24-يناير-2024
مواطن جزائري في الحراك

مظاهرة ضد الولاية الخامسة لبوتفليقة في باتنة

وُلدت في الجزائر، نهاية سنة 1984، بالنسبة للعالم كانت هذه بشرى سارّة، فقد انقضت هذه السنة أو كادت دون أنْ يتحقّق كابوس الدولة الشموليّة الذي تنبّأ به جورج أورويل في روايته "1984". أمّا بالنسبة لي فالأمر كان مختلفًا، فقد كانت ولادتي في هذه السنة أشبه بتعويذة جعلت من سيرتي الذاتيّة ازدحامًا لتواريخ السياسة في بلدي.

  1. السيرة الذاتيّة كتاريخ سياسي مختصر

وُلدت منتصف سنوات موجة انهيار أسعار البترول، إذْ واصل سعر البرميل انهياره ليصل إلى حدّه الأدنى سنة 1986. في نفس سنة ولادتي، وبالتحديد في 12 كانون الثاني/يناير 1984، تمّت إعادة انتخاب رئيس الجمهورية (1) لعهدة ثانية في نظام الحزب الواحد، وفي يوم ولادتي بالذات تُخبرني الجريدة الرسميّة أنّه قد تم تصفية شركة وطنيّة كبرى وإحداث تغييرات في الوضع القانوني لمجلس المحاسبة وإعادة تشكيل النواحي العسكريّة (2)، يبدو هذا ترتيبًا جيّدًا لميلاد!

بالكاد بلغتُ أربع سنوات عندما اكتشفت الشارع، لا أدري يومها لماذا فزع جميع من في البيت إلى الباب، عندما فُتح كانت أمواج الناس تتلاطم، بعضهم يحمل أكياس مؤونة أو معدّات، والبعض الآخر يجري على غير هدى، أعمدة الدخان كانت تتصاعد من أسفل الشارع ومن حين لآخر تُسمع صافرات الإنذار أو منبّهات سيارات الشرطة، كانت تلك هي أحداث 5 تشرين الأول/أكتوبر 1988، أو أبعد ما يمكنني تذكره من طفولتي بضبابيّة، تساءلت بعدها لسنوات طويلة عن معنى ما حصل وعن أسبابه. كانت الصائفة التي تحضّرتُ فيها لدخول المدرسة الابتدائية هي نفسها التي جرت خلالها أوّل انتخابات تعدّديّة في بلدي، أعتقد أنّ لا أحد في عائلتي قد انتبه إلى هذا الحدث الكبير، أقصد دخولي المدرسة الابتدائيّة.

إنّه عبء السياسة الثقيل الذي يتحمّله المواطن البسيط دون أن يُستشار فيه، وهذا ما لا يحدث في دول كثيرة مستقرّة، فقد تمضي حياة أغلب مواطني هذه الدول دون أن يُذكر حدث سياسي كبير واحد

في أوّل عطلة صيفيّة لي أُعلن العصيان العام وسقطت الحكومة الثانيّة منذ تشرين الأول/أكتوبر 1988، كان الدخول المدرسي للسنة الثانيّة قد سبق بأسابيع قليلة إيقاف المسار الانتخابي وإلغاء نتائج الانتخابات التشريعيّة، بدأت عطلتي الصيفية الثانيّة بمشاهد مقتل الرئيس محمّد بوضياف (3)، الذي أُستقدم رأس سنة 1992 وقُتل بعدها بخمسة أشهر، أسبوعًا واحدًا قبل الاحتفال بعيد الاستقلال والشباب.

وللاختصار، فإنّ صروف السياسة في بلدي تعرض على سيرتي الذاتيّة أكثر من هذه التقاطعات العرضيّة، فهي تقدّم لي مثلًا اختصارًا لسنوات دراستي من السنّة الأولى حتّى دخولي للثانويّة في كلمتين: "العشريّة السوداء"، كلمتان تختصران عشر سنوات من الحرب الأهليّة، من الرعب والمذابح والتصفيات وحظر التجوال، كلمتان لا تحيلان إلى إرادة البشر بل إلى شيء عاشه الجلاّد والضحيّة بصورة متساوية ككارثة طبيعيّة، كزلزال أو كفيضان.

