"السُّكر على خفيف".. إلى أي مدى تهدّد الكحول الصحة؟

الشرب الخفيف للبيرة قد لا يكون مضرًا للصحة (Getty)

تناول الكحوليات وإن كان محط اختلاف بين الثقافات حسب كل مجتمع، فإنه سلوك شائع في الواقع بين بلدان العالم أجمع، بما فيها البلدان العربية والإسلامية، التي يحتل العديد منها، مثل إيران وتونس والسودان والإمارات، مراتب متقدمة في استهلاك الكحول عالميًا، كما يظهر تقرير منظمة الصحة العالمية.

شرب الكحوليات سلوك شائع حتى في الدول العربية والإسلامية، التي يحتل بعضها مراتب متقدمة في استهلاك الكحوليات عالميًا

ومن المعلوم أن الإفراط في شرب الكحول يسبب أضرارًا صحية وتبعات اجتماعية للشارب وللأشخاص من حوله وللمجتمع ككل، حيث تقول منظمة الصحة العالمية في هذا الصدد، إن "تعاطي الكحول على نحو ضار يتسبب في وقوع 3.3 مليون حالة وفاة كل عام، أي ما يمثل 5.9% من جميع الوفيات، وحوالي 5.1% من العبء العالمي للمرض والإصابة يعزى للكحول، فضلا عن الاضطرابات السلوكية والاجتماعية التي يؤججها تعاطي الكحول المفرط".

اقرأ/ي أيضًا: خمارات الثقافة السورية

لكن، إلى أي مدى تعتبر الكحوليات مضرة، وما هو القدر الذي يجعل منها مضرة؟ وهل لها أي فوائد صحية محتملة؟

بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، تحدد الحكومة، في دليل التوجيهات الغذائية للأمريكيين، الحد الأقصى لاستهلاك البيرة تحديدًا من بين الكحوليات، بمقدار 14 غرامًا من الكحول الصافي في اليوم، وإذا تجاوز هذا الحد فإن شرب الكحول ستكون له عواقب صحية، أما ما قل عن ذلك فلا ينبغي القلق بشأنه بل له فوائد صحية، علمًا بأن البيرة، أو الجعة، تتراوح نسب الكحول في الزجاجة الواحدة منها ما بين 4% إلى 10%.

من 7% إلى 14% من الكحول الصافي يوميًا، هي نسبة معقولة لعدم الإصابة بالأمراض (Getty)
7% إلى 14% من الكحول الصافي يوميًا، هي نسبة معقولة لعدم الإصابة بالأمراض (Getty)

بدأت قصة الشرب الخفيف كسلوك صحي مع بداية التسعينات، عندما اعتقد العديد من الباحثين أن النبيذ الأحمر إكسير سحري، بناء على ملاحظة الفرنسيين الذين يشربون الكثير من النبيذ، ومع ذلك يسجلون معدلات أقل في الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، على الرغم من تناولهم لنظام غذائي مشبع بالدهون.

ومنذ ذلك الحين اعتقد الباحثون أن شرب كميات صغيرة من الكحول، بمعدل كأس خفيف واحد في اليوم للنساء، واثنين للرجال، لا يشكل أي خطر على الصحة، بل يرتبط بفوائد صحية وقلبية. 

في المقابل، يُعتقد بأن شركات صناعة الكحول ساهمت في تمويل التقارير الإعلامية والعلمية لترسيخ هذه الصورة الإيجابية لشرب الكحول.

لكن الأبحاث الجديدة تظهر أن هذه النظرة الرائجة في المجالات الغذائية تجاه استهلاك الكحول، ليست صحيحة تمامًا، وأنه ينبغي إعادة النظر في المعدلات الصحية للاستهلاك النبيذ التي تنصح بها الحكومات والهيئات.

