استثمار إمكانات النثر في مجموعة

استثمار إمكانات النثر في مجموعة "حي السماوات السبع"

الشاعر حسام السراي (تصوير تحسين نعمة)

لا أرى أن تجربة الشاعر حسام السراي في نصه "حي السماوات السبع" (دار الرافدين 2017) تجربة مكانية تخضع لاختبار المكان من خلال معايشته وتحولاته، بل أرى إنها تجربة سفر، ذهاب وإياب. وهذا السفر على عدة مستويات، مستوى مكاني، ومستوى لغوي، ومستوى نفسي.

في المستوى المكاني تشكل التجربة انتقال بين مكانين لا يظن الواحد ان بينهما مشتركات كثيرة، لكن النص يسعى لخلق علائق من خلال تفريغ الذاكرة وربطها بسياق موضوعي يجعل المختلفَين في علاقة سبب ونتيجة.

في مجموعة "حي السماوات السبع" للشاعر حسام السراي، كل خطوة في نيويورك تستدعي جرحًا من بغداد

يتجاوز الشاعر المكان الأول من خلال الوقوف عند لحظة الوصول، واصفًا عملية الانتقال بشكل مقتضب قد يكون رد فعل على طول الرحلة من شحة الضوء إلى جنة الاضواء.

اقرأ/ي أيضًا: ديوان "أكزيما".. نزهة في منامات محمود عوّاد

وهذه الافتتاحية تصور تعب المسافر لأكثر من عشر ساعات، حبس مؤقت بين السماء والأرض:

"في ثلاث عشرة ساعة من التراخي والتقلب

بين الأرض والجو،

لا حدود للبصر كي يحصي

طول الرحلة من بريق مصباح مكسور

إلى أنوار مانهاتن".

يؤشر منذ لحظة الوصول الاولى تنوعًا يبدو كأنه تناقض دون تحديد الغلبة لأي طرف من أطراف هذا التناقض، معتبرًا أن هذا الأمر وعدٌ بدهشة ستكون لحظة تشكيل جديدة:

"قدماك في مطار أبيض

اسمه

‏John F. Kennedy

وأوراقك بيد شرطية جوازات من أفريقيا".

في المقطع الثاني، بعين الغريب التي تلتقط كل شيء لأول مرة يرصد مقدار من الارتفاع يتعب الروح التي لم تختبر من قبل مثل هذه الأعالي، وتتسع عين الغريب جراء الفضول الذي يكتشف الأشياء يفضل ألا ينشغل بهذه الحمولة البصرية التي قد ترهقه.

ويسجّل النص هنا أول محاولة استرجاع بنبرة مقارنة والتي ستطغى على أجواء النص عمومًا، وتشكل لحظة الاسترجاع هذه هزة نفسية تفرضها ذاكرة تحمل صور واحصائيات للموت لا تنتهي. تظهر الأنا من هنا بوصفها ذاكرة جمعية تحمل هما أكبر من حدود الأنا الواحدة.

عمل الذاكرة هنا عمل سلبي، يحيل الذكريات إلى كوابيس يقظة لا تفارق الشاعر حسام السراي حتى في أكثر المدن صخبًا. بل تعمل على تحقيق إحالة نفسية إلى حدث سابق من خلال إبراز أثره الذي تحفزه كل صورة في المدينة الجديدة، فشروق شمس مجد روبرت دينرو تزامن مع نشيد الحرب الذي بدأ مع ولادة الشاعر ولم ينتهي:

"الإيطالي الذي في الأعالي

شرفته فارغة إلا من مائدة المجد المستحيل

لا ينتظر بهاء الشمس،

فأطيافها حطت عند رأسه قبل أربعين عامًا

يوم لم تكن أنت حتى نطفة مؤجلة

يوم لم تحسب بعد نبضة تتحرك في الأحشاء

يوم لم تتعرف التمائم إلى صرختك

ونشيد (على خط النار یا ابن أمي)

يشوّشُ على بصمتها الأولى"

يأخذ جرح العمارة من نفس الشاعر حيزًا كبيرًا يتجاوز النسيان الانتقائي، ويتعاظم حضوره مع كل محاولة لدثره، لأن عملية الدثر أصلًا هي استحضار للمواجع. كل خطوة في نيويورك تستدعي جرحًا من بغداد، وهذي الأرجحة بين الألم وصورته فجّرت رثاء لعمارة اختفت وصارت ماضًا.