عندما كنتُ أحصل خلال هذه العشريّة على بضعة دنانير، لم أكن أفكّر في شراء الحلوى أو اللُعب، لم أفكّر حتّى في الذهاب إلى أحد محلات الألعاب الإلكترونيّة التي انتشرت في ذلك الوقت كي أتصارع مع وحوش افتراضيّة، بل كنتُ أتشجم عناء التنقل إلى وسط المدينة كي أقتني يوميّة "العالم السياسي"، كان قد أُلحق في مخيّلتي كلّ ما يرتبط بالسياسة بقائمة طويلة من الممنوعات، لذا كنتُ أطوي الجريدة جيدًا وأدسّها سريعًا داخل سروالي، في الجزء الأمامي منه حتّى يكاد يبلغ طرفها أعلى صدري ثمّ أعود حاثًا الخُطى إلى البيت وأنا أشعر أحيانا أنّ الجريدة تحميني كدرع مضاد للرصاص، أحثّ الخطى خوفًًا من حلول الظلام، فالظلام حسب جدّتي يحلّ سريعًا كلما ابتعدنا عن الديار، أعتلي سطح منزلنا، قمّة الخوف، وأبدأ في قراءة الجريدة ككتاب من أولّها إلى آخرها عَلّي أجد تفسيرًا لما يحدث، ولا أذكر أنّي استفهمت شيئًا، بل كلّ ما علق في ذهني هي عبارة لنيتشه: "من بين كلّ الوحوش الباردة، الدّولة هي أبردها"، وبما أنّها كُتبت في آخر صفحة فقد اعتبرتها طويلًا تلخيصا لكلّ "العالم السياسي".

عندما وضعتُ رجليّ لأوّل مرة في الثانوية، وجدتُ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي قُذف إلى سُدّة الحكم قد ملأ الدنيا وشغل النّاس، وظلّ هكذا هو وزُمرهُ حتّى خرجتُ من الجامعة بشهادة الدكتوراه في الطب ثمّ شهادة التخصص.

طفل جزائري خلال العشرية السوداء أمام غرافيتي مؤيد للجبهة الإسلامية للإنقاذ
طفل جزائري خلال العشرية السوداء، أمام غرافيتي مؤيد للجبهة الإسلامية للإنقاذ

لست هنا بصدد سرد للتاريخ السياسي لبلدي، فأنا أعي أنّ الأمر أكبر وأكثر تعقيدًا، أو حتّى وضع كرونولوجيا سياسيّة مبسطة، إنّني بصدد إيضاح أمر بسيط للغاية، وهو أنّ هذه الأحداث السياسية قد صاغت حياتي ووجَهَتها كما فعلت مع الكثيرين، إنّها فعلًا سيرتي الذاتيّة، وإنّ مبلغ مسعاي هو أن أحاول "أن أجعل من هذه الذاتيّة ]ذاتيتي[ الحميميّة جدًا وسيلة للبرهنة الموضوعيّة" (4).

أبلغ الآن أربعين سنة، أعمل كاتبًا وطبيبًا مختصًا في طبّ الأمراض العقليّة، أستقبل كلّ أسبوع تقريبًا في فحوصات الأمراض العقليّة ضحايا للحرب الأهليّة، حرب انتهت قبل ثلاثة وعشرين سنة. أتساءل أحيانًا وأنا أنظر إلى عيونهم، كيف كانت ستكون حياة هؤلاء وعائلاتهم، حياة كلّ واحد منّا لو أنّ التاريخ سلك مسلكًا آخر؟

