السفارات الافتراضية وتطبيع  إسرائيل

السفارات الافتراضية وتطبيع إسرائيل "عربيًا"

طائرة إسرائيلية في مطار أبوظبي يوم 31 آب/أغسطس 2020 (كريم ساهب/Getty)

يرى الدبلوماسيون والخبراء وأصحاب الاختصاص أن الدبلوماسية الرقمية جاءت لتكمل وتعزز دور الدبلوماسية التقليدية. إذ تعرّف الدبلوماسية الرقمية، وهي جزء من الدبلوماسية العامة، على أنها امتداد للدبلوماسية التقليدية. وفي مفارقة واضحة، جاء اتفاق التطبيع الإماراتي-الإسرائيلي ليتمرد على الأدبيات والأطروحات السابقة، ويقلب المعادلة رأسًا على عقب. فإعلان اتفاق التطبيع الإماراتي- الأمريكي- الاسرائيلي شكل مفاجأة للجميع في العرف الدبلوماسي بمن فيهم الإسرائيليون أنفسهم. لكن هذا الاتفاق جاء في المحصلة نتيجة جهود دبلوماسية عامة ورقمية إسرائيلية متراكمة مهدت الطريق له منذ سنوات عدة. 

 جاء إعلان التطبيع الإماراتي الإسرائيلي في المحصلة نتيجة جهود دبلوماسية عامة ورقمية إسرائيلية متراكمة مهدت الطريق له منذ سنوات عدة

شقت إسرائيل منذ عام 2011 وعبر قناة الدبلوماسية العامة والرقمية طريقها في محاولة التواصل مع شعوب  الدول العربية خاصة في الخليج، وحققت اختراقات في مجالات رسمية متعددة منها الرياضية والثقافية والإعلامية لتوظفها في إطار خدمة الهدف السياسي في هذه الدول التي لم تكن تقيم معها علاقات دبلوماسية علنية أو لم توقع معها أية اتفاقيات سابقة. وتمكنت إسرائيل عبر هذه القناة من المساهمة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في التوصل لهذا الاتفاق التطبيعي، لتصبح هذه القناة نهجًا بنيويًا حديثًا في الدبلوماسية، مكنها من لعب دور حيوي وجوهري في بناء علاقات دبلوماسية وصولًا للأنظمة الحاكمة لتحقيق التطبيع الكامل. 

اقرأ/ي أيضًا: اتفاق تطبيع بحريني إسرائيلي.. خطوة ثانية في طريق أبوظبي

وجاء الاتفاق التطبيعي الإماراتي-الإسرائيلي مغايرًا لاتفاقيتي السلام مع الأردن ومصر، وادي عربة وكامب ديفيد، فقد حكمت العلاقات الإسرائيلية قبل وبعد توقيع الاتفاقيات جوانبُ وتفاهماتٌ عسكرية وأمنية بحتة، واكبها "سلام بارد" ورفض للتطبيع على المستوى الشعبي. وكان السياق الذي يحكم هذه الاتفاقيات القلق المتبادل من قبل كل طرف تجاه الآخر ولضبط العلاقات بينهما. 

بينما في الحالة الإماراتية-الإسرائيلية جاء الخطاب الأمني والعسكري معبرًا عن تخوفات مشتركة لدى أبوظبي وتل أبيب تجاه إيران وحلفائها في المنطقة. رغم ذلك تم تقديم الجانب الاقتصادي على الأمني في الزيارة الأولى للوفد الأمريكي-الإسرائيلي المشترك إلى الإمارات بقيادة جاريد كوشنير مستشار ترامب، ومائير بن شابات رئيس "مجلس الأمن القومي الإسرائيلي". وضم الوفد مسؤولين اقتصاديين ورجال أعمال، فيما تم إلغاء مشاركة مسؤولين أمنيين بينهم مدير عام وزارة الجيش الذي "أنزل من الطائرة" حسب وصف وسائل الإعلام العبرية.

كان من الصعب تقديم إعلان التطبيع بهذه الصورة العلنية لولا ما وفره الإعلام الرقمي من امتيازات وخصائص استغلتها الدبلوماسية الرقمية الإماراتية والإسرائيلية

وامتاز الخطاب الإعلامي الإسرائيلي بشكل كبير بتسليط الضوء على قضايا مهمة لها علاقة بخطاب التطور "الحضاري والمعرفي" بين إسرائيل والإمارات وتقديمهما على أنهما في ريادة الدول المتقدمة في المنطقة، وأن تعاونهما في الأبحاث الخاصة بكوفيد-19 سيساعد في مواجهة هذا الوباء دوليًا، إضافة إلى نتائج اقتصادية مثمرة للبلدين، كما جاء في تصريحات صحفية كثيرة.