تجربة الكتابة عن مدينة نيويورك ليست الأولى في الشعرية العراقية، فسبق للشاعر أسعد الجبوري ان كتب قصيدته عن هذه المدينة "نيويورك ملجأ لأيتام الملائكة"، لكن البعد الاجتماعي بين التجربتين يختلف بالضرورة، لأن كل الخراب الحالي في بغداد لم يكن حين كتب الجبوري قصيدته، وهذا دلالة عن فرق التجربة الحياتية بين الأجيال. جيل بعد 2003 تشرّب الخراب يوميًا وصار الموت علامته:

"في بغداد

تسفّه عقم أيلول

وتسفه يأس ما قبل 2003 وما بعدها

ونجا صبرك

وهو ينزل مع ساقين بيضاوين

من على سلم يلتف حول نفسه

السلم فضفض: (یا طلاب الهندسة في جامعة بغداد

يا من سلمكم علوي للخضوع

إن وديعة من ودائع أنبياء أحياء،

تدرس العمارة

نقشت رجليها على متني

فإياكم أن تفترسوا آثارها)"

رغم أن النص هو قصيدة طويلة متضمنة ثيمة واحدة إلا أنه حافظ على التكثيف الذي جنبه الإسهاب والتكرار، وهو بالضبط ما أعلن عنه الشاعر في المقطع الثاني. تحقق ذلك من خلال المونتاج الشعري أو القطع الذي استخدمه نهاية مقطع من خلال لوحة تفصله عن المقطع التالي، وهذا حل هندسي ذكي يقي النص من ملل المقدمات.

استثمر الشاعر حسام السراي في "حي السماوات السبع" أسلوب الاستدراك، ليخلق بذلك حاشية شعرية تضيف إلى متن النص قيمة جمالية أكبر

استثمر النص أسلوب الاستدراك ليخلق بذلك حاشية شعرية تضيف إلى متن النص قيمة جمالية أكبر، دون أن تنزلق هذه الاستدراكات الخمسة إلى ما هو خارج الشعر. يشكل كل استدراك نصًا قائمًا بذاته، لكنه يرتبط دلاليًا مع المقاطع السابقة له ويحقق تكامل في المعنى.

اقرأ/ي أيضًا: السردية التعبيرية في مجموعة "عالم الغريب"

يحكم النصَّ عمومًا نظامان تركيبيان، يمكن ملاحظة ذلك من الجملة الافتتاحية لكل مقطع. فالمقاطع التي تبدأ بجملة اسمية، تتجه بعد تجاوز العتبة الأولى إلى خدمة تلك الجملة الاسمية من خلال بيانها أو تعريفها باستخدام جمل إنشائية من أجل الوصف، وكذلك تقنية التعداد التي تؤدي وظيفة تعريفية:

"في نيويورك 11 أيلول 2001:

طائرتان متقدتان بين السحب،

أعلى فأعلى تصاعد تحليقهما".

أما المقاطع التي تبدأ بجمل فعلية، وهي الأكثر، فتغلب على تركيبها الانزياحات اللغوية، مثل التقديم التأخير، المضاف اليه وكذلك النفي:

"من جبهتك إلى ذقنك،

امتدادات النظر

کامیرا صورها فورية

تختزن أضواء الصعود على جسر بروكلين"

*

"في الإمساك

بالمبنى،

تهب فيك

حرقة مخبولة"

*

"في بغداد

تسفّه عقم أيلول"

*

"لا حواجز،

تقمع هواياتك في الفراغ،

لا کونكريتًا مسلحًا،

يستبدلُ سرورك الطارئ باليُتم".

بهذه التقنيات استثمر النص تشغيل إمكانات النثر المعطلة وحقق بها الغاية الفنية، كما يرى الناقد عباس عبد جاسم أن مطولات قصيدة "زحزحت الكثافة بالتفاصيل، وذلك بتشغيل إمكانات النثر المعطّلة في اللغة والشكل والدلالة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

المحدّدات الشعرية في مجموعة "التحليل النفسي للوردة"

الشعر العربي: جنايات الحداثة