إنّه عبء السياسة الثقيل الذي يتحمّله المواطن البسيط دون أن يُستشار فيه، وهذا ما لا يحدث في دول كثيرة مستقرّة، فقد تمضي حياة أغلب مواطني هذه الدول دون أن يُذكر حدث سياسي كبير واحد. يتجلّى هذا العبء بوضوح في التمثّل الشعبي السلبي للسياسة، فعبر تحوير لكلمة السياسة باللغة الفرنسيّة Politique، أوجد الجزائريون مصطلحًا جديدًا وهو Bolitique يُطلقونه على من يتبنّى خطابًا ملغّزًا أو غير مفهوم، أو من يمارس المخاتلة والكذب. أي أنّ السياسة لا تعني بالنسبة للجزائري محاولة حلّ مشاكل البطالة والسكن والبيروقراطيّة والتعليم والصّحة، بل هي محاولات للسلاك الفردّي أو الحفاظ على مكتسبات من يمارسها. ولا شكّ أنّ لهذا التمثّل السلبي دورًا في إنتاج السلوكيات "مقاطعة الانتخابات (5)، العزوف عن الانخراط في العمل السياسي (6)".

لطالما كانت السياسة حاضرة في حياة الجزائري، لكن كعبء، فنتائج السياسة تتقاطع بكثافة وأحيانًا بعنف مع أعياد الميلاد والزواج والعمل والدراسة وتكيّفها، وتستتر غالبًا وراء يوميات الأشخاص، وتؤثّر على اختيار مسارات حياتهم، إن لم تجبرهم على مسار محدّد.

إذا تساءلنا عن استحالة السير الذاتيّة للبسطاء في الجزائر وفي بلدان مشابهة لها إلى سير سياسيّة مقنّعة لا تصطبغ بصبغة شخصيّة، ولا يعتقد صاحبها أنّ فيها قدرًا معتبرًا من إرادته وخياراته، فإنّ هذا يقودنا حتمًا إلى التساؤل عن التاريخ السياسي الذي يستحيل سيرة ذاتيّة؟

  1. التاريخ السياسي كسيرة ذاتيّة

أعلنت الجزائر استقلالها رسميًا في 5 تموز/يوليو 1962، انتهى الأمر بين الأشقاء الأعداء بعد أزمة صيف 1962 لصالح أحمد بن بلة مدعومًا برئيس هيئة الأركان هواري بومدين. أصبح بن بلة أوّل رئيس للدولة، وفي ظرف عامين أصبح الأمين العام للمكتب السياسي للحزب الواحد جبهة التحرير الوطني، ثمّ أُنتخب رسميًا أوّل رئيس للجمهوريّة في 15 أيلول/سبتمبر 1963، وراكم منصب رئيس الحكومة ثمّ ضمّ إلى سلطته الشخصيّة حقائب الداخليّة والماليّة والاعلام (7).

في 19 حزيران/يونيو 1965، انقلب عليه وزير دفاعه هواري بومدين وأعلن في خطابه على التلفزيون العمومي تصحيحًا ثوريًا للتخلص من "النرجسيّة السياسيّة".

 صرّح عبد العزيز بوتفليقة (1937 - 2021) (8) ردًّا على سؤال صحفي في بداية توليه رئاسة الجمهوريّة: "أنا ممثل الشعب الجزائري، لا يمكن لأيّ مؤسسة من مؤسسات الجمهورية، حتّى وإن كان الجيش الوطني الشعبي، أن تتخلّص منّي في قضمة واحدة، أنا الجزائر بكاملها، يتجسّد الشعب الجزائري في شخصي".

 لا شكّ أنّ هذا الكلام كان موجهًا للقوى المؤثرة في داخل الجزائر وعلى المستوى الدولي، مقدمًا نفسه الطرف الوحيد المعني بأي حوار، إلاّ أنّ عباراته الأخيرة تُظهر النزعة الفرديّة في الحكم والإدارة والاستئثار بهما، وهي ثقافة أجيال بكاملها مضى بها بوتفليقة إلى منتهاها.

