الألوانُ ومسائلها

الألوانُ ومسائلها

مقطع من غلاف الكتاب

حياتنا ملأى بالألون. نعيش في عالم من ألوان كل منها له دلالته النفسانية والاجتماعية لكننا قلما نعرف الكثير عن ذلك. في كتاب "عن اللون" يحاول المؤلفان ديفيد سكوت كاستان وستيفن فارشي تقديم استكشافات أصيلة لواحد من أكثر الجوانب التصاقًا بحياتنا اليومية. هذا المقال المترجم مراجعة شاملة للكتاب.


تُمثل الكتابة، في جوهرها، شكلًا من أشكال الرسم، يتم خلالها رسم خطوط سوداء قصيرة ومتقطّعة على صفحة بيضاء. وبالنسبة للقارئ، عِندما تكونُ الصفحة غيرَ قابلة للقراءة (غير مفهومة)، فإنها تعجز عن تمثيل العالم من خلال الكلمات، وتظلّ مجرّد زخارف من الخطوط السوداء على صفحة بيضاء. قد يكون هذا الانفصال بين الطريقة التي تبدو عليها الصفحة وبين ما تعنيه، أحد الأسباب التي دفعت العديد من الكُتّاب إلى تناوُل موضوع اللون ـــ كيف يَعمَل اللون، وما هو اللون، وما يرمز إليه هذا اللون، وكيف يُمكِن للمرء أن يُعبر عن اللون بالكتابة.

وِفقًا لغوته، فإن لون الظلِّ الذي يُلقيه قلمٌ موضوع بين شمعة صغيرة وورقة بيضاء عند الغروب هو اللون الأزرق

وِفقًا للأديب الألماني غوته، على سبيل المثال، فإن لون الظلِّ الذي يُلقيه قلمٌ موضوع بين شمعة صغيرة وورقة بيضاء عند الغروب هو اللون الأزرق. وكانت الروائية الفرنسية كوليت تكتب على ورقٍ أزرق؛ بينما رأى الروائي الأمريكي ويليام غاس اللغة نفسها باللون الأزرق. قد تكون الكِتابةُ ذات ألوان أخرى أيضًا ـــ نثرٌ أُرجواني (تعبيرٌ يُطلق على النثر المُمعِن في التعقيد بطريقة لا لزوم لها)، صِحافةٌ صفراء، لغوياتٌ خُزامية (مصطلح يُطلق على مجموعة واسعة من الممارسات اللغوية اليومية في مجتمعات المثليين والمثليات ومزدوجي الميول والمتحولين جنسيًا "LGBTQ"). وأبدى الروائي الأمريكي غيلبيرت سورينتينو اهتمامًا باللون "البرتقالي" - اللون الذي سميت تبعًا له فاكهة البرتقال، وليس العكس - نظرًا لأنه الكلمة التي ليس لها وزنٌ أو قافية (في اللغة الإنجليزية). وألَّفَ ديوانٍ كاملٍ من الشعر عن اللون البرتقالي (البُرتقاليات - The Orangery). واستخدم أحد أصدقائي الأعِزّاء من الجامعة "حاسة شمِّ رائحة البرتقال" للكتابة عن نوعٍ معيّنٍ من الاكتئاب ـــ ذلك الشعور بالغُربة من الأشياءِ حولك، وعدمُ القُدرةِ على التزامن والتوافُق. وكان البُرتقالي هو ما جَعَلنا نُدرك بطريقة ما سبب انتحاره في نهاية المطاف.