تقول دراسة حديثة، إن معدلات الكحول التي كان يعتقد سابقًا أنها غير خطيرة، تعتبر على العكس من ذلك مرتبطة بزيادة خطر الموت

وتشير دراسة جديدة مثيرة، نُشرت مؤخرًا في مجلة "The Lancet"، إلى أن مستويات الكحول التي كان يعتقد سابقًا أنها غير ضارة نسبيًا، ترتبط بزيادة خطر الموت، والأكثر من ذلك هو أن شرب كميات صغيرة من الكحول قد لا يحمل كل التأثيرات الصحية على نظام القلب والأوعية الدموية، كما كان يعتقد.

اقرأ/ي أيضًا: هل تونس حقًا الأولى عربيًا والخامسة عالميًا في استهلاك الخمور؟

وشملت الدراسة حوالي 600 ألف مشارك من شاربي الكحول، وجمع الباحثون بيانات من 83 دراسة في 19 دولة، حيث اكتشفوا أن شرب أكثر من 7 غرامات من الكحول الصافي يوميًا، يتناسب طرديًا مع زيادة خطر الوفاة، وهو مقدار أقل بكثير من الحد الأقصى الذي تنصح الحكومة الأمريكية بعدم تجاوزه، وهو 14 غرامًا من الكحول الصافي في اليوم. إلا أن الدراسة اكتشفت أن هذا المقدار (المفترض أنه غير مضر) مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك السكتة الدماغية وقصور القلب.

وكان الاستثناء هو النوبات القلبية غير القاتلة، حيث وجدت الدراسة أنه كلما شرب الناس أكثر، انخفض خطر الإصابة بالنوبات القلبية، إلا أن المخاطر القلبية الأخرى التي تقود إلى الموت المبكر، مثل فشل القلب والسكتة الدماغية وتمدد الوعاء الدموي الأبهري، تغطي على هذه الفائدة وتجعلها بدون جدوى.

"أردنا العثور على كمية الكحول التي يمكن أن يشربها الناس بدون أن تجعلهم أكثر عرضة للوفاة، تشير نتائجنا إلى حد آمن يتمثل في شرب أقل من سبعة غرامات من الكحول الصافي في اليوم للرجال والنساء، وإذا تعدى يصبح الشرب مرتبطًا بانخفاض متوسط ​​العمر المتوقع"، تقول الباحثة أنجيلا وود من جامعة كامبردج المشاركة في الدراسة.

ارتباط تعاطي الكحوليات بالوفاة

وعلى صعيد حيثيات الدراسة، توصل الباحثون إلى تأثيرات مختلفة حسب أنواع الكحول، فمثلًا الذين يشربون البيرة والكحول الرخيص، كانوا على ما يبدو أكثر عرضة للوفاة بالأمراض القلبية الوعائية مقارنة مع من يشربون النبيذ الرفيع، وهذا يعني أن خطر استهلاك الكحول يزيد وسط ذوي الدخل المنخفض.

كما أن هناك عوامل أخرى تزيد من احتمال الضرر عندما تلتقي مع استهلاك الكحول، فالنظام الغذائي غير الصحي، والتدخين، وعدم ممارسة الرياضة، وضعف الحصول على الرعاية الصحية الجيدة ، يؤدي إلى زيادة المخاطر، وهي عادات شائعة بالأخص في نمط عيش الطبقات الاجتماعية ما دون المتوسطة والفقيرة..

كلما شرب الناس البيرة انخفض خطر إصابتهم بالنوبات القلبية، لكن تزداد مخاطر الإصابة بالأمراض القلبية الأخرى

ويتسبب الكحول في وفاة 90 ألف شخص سنويًا في الولايات المتحدة الأمريكية، باحتساب أرقام الوفيات الناجمة عن الأضرار الصحية للكحول، والقيادة في حالة سكر، وجرائم القتل المرتبطة بالسكر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المغرب.. حرب الكأس والعمامة

علم السعودية على بيرة كأس العالم.. السوشال ميديا تحسم القضية!