في رحلة السعي إلى تحقيق الدولة المركزيّة أو مركزيّة الدولة، شُرع مباشرة عقب الاستقلال في حملة القضاء على كل السلط المضادة حتى وإن كانت في مراحل تشكّلها الأولى ومنع تشكّل أخرى، هكذا تمّ حلّ الحزب الشيوعي الجزائري شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1962، ومنع حزب محمد بوضياف (حزب الثورة الاشتراكيّة) من الممارسة، وفي كانون الثاني/يناير 1963، تقرّر ضمّ الاتحاد العام للعمال الجزائريين كهيئة تابعة للحزب الواحد، كذلك حُلّت جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1965، خلال بضع سنوات لم يبق في البلاد كاملة غير جمعيّة واحدة هي الهلال الأحمر الجزائري وحزب واحد هو حزب جبهة التحرير الوطني.

إنّ هذا ما يمكن أن نطلق عليه مشروع تفتيت المجتمع إلى أنْوية فرديّة، أو Atomisation de la Société حتى وإن حقّق مركزيّة الدولة، لم يكن هذا التفتّت أمرًا واضحًا أو بالغ الضرر، أو حتّى مهمًا بالنسبة للجزائريين طالما هناك قفزة غير مسبوقة في المستوى المعيشي سنوات الستينات والسبعينات (9)، لكن تطلعات الجزائريين التي ارتفعت بعد سنوات الاستقلال اصطدمت بمشاكل الانفجار الديمغرافي، ونقص برامج السكن، وظاهرة الهجرة الكثيفة إلى المدن، وبفشل برامج الإصلاح الصناعي والزراعي، وقد تبيّن سريعًا أنّ الدولة بشكلها وطرق تسييرها آنذاك لم تعد مؤهلة لاستيعاب التحولات الاجتماعيّة والثقافيّة الكبيرة للمجتمع الجزائري، وهكذا كشفت الأزمة متعدّدة الأوجه سنوات الثمانينات هذا التفتت إلى أنوية فرديّة وتداعياته.

في سنة 1987، كان الشعب الجزائري، الذي أصبح ثلثاه من الطبقة المتوسّطة، لا يملك منذ الاستقلال أيّ أطر للتعبير عن نفسه في دولة تعيش أزمة اقتصاديّة خانقة، أي أنّ هؤلاء (الأنوية الفرديّة) لم يجدوا قبل حلول الأزمة أيّ فضاءات (أحزاب حقيقيّة، جمعيات مجتمع مدني مستقلة وذات نشاط مستمرّ، طرق تسيير تعتمد على الانتخابات داخل الجامعات مثلًا عوض التعيين المركزي...) يتطوّرون داخلها إلى تكتّلات فوق فرديّة supra individual، وقد سرّعت الأزمة الاقتصاديّة من ارتداد هؤلاء الأفراد إلى أنماط انتماء تقليديّة هي العشيرة والجهة.

في رحلة السعي إلى تحقيق الدولة المركزيّة أو مركزيّة الدولة، شُرع مباشرة عقب الاستقلال الجزائري في حملة القضاء على كل السلط المضادة حتى وإن كانت في مراحل تشكّلها الأولى ومنع تشكّل أخرى

يتحدّث عالم الاجتماع أمحمد بوخبزة عن هذه الانتماءات عندما مسّت النخب المسيّرة للدولة قائلًا: "لقد كانت نسبة النمو السنوي لفئة الإطارات العليا (الموظفون السّامون) ما بين 15 إلى 17 % خلال الثلاثين سنة الأخيرة ]أجري الحوار سنة 1992 [ ، وهي نسبة معتبرة بكل المقاييس.