اقرأ/ي أيضًا: بول كلي.. أن تتكلّم بلغة الألوان

لا تَصِف الألوان الحالات الوجودية فحسب، بل تَصِف أيضًا شرائح كثيرة من الناس. استخدم الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي (مؤسس الحركة الفنية الألمانية المُسمّاة بـ’الفارس الأزرق‘) درجة معيّنة من اللون الأخضر لوصف البرجوازية بأنها "جامدة ومُتراخية ومحدودة في كل النواحي. يُعبر هذا اللون الأخضر (البرجوازية) عن بقرةً سمينة ممتلئة بالصِحّة، تستلقي بلا حراكٍ ولا تفعلُ شيئًا سوى مضغ العُشب بينما تُراقِبُ العالم حولها بعيونٍ غبيةٍ باهِتة". وحتى العصور توصَفُ بالألوان ـــ فقد وُصِفت حقبة أواخر القرن التاسع عشر بالذهبية، والبُنّية، والصفراء، والبنفسجية. وعلى هذا الأساس، فإننا نستخدمُ الألوان لوصف الكلمات والمشاعر والأحداث والوقت. كَتَبَ المؤرِّخ الفني جون غيج في كتابه "لونٌ ومعنى" (Color and Meaning) أن "الألوان دائمًا ما كانت سهلة الاستخدام في الترميز والوصف". بطريقة ما، فنحنُ جميعًا مُستشعِرون (حالة عقلية يربط الأشخاص فيها بين الحروف والأرقام وبين الألوان) ونُدرِك المفاهيم من خلال العدسات المُلّونة. ولذا فليس من المستغرب أن يُفتتن الكُتّاب، من غوته إلى غاس، ومن لودفيغ فيتغنشتاين إلى ماغي نيلسون، الذين تمتع جميعهم بالخبرة في ربط الألوان، وتبحروا في الأبيض والأسود، بمعاني الألوان والمشاهِد التي تصِفُها، والاستعارات التي ترسُمُها، والتجاربُ التي تستحضرُها، والمسائل الفلسفية التي تُثيرُها.

ينضم دافيد سكوت كاستان إلى هذا الرَكْبِ بكتابه الجديد (عن اللون - On Color)، وهو عِبارةٌ عن استكشاف مُعمّق ومُساق بشكل رائع عن اللون وكل سِجِلّاته الرمزية والبصرية والأدبية والسياسية والتاريخية والعلمية. يرى الفنان جوزيف ألبرت أنه "من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن نتذكر الألوان المختلفة. وهذا يؤكد على الحقيقة الهامة القائلة بأن الذاكرة البصرية ضعيفةٌ للغاية عند مقارنتها مع ذاكرتنا السمعية". تكمن هذه الصعوبة في الألوان وكل الأوصاف النمطية المُرافِقة لها ـــ لماذا نصف أننا نرى اللون الأحمر عندما نكون غاضبين، بينما نرى من منظور وردي عندما نكون سُعَداء؟ ولماذا نصَف الحسد باللون الأخضر؟ ولماذا نرى السماء زرقاء، والجبال بنفسجية، والبحر أسوَد، والرمال بيضاء؟ ـــ في صميم دراسة الباحث كاستان. وبالرغم من أن كاستان كتبه بدافع الحُبّ فقط، إلا أنه مثّل نقلة نوعية لكاستان، الباحث في الأدب المعاصر المبكر والذي ركزت أعماله السابقة على شكسبير وتاريخ الكتب.

يتّسم سرد كتاب "عن اللون"  بالحِوارية والشخصية والطرافة الذكية: "لا يبدو أن اللون الأخضر (Kelly Green)، مُرتبطٌ بأي شيء آخر بخِلاف إيرلندا. ربما كان هو اللون المتخيل لما يرتديه الريبليكان (كائنات أسطورية من الفلكلور الأيرلندي)". ومع ذلك، فإن حياة كاستان المهنية الطويلة في مجال الثقافة المادية (مصطلح يُشير إلى العلاقة بين الأعمال الفنية والعلاقات الاجتماعية) قد ساعدته بشكل واضح في بحثه الدقيق عن اللون ـــ وذلك باعتبار اللون حقيقة مادية ومشكلة نظرية على حدٍ سواء. يقول المُحاضِر الألماني هارالد كويبرز في كتابه "القانون الأساسي لنظرية اللون" (The Basic Law of Color Theory) أن "اللون يبدو أنه يتمتع بخاصيةٌ مادية، التي تتواجد في الحقيقة بشكل حصري على هيئة إدراكٍ حِسّي للناظِر لهذا اللون". ومن هذا المُنطلق، يضع كاستان مفهوم اللون في سياقه التاريخي ويُركّز تحديدًا على التمثيل المعرفي للون، وكيف وَصَل إلى أن "يكون" كذلك، ويُنَظِّمُ الكتاب على هيئة ألوان نيوتن السبعة (وهو رقمٌ عشوائي اختاره  العالِم نيوتن ليتماشى مع عدد أيام الخلق)، مع فصول موجزةٍ وأنيقة تعتليها عناوين مثل "الورود حمراء" و "البرتقالي هو البُنّي الجديد" و"المخاطر الصفراء"، وهكذا. وقد تضمّن أيضًا ثلاثة ألوان أخرى بجانب طيف نيوتن: الأسود والأبيض والرمادي (في محادثةٍ قصيرةٍ بيننا، سألتُه عن اللون الذي يرغب بإضافته إن استطاع، فاختار البُنّي، اقترحتُ عليه الوردي وفكرتُ بعدها في الفِضّي). في حين أن فصول الكتاب تُبنى على بعضها تِباعًا، ومليئةٌ بالمراجِع الأدبية والفنية والعِلمية والتاريخية المنسوجة بشكلٍ حاذِق، فإنه يُمكِن قراءتُها بطريقة غير مرتبة ويُمكن أن تُمثل بمرور الوقت دراساتٍ منفصلة.

