15-مايو-2024
هذه الأفعال غير الأخلاقية لإسرائيل دفعت هؤلاء اليهود، المتهمين بأنهم كارهين لأنفسهم، لرفع الصوت عاليًا (AFP)

(AFP) رفع هؤلاء اليهود أصواتهم عاليًا ضد إسرائيل بسبب ممارساتها غير الأخلاقية

خلال خطاب ألقته الكاتبة والناشطة اليهودية ناعومي كلاين، ضمن نشاط "وليمة عيد الفصح في الشوارع: أوقفوا تسليح إسرائيل"، التي نظمها "الصوت اليهودي من أجل السلام" نهاية الشهر الماضي في شوارع نيويورك؛ قالت كلاين: "لا نحتاج ولا نريد وثن الصهيونية. نريد التحرر من المشروع الذي يرتكب الإبادة الجماعية باسمنا. التحرر من أيديولوجيا ليس لديها خطة للسلام سوى التعامل مع الدول النفطية الثيوقراطية القاتلة في الجوار، بينما تبيع تقنيات الاغتيالات الآلية للعالم".

هذا الصوت اليهودي لم يكن استثناءً في خضم العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، بل كان لافتًا بروز أصوات يهودية على نطاق واسع، خارج إسرائيل، عبّرت عن معارضتها للحرب، وشاركت في المظاهرات والاعتصامات في كبرى العواصم والمدن في الدول الغربية.

مشاهد ارتكاب الحكومة الإسرائيلية للإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة، حفّز النقاش داخل تلك الأوساط حول تأصل العنف داخل دولة الاحتلال التي ترجمتها قدرتها على الاستمرار في ارتكاب الفظائع ضد الفلسطينيين تحت عناوين متعددة.

هذه الأفعال غير الأخلاقية لإسرائيل دفعت هؤلاء اليهود، المتهمين بأنهم كارهين لأنفسهم، لرفع الصوت عاليًا مؤكدين أن ما يحدث ليس باسمهم، بل إن دولة الاحتلال التي تقول عن نفسها إنها دولة اليهود، التي يحكمها حاليًا اليمين القومي والديني المتطرف، أوصلت اليهود إلى هذه اللحظة الكارثية.

ومثال ذلك ما عبرّت عنه الفيلسوفة اليهودية الأميركية، جوديث بتلر، حين كتبت مقالًا في المطبوعة الرصينة "لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس"، بعد أسبوع من عملية "طوفان الأقصى"، جاء فيه: "لنكن واضحين، العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين طاغٍ وساحق: قصف بلا هوادة، وقتل للناس من مختلف الأعمار داخل منازلهم وفي الشوارع، وتعذيب في السجون... وأساليب تجويع مختلفة في غزة، وسلب للمنازل. كل هذا العنف، بأشكاله المختلفة، ممارس ضد شعب يرزح تحت قوانين الفصل العنصري، والحكم الاستعماري، وانعدام الجنسية".

اللافت أن الأصوات اليهودية التي عبّرت عن معارضتها للحرب على غزة جاءت في سياق حالة من "الردّة" التي تشهدها بلادنا العربية تجاه القضية الفلسطينية

صحيح أن هذه الأصوات اليهودية المعارضة للحرب جديرة بالاهتمام ويمكن البناء عليها مستقبلًا لتفكيك السردية الصهيونية الاستعمارية والعنصرية، لكن في المقابل لا نستطيع رفع سقف التوقعات في تأثير تلك الاصوات على صناعة القرار داخل إسرائيل. فالوقائع تقول إن غالبية الإسرائيليين حاليًا مع مواصلة الحرب العدوانية على غزة، والأصوات اليهودية الداعمة للحرب خارج إسرائيل لا تزال قوية ولها تأثير في صناعة القرارات داخل الحكومات الغربية، وتحديدًا حكومة الولايات المتحدة، أكبر داعم لإسرائيل في الحرب، وفي توجيه الإعلام الغربي بصفة عامة.

ما دفعني إلى إلقاء الضوء على هؤلاء اليهود الرافضين للحرب، بل إن البعض منهم اعتبر ما حدث يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر ليس عملًا "إرهابيًا" بل رد فعل طبيعي للواقع المروع الذي خلقته إسرائيل في قطاع غزة؛ هو "حالة الردة" التي تشهدها بلادنا العربية تجاه القضية الفلسطينية.

فما نراه يوميًا في وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة العربية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، ناهيك عن الوقائع على الأرض، أعاد صياغة الكثير من المفاهيم التي كانت مسلّمة. فقد خرجت أصوات تطعن في المقاومة بغزة، ومن ضمنها للأسف أصوات فلسطينية، لتغطي على حجم الخذلان والتواطؤ حول ما يحدث من جرائم في غزة، باعتبار أن 7 تشرين الأول/أكتوبر هو "مغامرة غير محسوبة" لم تقدّر المقاومة ردة فعل العدو عليها.

لسنا هنا بوارد الرد على تلك الأصوات وتوضيح أن الفعل الإجرامي الإسرائيلي في غزة، على الرغم من فداحة ما حل بأهالي القطاع اليوم، هو محطة من محطات هذا الإجرام المستمر على مدار 76 عامًا، وحتى قبل قيام هذا الكيان. لكن من المهم وضع النقاط على الحروف حتى تكون الأمور واضحة. فهذا الخذلان العظيم ليس وليد ضعف وعجز عربي استشرى في الأمة، بل مرتبط بخطة معدة للمنطقة يتواطأ فيها من يقولون إنهم "أشقاء".

لنا أن نطرح الأسئلة، وإن كانت مرّة كالعلقم، علنا نجد إجابات لكل هذه الردة التي تحدث حولنا.

هل لنا بتفسير حول إتاحة وسائل إعلام مرتبطة بدول عربية بعينها لمنابرها فقط للهجوم على المقاومة في غزة؟ ناهيك عن الحملات الإعلامية الموجهة التي يقودها سياسيون وصحفيون ورجال دين، وأشخاص يفاخرون بدعمهم للعدوان الإسرائيلي على غزة؟

هل لنا أن نفهم فتح دول عربية طرقها البرية لوصول الشاحنات المحملة بالبضائع إلى الموانئ الإسرائيلية بعد أن أغلق اليمنيون الطريق البحري بوجه السفن المتجهة نحو إسرائيل؟

هل يمكننا أن نتساءل عن هذا الصمت الرهيب الذي تتخذه دولة عربية أمام تاجر حرب، أصبح يتحكم في مصير الفلسطينيين الخارجين من القطاع عبر ابتزازهم بدفع آلاف الدولارات؟

هل من رد على التصريحات الإسرائيلية العلنية عن تناغم المواقف بينها وبين العديد من الدول العربية حول طبيعة الرد على عملية "طوفان الأقصى"، والترتيبات المعدة لليوم التالي للحرب؟

يمكننا أن نقول إن العدوان على غزة عرّى هذا التموضع الجديد وفضح التحالف مع إسرائيل من منطلق قطري ضيق وإن كان على حساب الفلسطينيين، وغيّر مجمل الخطاب حول الصراع العربي الإسرائيلي. لكن من المهم أن يبني الفلسطينيون علاقاتهم مع من يشاركهم آلامهم ويقف إلى جانبهم ضد الهمجية الإسرائيلية المستمرة ويتبنى تطلعاتهم، بعيدًا عن العرق واللون والدين والمعتقد والتوجه، وهذا لا يمنعنا من أن نشعر بالأسى في زمن الردة العربي.