المزيد، ربما خوفًا وحمايةً للنفس مما يتكشّف من معلوماتٍ حول هذه الحوادث التي تحاول الجهات الضالعة بها -أيًا كانت- إغراقها مع من رحلوا، لكن هذه المأساة لم تكن كسابقاتها، إذ ظهرت شهادات الناشطين، وإفادات خبراء النقل البحري، وبيانات السفن التجارية، ورواية خفر السواحل اليوناني، والتحقيقات المستقلة، لتقدم كلٌ منها قصة واحدةً بمحورها الرئيسي، لكن بمحاور فرعية مختلفة.

ولأن القدر يحب السخرية، واللعب على الألفاظ كما يبدو، لم تجرِ الرياح كما اشتهت سفينة هذا الصحافي الذي يعمل في تدقيق المعلومات وتقصّي الحقائق، وصار لزامًا عليه تفنيد تلك الروايات وتمحيص ما جاء فيها.

لم أرد في البداية معرفة المزيد، ربما خوفًا وحمايةً للنفس مما يتكشّف من معلوماتٍ حول هذه الحوادث التي تحاول الجهات الضالعة بها -أيًا كانت- إغراقها مع من رحلوا، لكن هذه المأساة لم تكن كسابقاتها. 

مضت الساعات، مع عشرات الاتصالات وعلامات التبويب المفتوحة، وحدقتين موسّعتين، ووجدت نفسي غارقًا في ما لم أرغب بمعرفته، من تفاصيل رحلة المركب المشؤوم من شاطئ طبرق إلى قاع المتوسط، إلى التصوير الطبوغرافي لنقطة الغرق، وحتى مطالعة صور الناجين وسماع مكالماتهم وأصوات استنجادهم، وإنجليزيّتهم الركيكة.

أغرقتني تلك التفاصيل ولم أجد حبل نجاتي منها حتى الآن، لم أفكر بشيء آخر على الإطلاق. تغلبت عليّ حاجة في نفسي للبوح بما عرفته وكأنها أسرارٌ لا يعرفها الآلاف، ورحتُ أروي تفاصيل المأساة لكل من لم يتوقع سماع مثل هذه الحكايات في سهرةٍ كان من المقدر لها أن تكون ترويحًا عن نفوس حاضريها.

كلّ هذا ليس جديدًا على من يعمل في واحدة من المهن الأعلى تكلفةً على الصعيدين النفسي والذهني. فبحسب دراسة استقصائية أجراها منتدى الصحافة الكندية حول العنف والصدمات عام 2022، وفيها أجرى مقابلات مع ما يقرب من 1000 من العاملين في مجال الإعلام الكندي، أن 69 في المئة منهم أفادوا، بأنفسهم، أنهم يعانون من القلق، بينما نال الاكتئاب من 46 في المئة منهم.

من

 

وربما أكثر من وُفّق في توصيف هذه الحالة هو أحد محرري الفيديو في قناة CBC، الذي رفض الكشف عن اسمه -وربما أعود لاحقًا إلى ما تسببه المهنة من هوس بالخصوصية- وقد شارك في الاستطلاع المشار إليه قائلًا: "نظرًا لطبيعة عملنا، لا نحظى بالوقت الكافي لنشعر بالعواطف الإنسانية تجاه ما نستجيب له، وأحيانًا يبلغ الأمر ذروة صعوبته بعد انتهاء الدوام. هناك بعض الأحداث التي غطيتها بصفتي محرر فيديو لن تُمحى من ذاكرتي ما حييت."

هل أُخبِر جميع العاملين في هذا المجال بالثمن الحقيقي عندما دخلوه؟ ربما البعض. إن إبقاء الجمهور على اطلاع وحمل مسؤولية تنويره غاياتٌ نفيسةٌ بلا شك. لكن أحدًا لم يحكِ عن الإيمان الذي يجب أن يفوق الخيبة، والقدرة على المواصلة لحمل تلك الرسالة، عندما ترى تلك النفس أن ذلك الجمهور نفسه يضع في الصحفيين نفس فُتات الثقة التي يضعها في السياسيين والمُعلنين وسماسرة العقارات، ولا ملامَة.