الأمير الصغير في سوريا.. لوحة ورواية

الأمير الصغير في سوريا.. لوحة ورواية

من سلسلة الأمير الصغير لـ غزوان عساف

تعتبر الرواية الفرنسية الشهيرة "الأمير الصغير"، للكاتب أنطوان دو سانت إكزوبيري، واحدة من الروايات التي لا تموت حكايتها، رواية فلسفية مكتوبة بلغةٍ بسيطة وبتعابيرٍ تمجد الدهشة والبراءة والسؤال، أمام البديهيات والمعرفة المحتومة.

"الأمير الصغير" رواية فلسفية مكتوبة بلغةٍ بسيطة وبتعابيرٍ تمجد الدهشة والبراءة والسؤال

الأمير الصغير رواية الصغار التي يستمتع الكبار بقراءتها، لا بل هي واحدة من الروايات التي أعاد قراءتها الصغار عندما صاروا كبارًا. يتوقف كثيرون عند الإهداء الذي يشكل عتبة للدخول إلى عالم الرواية، فقد كتب إكزوبيري بأنه يهدي هذه الرواية المخصصة للصغار لشخص من الكبار، يستطيع فهم كل شيء بما في ذلك كتب الأطفال. هذا الإهداء يحيلنا إلى البراءة التي يتمتع بها الطفل والتي تدفعه للاستغراب على الدوام أمام ما صار بديهيًا في عالم الكبار، غير أنّ هذا الكبير الذي يفهم قصص الأطفال، وكما أشار الكاتب في الإهداء، كان موجودًا في فرنسا أيام الحرب العالمية الثانية، الفترة ذاتها التي كتب فيها الكاتب روايته هذه عام 1943، وقتها كان هذا الشخص الراشد يعاني من الجوع والبرد.

اقرأ/ي أيضًا: "مشاءة" سمر يزبك

الأمير الصغير هو طفل لديه جعبة من الأسئلة، يكتشف من خلالها العالم المكون من خمسة كواكب، ينتقل بينها ليجد في كل رحلة أو زيارة إلى كوكب جديد شخصية أو حيوانًا يعبر عن حالة تحمل أبعاد فلسفية وجودية، أقرب لأن تكون صورة عن مظاهر إنسانية يكتشفها عقل طفل صغير.


رواية سمر يزبك

لم تقتصر قراءة هذه الرواية على كتاب إكزوبيري فقط، بل صارت ملاذًا أدبيًّا للكثير من الكتّاب والفنّانين السوريين الذي عبّروا عن قسوة الحرب في أعمالهم من خلال استحضار شخصية الأمير الصغير، وإعادة تكوين رحلته الاستكشافية المعرفيّة بين الكواكب، فقد استلهم البعض هذه الشخصية بالتحديد دونًا عن كل الحكايات الشعبيّة والمرويّات المتناقلة، لمّا فيها من أبعاد فلسفية مكثفة في رحلته ذاتها، والتي مكّنت الأمير من التعرف على ما يجهل، وأداته السؤال فقط، ومن جهة أخرى، لما لهذه الحكاية من شعبيّة، فهي مثال مكرّس ومعروف في أدب الأطفال، ولسببٍ آخر يتعلّق ببساطة الطرح والموضوع الذي تقوم عليه الحكاية، والطريقة التي يتعرف من خلالها الأمير الصغير على العالم، فهي تقدم صورة مثاليّة عن عقل طفل صغير يتساءل عمّا يحدث في محيطه، كما أن فيها من المرونة الكثير، ما جعلها قابلة لتكون حكاية طفل سوري شاهد على الدمار الذي ضرب بلده.

نحن أمام مثالين من الأعمال السوريّة التي استحضرت شخصية الأمير الصغير وأدخلته إلى الحكاية السوريّة ووضعته في سياق معاصر لما يجري في سوريا. الاستخدام الأول أدبيّ، وهو رواية الكاتبة السورية سمر يزبك "المشاءة" (2017) والثاني فنيّ ثلاثة لوحات للرسام السوري غزوان عساف بعنوان "الأمير الصغير في سوريا" (2018).