رقم آخر، كان هناك 1800 تعيين بالمرسوم (يخص ذلك المناصب العليا في أسلاك الدولة - المحرر) ما بين سنة 1985 و1990. وهذا شيء مستحيل في دولة عاديّة، إذا علمنا أنّ هناك أقلّ من ألف منصب في مؤسسات الدّولة يحتلّها أشخاص يعيّنون بمراسيم. يعني هذا أنّه تمّت تغطية طلبات مجموع تلك المؤسسات مرتين خلال خمس سنوات فيما يتعلّق بتعيين الإطارات. النتيجة هي أنّ الناس الذين كانوا هناك لدعم الدّولة والدفاع عنها أصبحوا أكثر المنتقدين لها، لأنّهم ليسوا في الحقيقة في خدمة الدّولة، بل في خدمة أفراد" (10).

هكذا استحال الأمر في ظل الأزمات إلى انتقال هذا التفتّت إلى جزء كبير من النخب المسيِّرة، نخب عاجزة عن الفهم ومفتقرة لقنوات التواصل (11) مع شعب مكوّن من أفراد غير مؤطرين سياسيًا وتعوزهم وسائل التعبير، وهذا ما يكفي لوحده لتعظيم إمكانيات الانزلاق إلى العنف.

  1. جسور العاطفة

إنّ التقابل، خارج أوقات الأزمات، بين الحاكم الفرد (12) وبين المجتمع المفتّت إلى أفراد، يسوده الاتصال من جانب واحد عبر طريقتين، إمّا مختلف أشكال القوة (الشرعيّة وغير الشرعيّة) وهو الأمر الذي لا يُنسب بشكل مباشر إلى الحاكم ولا يكون علنيًا ولا يمسّ كلّ المواطنين، وإمّا استراتيجيات العاطفة )الخِطاب المشبّع بالعاطفة، الشعبوية، التخويف من الحرب الأهليّة، استثمار الرياضات الشعبيّة ككرة القدم، تغذية الخرافة، وفي بعض الأحيان استعمال النكتة التي امتازت بها فترة رئاسة الوزير الأوّل عبد المالك سلال وكانت غطاء لسوء التسيير (13).

لقد غذّت هذه الاستراتيجيات العاطفيّة خطابًا سياسيًا عامًا غُلّبت فيه العاطفة على العقل، والقبول على التحليل والنقد، العاطفة التي أصبحت بمرور الوقت، مع مرض وغياب رئيس الجمهوريةّ، الأداة الوحيدة لإسباغ الشرعيّة على أيّ فعل سياسي أو قرار إداري مركزي، وبانخراط النخب السياسيّة والإعلاميّة والاداريّة في هذا المسعى وإعادة إنتاجهم له بصورة أسوأ، عاينا في أواخر فترة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كيف أُفرغ المحتوى السياسي وأصبحنا أمام خطاب إعلامي وسياسي لم تستحل فيه القدرة على التحليل فقط، بل أصبح أشبه بالعبث (نفي الواقع الجليّ، حملة تكريمات لصور رئيس الجمهوريّة، إقامة حملة رئاسيّة بالوكالة لرئيس غير قادر على المشي أو الكلام) وقد عمل هذا العبث وتكريس الرداءة الذي استمرّ لسنوات على صناعة وترقية نخبه الثقافيّة والاعلاميّة والسياسيّة.

ردّا على محاولة تمرير عهدة خامسة لرئيس يحتضر وأمام ما يشبه الانقسام بين النخب المسيّرة، تحرّك الشارع الجزائري فيما عرف بالحراك الذي استمرّ من 22 شباط/فبراير 2019 إلى بداية آذار/مارس 2020، يُقرأ الحراك على أكثر من مستوى، فبالإضافة إلى أنّه يمثّل عرضًا من أعراض طفرات المجتمع وحلقة من حلقات محاولات إعادة امتلاك الفضاء العمومي وملئ الفراغ الذي تركه غياب أشكال العمل والنضال الجماعيّة الحقيقيّة، فهو من حيث طريقة التعبير ليس إلاّ ردّ فعل عن الإغراق في استعمال الخطاب العاطفي والتلاعب بمشاعر ملايين الجزائريين، فـ"عندما تسدّ كلّ الطرق، يندفع الوعي إلى العالم السحريّ للعاطفة" (14).