يقول كاستان "لم يكن هُناك ما يُسمّى باللون البرتقالي، حتى دخل البُرتقال إلى أوروبا" مُتتبِّعًا استخدام اللون وصولًا إلى شكسبير

وبعد ذلك، يَشرَح كل فصلٍ الظاهِرة الأكبر للون من خلال الطُرق المختلفة التي تشكّل بها مفهوم كل لون، إن صحّ القول. فعلى سبيل المثال، يطرح فصل الكتاب المُسمّى "صِبغة اللون النيلي - Dy(e)ing For Indigo" تساؤلًا عما إذا كان اللونُ النيلي يُعتَبَر لونًا بالأساس ويُقدِّم شرحًا تاريخيًا مُفصّلًا لدوره المُحددّ كصِبغة.  بينما يشرح فصل "البرتقالي هو البُنّي الجديد" الطُرُق التي قد يُشير فيها مُصطلحُ لونٍ مُعيّن، كالأحمر مثلًا، إلى مجموعة كبيرة من الألوان المُختلِفة، إلى أن تُضافَ كلمةٌ جديدة إلى اللغة لتقوم بتمييزِ لونٍ بعينه. يقول كاستان "لم يكن هُناك ما يُسمّى باللون البرتقالي، حتى دخل البُرتقال إلى أوروبا" مُتتبِّعًا استخدام اللون وصولًا إلى شكسبير، عندما استخدم اللون لتمييز درجةٍ معينة من اللون البُنِّي (البُنّي البرتقالي - orange tawny). وأصبح البُرتقالي لونًا مُستقِلًا في اللغة الإنجليزية في القرن السابع عشر، وذلك بعد أن أتت التجارة الاستعمارية بالبرتقال إلى إنجلترا قادمةً من الهند؛ ويُظهِر كاستان أن كلمة (Orange) مُشتقّة من الكلمة السنسكريتية (Naranga).

اقرأ/ي أيضًا: غرنيكا.. اللوحة التي ألهمت العالم

لكن ما هي أهمية تاريخ هذه المواد والمُصطلحات اللغويات؟ يجيب كاستان عن هذا السؤال في فصل "مزيج الأخضر - Mixed Green". مُستكشِفًا الأهمية السياسية والثقافية للون الأخضر، يتتبّعُ كاستان كيف أصبح اللون الأخضر رمزًا للإشارة إلى "اهتماماتنا البيئية" في الولايات المتحدة بينما يرمز للكاثوليكية في أيرلندا والحقوق المدنية في إيران، المترابطة مع نبي الإسلام مُحمّد. يُمَكِّننا فهم هذه الاختلافات العالمية من التفَكُّر في أهمية اللون الأخضر محلِّيًا إلى جانب "استغلال" اللون سياسيًا. لكن بعد كل شيء، قد تكون طريقتنا لاستخدام الألوان غيرُ معتدلة. في فصل "المخاطر الصفراء"، يُحدّد كاستان ارتباط ألوانٍ معينة بأفكارٍ عِرقية، على "أنه مؤشرٌ غير دقيق إطلاقًا للهوية العِرقية" مُطالِعًا على أعمال الفنّانَيْن بايرون كيم وغلين ليغون. إذ لا يُمكن فصل وجود ألوانٍ محددة في المقام الأول، عن عدم المساواة بين الأعراق والعُنف؛ ويَصِف كاستان بالتفصيل كيف اعتمَدَت صناعة الصِبغة النيلية (Indigo) على عَمَالة العبيد -" لم يكن أي شخصٍ مُشاركٍ في إنتاج الصِبغة على جهلٍ بهذه الحقيقة" - ونادرًا ما يُصور الإجهاد والقهر الذي تعرضت له هذه الطبقة في الصُور المرتبطة بالمُمارسات الزراعية. يُصرّ كاستان على أن "اللون يهُمّ، وعلى الرغم من بعض تلميحات النُّكران من قِبَلِنا (كالقول عندما نصف شخص ’لا يهُمّني إن كانت خضراء (لا تتسم بالخبرة) أو بنفسجية (غريبة الأطوار)‘)، فإننا نُدرِك ذلك.