اقرأ/ي أيضًا: توسع إسرائيلي في المجال الجوي السعودي وسقطرى اليمنية برعاية إماراتية

كما برزت أيضًا التصريحات الإعلامية للسياسيين من كلا الطرفين على المنصات الرقمية لتساهم وتعزز الروابط المدنية (على مستوى الأفراد) وليس فقط ما بين الحكومات، وما يرافق ذلك من حوارات، ساهمت ولأول مرة في مناقشة قضايا كالتطبيع و"حق" إسرائيل في الوجود. وهذه قضايا كان من الصعب تناولها بهذه الصورة العلنية لولا ما وفره الإعلام الرقمي من امتيازات وخصائص استغلتها الدبلوماسية الرقمية الإماراتية والاسرائيلية لتحقيق أهدافها. 

فعلى سبيل المثال لا الحصر، يرى رئيس مكتب التنسيق في وزارة الخارجية الإسرائيلية والمسؤول عن العلاقات مع الدول العربية والإسلامية التي ليس لها علاقات رسمية مع إسرائيل، إلياف بنيامين، أن العلاقات مع الإمارات كانت قائمة منذ تسعينات القرن الماضي من خلال مكتب التبادل التجاري الإسرائيلي في الإمارات. و"دان شاحام بن حيون" الذي يرأس حاليًا الوفد الإسرائيلي في وكالة الطاقة المتجددة ويعمل كمبعوث خاص للأبحاث التطبيقية، الذي تناول في تصريحات علنية العلاقات الإسرائيلية الإماراتية فيما يتعلق بقضايا الطاقة المتجددة وغيرها. لكن  العلاقات لم تقتصر على ذلك بل أيضًا شملت علاقات ثقافية وإعلامية ورياضية سبقت ورافقت الإعلان الإماراتي الإسرائيلي. 

جهود الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية ونشاطاتها وأصداؤها في الدول العربية خاصة دول الخليج العربي، كانت بمثابة بالونات لجس نبض الشارع العربي والإماراتي من جهة، وتمهيدًا لترويج اتفاق التطبيع مع إسرائيل من جهة أخرى. كما ساهمت هذه الدبلوماسية إلى حد كبير في تصوير شق في الشارع العربي والخليجي بين مؤيدين ومعارضين يتبادلون التهم والشتائم على صفحات "السفارات الافتراضية" الإسرائيلية، بما يعطي دلالات مهمة لها علاقة بأبعاد سياسية وإعلامية لتمرير الرواية الإسرائيلية ودعايتها بأنها دولة حضارية وتطمح للعيش بسلام. وخلق انطباعات أن إسرائيل جزء من المنظومة الشرق أوسطية، والصراع معها هو مجرد اختلافات قد تحدث بين الدول العربية.

علاقة التطبيع بين أبوظبي وتل أبيب قائمة منذ تسعينات القرن الماضي من خلال مكتب التبادل التجاري الإسرائيلي في الإمارات

خلاصة القول تفيد أن إسرائيل ماضية في استخدام منصات التواصل الاجتماعي لإغراء دول الخليج وخداع الخليجيين من خلال "سفاراتها الافتراضية" المتمثلة بصفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي تديرها الهيئات الحكومية الإسرائيلية وأذرعها، بهدف تعزيز عملية اختراق العقلية العربية وقيمها ومبادئها، بغرض خلق قناعات وانطباعات تقبل الإسرائيلي، وتحول العلاقات الرقمية الافتراضية إلى علاقات واقعية تتجلى بالسياحة المتبادلة والنشاطات المشتركة في المجالات كافة.

السؤال هنا، ما هي الاستراتيجية المضادة لمواجهة الاختراق الإسرائيلي لجبهة كانت تعتبر حصنًا شعبيًا منيعًا مساندًا للقضية الفلسطينية؟ ربما قد تكون الإجابة في الأصوات العربية المتصاعدة الرافضة للتطبيع مع دولة الاحتلال، لتكون منطلقًا لتحويل "السلام الإماراتي-الإسرائيلي الدافئ"، إلى علاقة باردة على غرار الحالتين المصرية والأردنية. وانتهاج الدبلوماسية الرقمية فلسطينيًا للترويج للقضية الفلسطينية وتمتين الموقف العربي رسميًا وشعبيًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي.. ما علاقة صفقات السلاح الأمريكية؟

اتفاق الإمارات وإسرائيل: في معنى الإعلان عن المعلن