كان الغضب والعار هو ما أخرج الجزائريين إلى الشوارع، ومع مرور الوقت كانت جموع المحتجّين تسبح في سيل من العواطف السلبيّة والإيجابيّة من الفخر والخوف والحب والعار والمرارة والنشوة والحماسة، وهو ما أعاد الحياة والانسانيّة لمن وصفهم أحد رؤساء الوزراء بالكلاب (15).

نجحت هذه الجموع في إجهاض العهدة الخامسة التي أرادها محيط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لكنها بقيت عاجزة عن طرح بديل أو مشروع سياسي، رغم أنّها استمرّت لأكثر من سنة في جوّ أشبه بالفراغ السياسي، إنّ ما منعها من الانتقال من قوة احتجاج، قوّة رافضة منفعلة إلى قوّة اقتراح فاعلة ليس هو العاطفة دون أدنى شك، فوجود العاطفة لا يعني أبدا تآكل الوعي والتفكير، فقد كانت هذه العواطف المشتركة هي الدّافع لتشكّل الـ"نحن"، وهي بذلك قد حققت المثال المبين على قوّة العمل أو النضال الجماعيّ، بل السبب الرئيس هو عدم امتلاك الأغلبية منها لتجربة تنظيميّة سياسية، أو جمعاوية حقيقيّة، ولكن هل كان الأمر سيتطوّر في هذا الاتجاه لو أنّ شيئًا من هذه التجربة كان موجودًا؟ ستكون الإجابة ولا ريب بالنفي.

انتهى الحراك منذ ثلاث سنوات تاركًا وكلّ السياقات التي انتجته والتي جاءت بعده أثرًا غير قابل للمحو في الذاكرة الجمعيّة، انتهى بما له وما عليه إثر انتشار وباء كوفيد 19 في الجزائر وفرض التباعد الاجتماعي، تباعدٌ أعاد تحيين التباعد.