استلهم النموذجان شخصية الأمير الصغير وحكايته للتعبير من خلالها عن الحالات التي يصعب فيها الشرح والقول، ومحاولة فهم ما لا يمكن حتى للكبار فهمه، فتبدو الاستعانة الأدبية بموضوع من عالم الأطفال، هو محاولة للتغلب على الواقع عبر إعادة تعريفه من خلال امتلاك الدهشة والقدرة على السؤال، واعتماد الخيال في تبسيط الحكايات لإعادة إنتاجها مرة أخرى.

كيف ساهمت شخصية الأمير الصغير في حكاية "المشّاءة"؟

تستعين رواية "المشاءة" بشخصية الأمير الصغير عبر بطلة الرواية وراوية أحداثها، فتاة بتكوين جسمانيّ غريب، رأسها بين قدميها ولا تتوقف عن المشي، لذلك تُربط بحبلٍ مع معصم أمها، لا تعرف القراءة إلاّ أنها تحب رواية الأمير الصغير وحكاية أليس في بلاد العجائب، تعبر عن رؤيتها للعالم عن طريق الرسم والألوان. خلال تواجدها في مدينة دوما والمتزامن مع حصار المدينة، يتم قصف المكان بالكيماوي. تعبر الفتاة عن كل ما تراه وما يحيط بها من عوالم غريبة عن طريق رسم كواكب الأمير الصغير، في إشارة إلى رغبتها بالخروج والذهاب والمشي، الأمر الذي لا تقدر عليه، بالإضافة لنقل إحساس الضيق والرعب الذي تشعر به إثر كل ما يجري حولها.  

تستعين رواية "المشاءة" لسمر يزبك بشخصية الأمير الصغير عبر بطلة الرواية وراوية أحداثها

في استحضار تلك الشخصية علامة على اغتراب الطفلة الكليّ عن المكان الموجودة فيه، ليس فقط بمعنى جغرافيّ، إذا كانت قد وصلت إلى دوما بعد ضياعها، إلاّ أن حالة الاغتراب التي تمثلها الشخصية في علاقتها مع شخصية أدبية أخرى، تتعلق بالوضع المأساوي الذي يعيش فيه طفل في مكان كسوريا، فحالتها لا تقل عن اغتراب الأمير الصغير في نزوله إلى كوكب الملك أو عندما شاهد الثعلب.

اقرأ/ي أيضًا: مها حسن: "بلغني أيتها الحرب السعيدة"

لا تعبر حالة الفتاة فقط عن عدم الفهم التي تصيب الأطفال جراء ما يمرون به خلال الحرب، فقد اختارت الكاتبة أن تحمّل الحكاية السوريّة لطفلة تمتلك براءةً مطلقة، وقدرة على طرح الأسئلة ودهشة التعرّف الأول، ترى العالم كما يراه الأمير الصغير، دون أحكام مسبقة وبأدوات لغوية بسيطة، مستندةً على الحكايات الخياليّة والألوان والرسومات في محاول فهم ما يجري.


الأمير الصغير لـ غزوان عساف

مثلما نرى العالم في رواية الأمير الصغير من خلال تساؤلات طفل، نرى العالم من خلال عيون الطفلة في رواية المشاءة الذي يقتصر واقعيًّا على بعض الأماكن من ريف دمشق المحاصر، وخياليًّا على امتدادات شاسعة تتسع لها كواكب الأمير الصغير. ومن خلال ملاحظات بطلة الرواية، التي جعلتها الكاتبة متأثرة كل التأثير بالطريقة التي بنى من خلالها إكزوبيري عوالم روايته، توثّق الكاتبة عبر الخيال لعوالم حصار المدن السوريّة التي نقلتها لنا من تجربة طفلة استثنائية، مثلما وثّق إكزوبيري مستعينًا بالتجريد والأسلبة في روايته لكتابة انطباعات طفل عن عالم الحرب العالمية الثانية.