في فصل "الأكاذيب البيضاء"، يجمع كاستان العديد من هذه القضايا معًا، بدءًا من الاختلاف بين فهم الضوء الأبيض باعتباره مزيجًا من جميع الألوان، وبين اعتبار الأصباغ البيضاء غيابًا لللون: "ماهو الأبيض إذًا؟" يرى كاستان أن الأبيض يُعتبر لونًا، وذلك لأننا نراه، ولأننا نُضفي عليه المعاني الرمزية (تمامًا كاللّونِ الأسود)، وهو أحد أكثر الألوان احتواءً للتناقض؛ فهوَ لون النقاء والموت، والبراءة والقوة. ومن خلال الإشارة إلى الحوت الأبيض في رواية "موبي ديك" لمؤلّفها هيرمان ميلفيل، وطِلاء العلامة التجارية Optic White الأبيض في رواية الرجُل الخَفي لمؤلّفها رالف إليسون، ولوحات روبرت ليمان، والأصل اللغوي للّون الأبيض والآتي من كلمة "فراغ - Blank"، يُسلّط كاستان الضوء على الطبيعة المُلغَّزة للبَياض، وبالتالي استمرار مُيُوعته: "أدرك ميلفيل أنه يجب عليه أن يرفض ثنائية الأبيض والأسود التي تُثير التمييز العنصري في الرواية (في الرواية، وليس للرواية)".

عن اللون

ولَئن كان كاستان يتناول الجانب السياسي للألوان، إلا أن الكتاب ليس سياسيًا بحد ذاته. بالأحرى، فإن تنوع الاكتشافات في الكتاب يدعو القُرّاء إلى التأمل في الألوان لأبعد من حدود الكتاب نفسه، وللتفكير في كيفية استخدامنا للألوان كعلامات، ومتى ولماذا بدأنا القيام بذلك. وعلى سبيل المثال، فقد وجدتُ نفسي أعيد النظر في اعتبار البنفسجي (الموڤ) ولون الخُزامى والوردي ممثِّلة للثقافات النسوية والمتحررين جِنسيًا. ربما لأن قراءتي لهذا الكتاب تزامنت مع إصدار فيديو "PYNK" لجانيل موناي (Janelle Monáe)، والذي يَصوغ بوضوح العلاقات بين اللون والتحرر الجنسي والاختلافات التشريحة والرغبة. ساعدتني قراءة "عن اللون" أيضًا على التفكير خلال مشاعري حول هيمنة اللونين الأبيض والرمادي، لكونِهما "مُحايدَيْن" ناعِمَين وشاحِبَين، في الكثير من مجلّات تصميم المنازل وكُتيّبات الديكور المنزلي كنوعٍ من التمييز العُنصري الجَمَالي ـــ كعَدَاءٍ بلا ضابط تُجاه ما هو مُلوّن وتُجاه اللون ذاته (باستثناء بعض الأقمشة "الخاصة بإثنية معينة" والتي أُتِيَ بها مع مُلّاك المنازِل أثناء رحلاتهم "الغريبة" للدُوَل التي كانت مُستعمَرَةً في الماضي). يؤيد كاستان ذلك بقوله "إن اللون يحمِلُ معانٍ استثنائية في عالَمِنا المُعاصِر. إنه لا ينفصل عن التجربة الفردية والمعنى الثقافي".

إن كتاب "عن اللون" هو نتيجة تعاوُنٍ مع الفنّان ستيفن فارثينغ، والذي التقى به كاستان في أماغانْسِت بمدينة نيويورك. وبالصِدفة، فإن الكتاب أيضًا يُكَمِّل معرِضًا تابِعًا لألسويرث كيللي، والذي يقع بالقُرب من غيلد هول في إيست هامبتون؛ يشتهر كيللي باهتمامه بالعلاقات المُتبادَلة بين اللون والشكل - خاصّةً في لوحاته التجريدية ذاتُ الحَوَافّ الحادة، وهي مُحاولة مُكرّسَة للابتعاد عن الأعمال الإيمائية (التَمَوضُعية) لفنّانين مثل كاندينسكي. ألهمَت الألوان الزاهية المُفعمة بالأمل لصيف لونغ آيلاند (والتي تتألف من لوحات الفنّانين: لوري أندرسُن، وهيلين فرانكِنثالر، وجاين فريليشر، وكيلي، وإيلاين دي كونِنغ، وويليم دي كونِنغ، ولي كراسنر، وروي ليشتنشتاين، وجاكسون بولوك، وروبِرب راوشِنبيرغ، ولاري ريفرز، وجاين ويلسون، وروبِرت ويلسون، وآخرون غيرهم) ألهمت عقدًا من المحادثات بين كاستان وفارثينغ، والتي بَسَطَت الطريق أمام هذا الكتابِ مُتعددِ التخَصُّصات. وبالتالي، فهو كتابٌ عن المُحادثة والتعاوُن والتفاعُل. كان ألبرس مُهتمًا بما يُمكن أن نتعلّمه من "تفاعُل اللون" ومن "ما يحدُث بين الألوان"، ومن كيفية فهمنا للألوان فيما يتعلق بالعلاقات بين بعضها البعض.

