13-مايو-2024
حراك الجامعات

أين جامعاتنا العربية من حراك الطلبة العالمي ضد الاحتلال؟

يحتشد الأكاديميون والطلاب في العشرات من جامعات العالم، من أجل التعبير عن رفضهم لسياسات جامعاتهم وحكوماتهم، الصامتة عن جريمة الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة.

حراكٌ جامعيّ انتشر من جامعة لأخرى في الولايات المتحدة، ووصل صداه إلى أرقى الجامعات الأوروبية، ولم تنجح السلطات وبعض إدارات الجامعات في إخماده على الرغم من محاولات القمع المتكررة، وهو أمر جعل الكثير من المحللين يقارنون هذا الحراك بالتظاهرات الطلابية التي احتجت على حرب فيتنام أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث احتج الطلبة الأمريكيون على الحرب الأمريكية على فيتنام في عهد الرئيس ليندون جونسون، وجعل البعض يسمي غزة بـ"فيتنام بايدن".

سامحونا يا أهالي غزة، ولا تستنجدوا بنا، فحينما نقول كلّنا غزّة، نقصد بها أننا كلّنا محتلّون، ومخطئ من يظنّ أننا محاربون من عدوين مختلفين.

هذا الحراك الجامعي ومحاولات قمعه وتشويه سمعة من يشارك فيه، من خلال التحريض ونسب مزاعم كاذبة بحقهم، جعل الناس في حالة من الصدمة، فوجدوا اتساعًا للفجوة بين الحكومات الغربية وشعوبها من جهة، وتأكّد لديهم أن عبارات تتعلق بالديمقراطية وحرية التعبير وغيرها، لا تمثّل سوى ادعاءات يتم استخدامها في حالات محددة دون أخرى.

اهتمت وسائل الإعلام العربية بشكل كبير بقمع السلطات الغربية للاحتجاجات السلمية، وأسالت الحبر بالحديث عن سياسة الكيل بمكيالين وما إلى ذلك من تحليلات، وكأن لسان حال بعضها يقول: "شاهدوا بأم أعينكم يا أهالي غزة المحاصرين، الذين تتعرضون للقصف والموت والجوع في كلّ لحظة، انظروا إلى هذا العالم البشع الذي يحرم الناس من التعبير عن مساندتهم لكم".

لكنّ الإعلام العربي تجاهل بطريقة أو بأخرى أن يطرح سؤالًا محوريًا على سذاجته: ماذا عن الحراك الطلابي في جامعاتكم، وأين الشعوب العربية مما يحصل في غزة؟

عجزنا يقتلنا، وإدراك حقيقة أن الاحتلال يتخطى حدوده الحالية يزيد من قهرنا الذي ملّ منّا مثلما سئم الفشل من مرافقتنا الدائمة.

المعادلة ستختلف هنا بشكل جذري، نحن شعوب مضطهدة في بلداننا، ومقصلة التطلعات اعتادت على النيل من رقابنا، وبديهيات مثل حرية التعبير وحكم القانون، ومبدأ فصل السلطات، ليست موجودة بعقدنا الاجتماعي المتعارف عليه ضمنيًا بيننا وبين السلطات التي تحكمنا. وإن وُجد مكتوبًا في دساتيرنا، فلن يمثل ذلك سوى بعضًا من الأكاذيب التي قد تضطر السلطات لاستخدامها من أجل إسكاتنا ومن ثمّ قمعنا.

في كلّ مرّة تظهر خلالها امرأة غزّاوية على شاشات التلفزة وهي تحمل أشلاء ابنها، وتنادي بنخوتنا، وتتساءل عن موقفنا، وترجو نصرتنا، أدرك أنها تعرف مسبقًا عجزنا عن تحقيق بعض من مطالبها، لكن العجز نفسه هو من جعل الثكلى تنادي من لا حياة له.

عجزنا يقتلنا، وإدراك حقيقة أن الاحتلال يتخطى حدوده الحالية يزيد من قهرنا الذي ملّ منّا مثلما سئم الفشل من مرافقتنا الدائمة.

سامحونا يا أهالي غزة، ولا تستنجدوا بنا، فحينما نقول كلّنا غزّة، نقصد بها أننا كلّنا محتلّون، ومخطئ من يظنّ أننا محاربون من عدوين مختلفين.

أجزم أنكم لن تحظوا بالتحرر من هذا الاحتلال إلا بالتخلّص من جدران الحماية الأولى التي اتخذها، وكلّنا يعلم ماذا حدث حينما حاول السوريون التخلّص من أحد هذه الجدران، حينها لقّن العالم الشعوب العربية درسًا مفاده أن هذا هو مصيركم لو طالبتم بحدودكم الدنيا من الكرامة.

حدث ذلك في دولة أنهكت اقتصاد شعبها وخصصت أكثر من ثلثي ميزانيتها لتحسين قدرتها العسكرية، بشعارات مناصرة للقضية الفلسطينية، وما لبثت أن أفرغت مخزونها وأسلحتها في صدور شعبها، ولم تملك لفلسطين سوى ما يسمى بفرع فلسطين، الذي اشتهر بتعذيب المواطنين تحت أقبيته، فالداخل إليه مفقود، والخارج منه مولود.

رفاهية الاعتراف بالعجز لا يحق لنا التلذذ بآلامها لما قد تمنحه من شعور خفي بالرضا

لا تعوّلوا علينا يا أهالي غزّة، أدرك أنكم لم تكونوا كذلك، ولكن حتى لو وصل بكم العجز أقصاه، لا تجرّبوا أن تستنجدوا بنا حتى ولو من باب المجاملة، جدران حماية الاحتلال تحوي قادة مثقلة بالأوسمة، رغم أنها لم تخض معركة على فيس بوك، وتعلمون جيّدًا أنكم محاصرون من كلّ الجهات، والتي بدورها تحاصر من بداخلها حصارًا من نوع آخر.

إن أردت أن تعرف أمرًا عن أمّة بعينها، أنظر إلى ما تخبّئه تحت التراب، نحن لا نملك تحت أراضينا شبكة لمترو الأنفاق، ولسنا مثلكم يا أهالي غزّة نملك شبكة أنفاق ضخمة ترعبون فيها أعدائكم وتحصنون بها دياركم، قد نشترك معكم بأننا لو نبشنا تحت التراب سنجد الكثير من المقابر الجماعية، لكننا نتفوق عليكم بأننا نملك بنية تحتية هائلة بالمعتقلات تحت الأرض، وأكثر شيء علمي وتكنولوجي يستقر تحت تراب بلادنا هو النفايات النووية.

انتماؤنا لفرق كرة القدم العالمية أصبح أكثر أهمية من قضايانا، وهذه حدودنا في حياتنا المقيّدة، ولا نملك سوى الاعتراف بالعجز أمامكم، فلا تحرجونا ولا تحرجوا أنفسكم باستجلاب نخوتنا.

رفاهية الاعتراف بالعجز لا يحق لنا التلذذ بآلامها، لما قد تمنحه من شعور خفي بالرضا، في وقت يأتيكم الموت من كلّ جانب، ونحن على قيد الحياة، عندما تكون الحياة قيدًا.