الإسكندرية.. وجوه مدينة الربّ

الإسكندرية.. وجوه مدينة الربّ

جانب من الإسكندرية (Getty)

إن كنتَ تزور الإسكندرية للمرة الأولى فحتمًا سيقع غرامها في قلبك، هنا كل شيء ساحر، تبدأ القصة من رائحة يود البحر الذي يزكم الأنوف ويوقع القلوب في غرام المدينة العتيقة من الوهلة الأولى.

تبدو الإسكندرية اليوم مرهقة الملامح عجوزًا رسم الزمن تجاعيده على وجهها الأنور الذي ما زال يحتفظ بمسحة من جمال

تأخذك شوارع الإسكندرية في رحلة عبر الزمن لا تخلو من حبكة درامية تجد فيها ما يُضحك وما يُبكي.

رحلة في أرجاء المدينة

المدينة الكوزموبوليتانية ضمت مختلف الأديان دون قتال أو تصارع، حتى منتصف القرن الماضي كانت المدينة العجوز التي أسّسها الإسكندر الأكبر فتاة جميلة الملامح تهزم الزمن ولا يهزمها، بل تجعل من عبق التاريخ كحلا تتزين به فتسر الناظرين.

اقرأ/ي أيضًا: الإسكندرية "مدينة الرب".. في سوق نخاسة رأس المال

تبدو الإسكندرية اليوم مرهقة الملامح عجوزًا رسم الزمن تجاعيده على وجهها الأنور الذي ما زال يحتفظ بمسحة من جمال، سنفتش عنها محاولين استطلاع أبرز ما يميز إسكندرية القرن الواحد والعشرين.

بين المقاهي والمطاعم.. رحلة لا تنتهي

تشتهر الإسكندرية بالعديد من المقاهي مثل البورصة التجارية وفاروق والكريستال، في البورصة التجارية وهو المقهى الوحيد الذي ما زال يحتفظ بمكانه علي البحر مباشرة جلسنا نشرب القهوة، كان المقهى مزدحما للغاية على اتساع مساحته وذلك لشهرته الواسعة، إن كنت - مثلي- ممن يبحثون عن جودة القهوة فعليك بصانعها الشهير بمحطة الرمل "البن البرازيلي"، أما إن كنت باحثًا عن الهدوء فلا تزر أيًّا من مقاهي الإسكندرية المعروفة إلا في ساعات الليل الأخيرة، بين اختلاف الليل والنهار يصل سحر المدينة مداه.

أما عن المطاعم، فالمدينة الساحلية تشتهر بالأسماك والمأكولات الشعبية مثل الكبدة، أيا كان نوع السمك الذي تفضله فإنك ستجده بمذاق مختلف، من بين مطاعم كثيرة تملأ الإسكندرية إلا أن "شعبان" و"حودة جندل" يحوزان نصيب الأسد من الشهرة، يشتهر الأول بأن تطلب ما تشاء من الأسماك ثم تطلب إعدادها على الطريقة التي تحبّ، أما الثاني فيشتهر بالوجبات التي ستعجبك إن كنت تحبذ الجمع بين أنواع الأسماك علي مأدبة واحدة، كذلك توجد أسواق السمك والتي تكون الاختيار الأمثل حينما تريد الابتعاد عن زحمة المطاعم وربما أسعارها الغالية، أما عن الكبدة التي ارتبط اسمها بالإسكندرية فإن كنت ممن يفضلونها فغالبا ستُعجب بكبدة "الفلاح"

الوجه اليوناني للإسكندرية

في رحلة عبر الزمن ومن قلب المدينة الساحرة محطة الرمل والمنشية، وسط المدينة، تنتشر الأبنية القديمة على الطراز اليوناني والإيطالي، هنا تحديدًا في صباح الشتاء ستنتقل إلي زمان قديم مفعم بالأصالة لا يضاهيه في الجمال إلا ما سبقه من عصور، تتميز هذه الشوارع بالطابع الأوروبي الذي ما زال محتفظا ببعض رونقه إلى اليوم، ليس فقط في الأبنية ولكن كذلك في المحال التجارية التي ما زالت تحتفظ بجمالها القديم، أشهرها "ديليس" و"تريانون" اللذان ما يزالان يقدمان الحلوى والقهوة علي طريقتها فخمة الطابع.

عاش كثير من عظماء الإسكندرية بين جنبات هذه الشوارع، في مقدمتهم يأتي كفافيس، شاعر الإسكندرية الشهير، الذي تحول منزله إلى متحف يحوي العديد من المقتنيات الثمينة.

للمدينة وجه آخر

بعيدًا عن سحر الإسكندرية الأبدي، فإنها عانت أشد المعاناة ممن أرادوا تجريف الماضي العريق ليستبدلوه بواقع ممتلئ بالأبنية الخرسانية والواجهات الزجاجية، في السنوات الأخيرة تعرضت الكثير من أبنية المدينة التاريخية للهدم ليحل محلها أبراج سكنية، لم يهتم المسؤولون لذلك بل شاركوا فيه، صرخت الإسكندرية في وجه القبح فلم تجد من يسمعها، حتى إن أجزاء لا بأس بها من بحر المدينة تم عزلها عن المارة لتصبح شواطئ خاصة للطبقة الراقية وكأنهم يمتلكون البحر.

عانت الإسكندرية أشد المعاناة ممن أرادوا تجريف الماضي العريق ليستبدلوه بواقع ممتلئ بالأبنية الخرسانية والواجهات الزجاجية

اقرأ/ي أيضًا: مذبحة المباني الأثرية في الإسكندرية.. مقاولون يُجرّفون وشباب يرصدون ويوثقون

كذلك يوجد في الإسكندرية العديد من المناطق العشوائية بأحياء الدخيلة والقباري والمكس وغيرها ممن لا تذكره الدعاية التي تروج بها الدولة للإسكندرية، تلك المناطق بها ما لا يصلح للمعيشة الآدمية من انعدام لوجود المرافق من الماء والكهرباء وقمامة تكتنز بها الشوارع وغيرها من مظاهر الإهمال والفساد التي لم ولن تسمح الدولة بوصولها للمناطق الراقية وللأبنية التي تظهر في إعلاناتها مثل مكتبة الإسكندرية وكوبري ستانلي، أما عن ترعة المحمودية والتي كانت مصدر المدينة للماء العذب والصيد النهري فقد تحولت إلى مصرف ضحل لإلقاء القمامة.

شط إسكندرية.. يا شط الهوى

كتب عنه كفافيس، وتغنت به فيروز، وألهم نجيب محفوظ، ولكن الحقيقة أكثر سحرًا وإلهامًا، لنرجع للوراء قليلًا، تحديدًا أول مرة زرت فيها الإسكندرية، أذكرها جيدًا كان ذلك من عشر سنوات تقريبًا، أذكر جيدًا ذلك الشارع الطويل الذي رأيت منه البحر للمرة الأولي، كان الهواء شديدًا وكانت رائحة اليود جميلة كجمال الرب، حين وصلت للبحر أحسست أن العالم قد توقف من حولي، هنا فوق موج البحر سترى وجه حبيبتك مرتسمًا كرقصة في الظل، ستتمنى لو أنها إلى جانبك الآن لتقول لها سرًّا ما لم تستطع قوله، فيوصله البحر قلبها دون مرسال، هي المدينة الساحرة.

اقرأ/ي أيضًا:

الإسكندرية.. استراحة المحارب والعاشق

قبل خراب الإسكندرية