الرمادي لا يزالُ لونَ الغُبار وخيبة الأمل؛ لكن عالم تقنية الألوان "فوق قوس قُزح" يحمِلُ وعدًا بأننا قد نعيش حياةً أخرى

أثناء قراءتي لكتاب "عن اللون"، كثيرًا ما كنتُ أُفكر في الفيلم الرائع الذي أخرجه مايكل باول وإميريك برِسبرغر عام 1946 بعنوان "مسألة حياةٍ أو موت" (A Matter of Life and Death) والمعروف أيضًا باسم (Stairway to Heaven)، والذي تدور أحداثه عن وقوع أحد الطيارين أثناء الحرب العالمية الثانية (بطولة ديفيد نيفين) في حُبِّ عاملة الراديو بينما تهوي طائرته، وقد نجا من الموت بالخطأ. ولِمُعالجة هذا الخطأ، يتمّ إرسال مَبعوثٍ (المُرشِد 71 - بطولة ماريوس غورينغ) من العالم الآخر (الذي يُشبه جنّة حَدَاثِية) لاسترداده. في الفيلم، يتم تصوير الأحداث التي تجري في العالم الآخر باللونين الأبيض والأسود، بينما استُخدِمت تقنية الألوان (Technicolor) في تصوير المشاهد على الأرض. لذلك، عِندما يَصِل (المُرشِد 71) إلى الأرض، يهتِف لنفسه قائلًا "نحنُ نفتقرُ إلى تقنية الألوان في الأعلى!" يدور الفيلم حول عالَميْنِ متقاطِعين، والطُرُق التي يمنح بها وجودَهُما المُقترنُ معنى جديدًا لكل منهما. بالنسبة لباول وبرِسبرغر، فإن أطياف اللون الرمادي في الحياة الآخرة (العالم الآخر) لا تتناسبُ مع المخاطِر الزاهية والحيوية للحُبِّ على الأرض، سواء في ظل الحرب أو غير ذلك. وفي نقاشه حول "ساحر أوز" (The Wizard of Oz)، يُوافِق كاستان على أن "الرمادي لا يزالُ لونَ الغُبار وخيبة الأمل؛ لكن عالم تقنية الألوان ’فوق قوس قُزح‘ يحمِلُ وعدًا بأننا قد نعيش حياةً أخرى، وقد نعيش في أماكنَ أُخرى، أماكنُ قد نُطلق عليها في يومٍ من الأيام اسم ’البيت/الوطن‘".

اقرأ/ي أيضًا: رامبرانت.. يوميات المرح والاضطهاد

وكما يُشير كاستان، فعلى الرغم من أن "بعض العلماء يؤكد أن هناك أكثر من 17 مليونَ لونٍ مميز"، إلا أنه في يومنا هذا، وفي بلدنا هذا، يبدو لنا طيف الألوان ضئيلًا للغاية. عندما أصبح لون البرتقال (juicy orange) يُشير إلى الكراهية البارِدة، وحين يبدو أن معظم الناس يتصرفون كما لو أنَّهم نوع جديد من اللوحات الصارِمة - يملكون تفانيًا أُحادي اللون ثُنائي الأبعاد؛ إما للأحمر أو للأزرق - إن كتاب "عن اللون" تذكيرٌ مُتفائل وجوهري يدور حول معاني الألوان ووظائفها التي تتغير باستمرار: في القصص المُكتشفة عما يحدث بين الألوان، وفي وعدٍ بعالمٍ فوق قوس قُزَح (دِلالة عن العوالم الخيالية)، مُتمسكًا بتأكيده الفريد الخاص لتقنية الألوان (تيكنيكولور).

 

اقرأ/ي أيضًا:

ديلاكروا.. حياة كالعاصفة

"أسوَد" يوسف عبدلكي.. الرسم لعبة شطرنج