هوامش وإحالات

  1. الشاذلي بن جديد (14 نيسان/أبريل 1929- 6 تشرين الأول/أكتوبر 2012) ثالث رؤساء الجزائر من 9 شباط/فبراير 1979 إلى 11 كانون الثاني/يناير 1992، تاريخ إعلان استقالته، التي قيل أنّه أجبر على تقديمها وأنّ الأمر لا يتعدى كونه انقلابًا عسكريًا.
  2. الجريدة الرسميّة الصادرة بتاريخ: 5 كانون الأول/ديسمبر 1984.
  3. محمد بوضياف (1919- 1992) رابع رئيس للجزائر (من 16 كانون الثاني/يناير 1992 تاريخ عودته من منفى دام 28 سنة إلى 29 حزيران/يونيو 1992 تاريخ مقتله في مدينة عنابة شرق الجزائر).
  4. كلود ليفي ستروس.
  5. بلغت نسبة الامتناع 35 % في الانتخابات المحليّة حزيران/يونيو 1990، بينما بلغت 41 % في الانتخابات التشريعيّة في كانون الأول/ديسمبر 1991، وقد بلغت نسبة الامتناع في آخر انتخابات رئاسيّة (12 كانون الأول/ديسمبر 2019) 65 %، وفي آخر انتخابات تشريعيّة (12 حزيران/يونيو 2021) 70 %. وهي مجموع الانتخابات التي تلت بشكل مباشر أحداث تشرين الأول/أكتوبر 1988، ثمّ الحراك الشعبي 2019. ويبدو أن ما يتبع كلّ تعبير ذي شأن للشعب عن طريق انتفاضة شعبيّة أو مظاهرات سلميّة منظمّة هو امتناع كبير ومتنام عن التصويت، أي أن الانتخابات حتى وإن كانت حرة وشفافة إلى حد ما فإنها تحتل أسفل اهتمامات المواطنين.
  6. يبدو أنّ تجديد النخب السياسيّة في الجزائر ولادة عسيرة، فأغلب الإطارات الكبرى تنتهي نهاية بيولوجيّة وهي ما تزال في مناصبها.
  7. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الاستئثار بالحكم لم يجد غالبًا طرقًا لتحقيقه في التاريخ السياسي للدولة الجزائريّة، وإن تحقق فلم يدم طويلًا، لنا أن نتأمّل على الأقل تعاقب الدايات في فترة حكم الدّايات في الجزائر، والفترات الرئاسيّة بعد استقلالها، فقد حصل مثلًا أن كان في فترة حكم الرئيس بوتفليقة أربع رؤساء سابقون يعيشون في الجزائر في نفس الفترة، كما لا يجب إغفال كون مسألة الاستقلال عن القوى الخارجيّة المهيمنة ومواجهة الأخطار الخارجية كانت دومًا مسألة مركزيّة أثّرت في التطوّر السياسي الداخلي، وهذا يحتاج إلى تحليل أعمق وأكثر استفاضة.
  8. سابع رئيس للجزائر (1999 - 2019)، التحق بجيش التحرير على الحدود الجزائرية المغربيّة في سنّ 19 سنة، وعمل تحت إمرة هواري بومدين في عدّة مناصب ومهام، عضو المجلس التأسيسي وعضو اللجنة المركزية للمكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني، وزيرًا للرياضة والسياحة في أيلول/سبتمبر 1962 ومكلفًا بعدها بوزارة الخارجيّة، بعد مقتل وزير الخارجيّة محمد خميستي، ثمّ ثبّت وزيرًا للخارجيّة في أيلول/سبتمبر 1963 إلى غاية شباط/فبراير 1979 شهرين بعد وفاة الرئيس بومدين، حيث أُبعد عن الحكم بعدما كان ثالث ثلاثة مرشحين لخلافته. عاد سنة 1999، دامت فترة حكمه عشرون سنة.
  9. القضاء على الأوبئة، تقنين الصحة والتمدرس المجانيين، وكذلك الثورة الصناعيّة التي أتاحت فرص عمل كثيرة بأجور مرتفعة فقد ارتفع مثلا عدد العمال بنسبة 625 بالمائة خلال الفترة 1979 إلى 1985.
  10. حوار "المجتمع ضدّ الدولة" نشر بالفرنسيّة في جريدة "Algérie Actualité" بتاريخ 14 تشرين الأول/أكتوبر 1992، ترجم ونشر ضمن كتاب العياشي عنصر، الأزمة الجزائريّة في تصوّرات المثقفين، ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية - ناشرون، الجزائر-بيروت، 2018.
  11. لا شكّ أنّ عجزها يبقى أقلّ من عجز المواطنين، فلا ينبغي مثلًا إغفال أحد أنواع تحصيل المعلومات الذي يمكنه التحوّل إلى أحد أشكال المعرفة التي تنتجها أجهزة الاستعلامات.
  12. قد يكون فردًا واحدًا وقد يكون الحكم مركزًا في أيدي مجموعة من الأفراد.
  13. الوزير الأول الجزائري بين 3 أيلول/سبتمبر 2012 إلى 24 أيار/مايو 2017. تمّ إيقافه ويقبع في السجن منذ13 حزيران/يونيو 2019 بتهم متعلّقة بالفساد.
  14. Jean-Paul Sartre, esquisse d’une théorie de l’émotion
  15. "جوّع كلبك يتبعك" هكذا علّق الوزير الأوّل أحمد أويحيى، الذي يقبع الآن في السجن، على موجة غلاء الأسعار قبل الحراك.