الأمل بين فيلم Love Rosie وفيلم 500 Days of Summer

الأمل بين فيلم Love Rosie وفيلم 500 Days of Summer

لقطة من فيلم 500 days of summer

"الأمل شيء خطير، قد يقود الإنسان نحو الجنون" جملة حوارية خالدة في تاريخ السينما نطق بها الممثل "مورجان فريمان" في فيلم "الخلاص من شاوشانك"، إن الأمل أشبه بإعلان تجاري لمطعم عالمي به أشهى المأكولات التي صُوّرت طازجة وطُبعت على ورق الجرائد ليتطلع بها طفل يتضور جوعًا في الصومال.

الأمل هكذا، قد تراه أمامك ولا تلمسه قط، ككلب ينبش عن رائحة لا يعلم مصدرها، كعصفور تائه فوق المحيط يبحث عن غصن ليستريح، وكرحال في البراري نفدت مياهه فركض لهثًا خلف السراب إلى أن سقط صريعًا، هذا ما يفعله الأمل بنا، يجعلنا نكمل الطريق أملًا في نيل المستحيل.

"قبل أن تستسلم، فكّر، لماذا صمدت كل هذه المدة ودفعت هذا الثمن" دائمًا ما كنت أتذكر هذه المقولة عندما أكف عن المحاولة وأعلن نهايتي، ودائمًا ما كانت تعطيني دافعًا جديدًا للاستمرار، للتعب، للجهد، للكد، للمكابدة، للعمل، للعرق، للكفاح، للمثابرة، للسعي نحو ما أريد تحقيقه، حتى استيقظ على فشل جديد وجهد ضائع وأمل زائف ومحاولات في مهب الريح.

في فيلم Love, Rosie نرى خليطًا من المشاعر غير المفهومة، ومحاولات عديدة على مر سنوات من البطل أو البطلة في لم الشمل بينهما

فها أنا أرفض الاستسلام وأكمل الصمود وأدفع الثمن غاليًا، ثم أدفعه مرة أخرى نتيجة إصراري على استكمال الطريق الذي لا أرى نهايته، وقتها علمت أن الأمل ليس شيئًا جيدًا، وأن التوقف مطلوب في كثير من الأحيان، وأن الرجوع عن الطريق واجب، وأن الاستسلام ليس جبنًا، وتغيير الخطط ليس عيبًا.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "تخّرج".. أحد ألوان الحياة الباهتة

ولكن ترك الأمل خلف الظهور ليس بالأمر الهين، فما أصعب تأنيب الضمير، وما أسوأ الشعور بالفشل، ثم يتبع هذه المشاعر المختلطة شعورًا كامنًا بالندم على ما سُلب من العمر في سبيل محاولات فاشلة، أو الندم على ضياع احتمالية تحقيق الهدف إن كنت أنوي الاستمرار وإكمال الطريق، ولكن الخوف من الفشل مجددًا وإهدار المزيد من العمل، الخوف من عدم وجود مقابل للجهد المبذول، هذا الهاجس الذي لا يتنحى عن الطريق، هاجس إهدار الوقت أو إهدار الفرص!

لنجعل الأمر أكثر وضوحًا لنتفحص المثال التالي، هناك فيلمان متلامسان جدًا مع ثنائية الأمل\الندم، إلا أن أحدهما يدعو لإكمال الطريق حتى النهاية، والآخر يدعو لاختصار الطريق وفهم الإشارات غير المباشرة، وتوفير الجهد والطاقة، الفيلم الأول الذي أقصده هو 500 days of summer (2009).

وفي هذا الفيلم نرى البطل الذي يتشبث بالأمل ويسعى نحو كسب رضا حبيبته بكل الطرق المتاحة، بالرغم من أن كل الإشارات تشير إلى نهاية الطريق، إلى أن جاءت لحظة الفراق المتبوعة بمشاعر الندم على إهدار الوقت في محاولات فاشلة، والأمل في نهاية سعيدة، وفي الحصول عما سعى له، ناهيك عن قلبه المفطور، ونفسيته المحطمة على صخرة الأمل، أما الفيلم الآخر فهو Love, Rosie (2014).

وفي هذا الفيلم نرى خليطًا من المشاعر الإنسانية غير المفهومة، ومحاولات عديدة على مر سنوات من البطل أو البطلة في لم الشمل بينهما وإكمال حياتهما سويًا كحبيبين والبوح بما يشعران وبما يحملان من مشاعر تجاه كل منهما الآخر، وعلى الرغم من زواج البطلة من شخص آخر وكذلك البطل، إلا أن الأمل يظل يطاردهما ويحاولان على استحياء البوح لبعضهما، إلى أن ينجحا في ذلك بعد مرور 12 سنة، ليختتم الفيلم أحداثه بالجملة الشهيرة "متأخرًا أفضل من ألا تأتي أبدًا".

الفيلمان يحملان خليطًا من متلازمة الأمل والندم، ففي القصة الأولى سعى البطل وراء أمل كاذب لم ينل من ورائه غير جرح مشاعره، وإهدار الوقت والمجهود في شيء لن يحصل عليه أبدًا، فكان الندم رفيقه على ما أهدره من محاولات، ولكن لو كان توقف منذ اللحظة الأولى وكف عن المحاولة، هل كان سيتركه الندم لحاله، أو سيؤنبه ضميره على عدم تشبثه بحلمه؟!

اقرأ/ي أيضًا: فيلم Arrival.. خيال بإيقاع واقعي

كذلك في القصة الثانية، على الرغم من النهاية السعيدة التي جمعت الأحبة ببعضهم إلا أن المشاعر لم تخلُ أيضًا من الندم على السنوات التي أهدرت في عدم البوح والمصارحة، فكان الأمل في هذه الحالة هو المحقق للحلم الذي سعيا له لمدة 12 عامًا، ورغم ذلك لم يخلُ الأمر من الندم، ولكن ماذا إن كان أحدهما أرهقه الطريق وقرر التوقف عما يسعى له، سيكون الندم أيضًا في انتظاره على ما أهدره من فرص، وعلى قتل أي احتمالية مستقبلية في الوصول إلى الحلم.

حقيقة، لا أدري، أنا مشتت جدًا وكل ما أعرفه، أن الأمل شيء خطير، خطير بحق، قد يضيّع عمر الإنسان هباءً، وقد يدفعه إلى الجنون

كيف للأمر أن يصبح بهذا التعقيد؟ ما هذه الدائرة المفرغة التي سقطنا بها؟ فزنا أم فشلنا، فالأمر سيّان، سيطاردنا الندم، وما الندم إلا من فعل الأمل الذي زرعناه بأنفسنا في لحظات الغفلة، هل نكمل الطريق حتى النهاية وقد نفشل ونخسر حياتنا ونندم على ما فاتنا؟ أو نتوقف الآن ونغير اتجاه الدفة، ونندم على ما كان من الممكن تحقيقه؟!

حقيقة، لا أدري، أنا مشتت جدًا وكل ما أعرفه، أن الأمل شيء خطير، خطير بحق، قد يضيّع عمر الإنسان هباءً، وقد يدفعه إلى الجنون، فاجتنبوه.

اقرأ/ي أيضًا:
فيلم "غرباء تماما". الصندوق الأسود لحياتنا الجنسية
6 أفلام اختارها النقاد ورشحت لجولدن جلوب هذا العام