ماذا يفعل الأمير الصغير في سوريا؟

بكل ما يملكه خيال طفل صغير من أدوات، قدم الرسام السوري غزوان عساف ثلاثة لوحات، رسمًا وحفرًا، صوّر فيها شخصية الأمير الصغير،الذي يعتبر جزئية منفصلة وغريبة عن المشهد جالسًا على أنقاض بيوت مدمرة، ينظر إلى ما حوله بدهشةٍ كبيرة وخوف. تصل إلينا شخصية الأمير الصغير في اللوحة الأولى، عبر الانطباع الأول المرسوم على وجهه، في هذا التفصيل مدخل لقراءة اللوحة، مندهش وخائف وكأنه نزل الآن إلى كوكب الأرض، قبل أن ينهي رحلته بين الكواكب، لتقع عيناه على عوالم الحرب. اللوحة بالأبيض والأسود، تعكس حالة شخصية الأمير الصغير، فيما لو زار سوريا، وتلخص كل ما رأيناه على وجوه أطفال سوريا الخائفين، ممن عاشوا تجارب أليمة حفرت على ملامحهم رعبٌ دائم.


الأمير الصغير لـ غزوان عساف

في اللوحة الثانية، يقف الأمير الصغير مستعدًا بعد أن ظهرت الشمس أمامه، ملامحه أكثر ثباتًا وكأنه فهم شيئًا ما. تفاصيل اللوحة ثابتة، وكأن الفنان يثبت المشهد المدمر للدلالة على ديمومته واستمراره. أمّا في اللوحة الثالثة والأخيرة من حكاية الأمير الصغير في سوريا، يستعين الفنان باللوحة الأولى من لوحات كاتب الحكاية أنطوان دو سانت إكزوبيري المرفقة مع الكتاب، وهي اللوحة الافتتاحية في الحكاية وقد كتبت جملة تحتها تقول "أظن أنه استفاد من هجرة الطيور البريّة لكي يفرّ". وهذا ما فعله الأمير الصغير في تصور غزوان عساف له بعد أن رأى ما رآه في سوريا، قرر أن يطير مستغلًا الطيور البريّة التي تحمله إلى مكان آخر. قد تبدو هذه الرؤية حمالة أوجه عديدة، وفيها إشارات لحالة أطفال سوريا، فربما يكونوا قد قرروا الفرار غير الاختياري من المكان عبر الموت، أو قد يكونوا قرروا الفرار الاختياري من المكان عبر الهجرة. تختصر الحالتان صورة من صور عذاب الإنسان السوري بعد أن شهد على دمار أرضه.

بكل ما يملكه خيال طفل صغير من أدوات، قدم الرسام السوري غزوان عساف ثلاثة لوحات صوّر فيها شخصية الأمير الصغير

اقرأ/ي أيضًا: 3 مجموعات قصصية سورية

قد يبدو التركيز على شخصية الأمير الصغير في العملين، الأدبيّ والفنيّ، مبرّرًا من جانب خصوبة الخيال التي تمنحها تلك الحكاية وسهولة تأويلها ووضعها في سياقات تاريخية مختلفة، نظرًا لارتباطها بعالم الطفل بشكلٍ أساسيّ، وبالتالي ارتباطها بالحالة الخام لعقل الكائن، التي تستطيع أن تستغرب وتتساءل. ويمكن اعتبار أن الخلفية التاريخية التي كتبت على أساسها حكاية الأمير الصغير، الحرب العالمية الثانية، تتقاطع مع الخلفية التاريخية التي أعاد فيها كلٌ من الكاتبة والرسام خلق الشخصية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إياد شاهين الذي صفعنا ومات

الشعر روح الرفض في زمن الاستبداد