السردية التعبيرية في مجموعة

السردية التعبيرية في مجموعة "عالم الغريب"

الشاعر علي رياض

بعد مشوار طويل قطعه النقاد والمنظّرون في ماهية قصيدة النثر، أو قصيدة النثر العربية على وجه خاص، لا تزال المخرجات النهائية غير مؤثرة، لأن الماهية الدقيقة تبقى محصورة عند المتخصصين فقط، حتى أن الكثير من كتّاب هذه القصيدة يلتبس عليهم الأمر لأن نسبة كبيرة من النتاجات المنضوية تحت هذا المسمى تعكس قصور فهمٍ واضحًا، وهذا القصور لا يحد من المستوى الفني لهذه النتاجات، لكنه يؤشر حالة من سوء الفهم الجماعي الذي قد يعزى إلى عدة أمور لست بصدد مناقشتها.

إن نص الكتلة الواحدة، بوصفه رحبًا أكثر ومع تقليص بياض الصفحة، يمنح النص نبرة اعترافية يحتاجها

لاحظت أن بعض الكتب الشعرية تحمل في غلافها تصنيف "قصائد نثر"، وهذا قد يكون إصرارًا من كتّاب هذه الكتب إذا كان متن الكتاب يحوي فعليًا قصائد نثر نموذجية كما أطلق عليها عبد القادر الجنابي في كتابه "ديوان إلى الأبد"، أو قد يكون مجرد تصنيف يضعه الناشر كأي كلمات تلقى على عواهنها.

اقرأ/ي أيضًا: المحدّدات الشعرية في مجموعة "التحليل النفسي للوردة"

في مجموعة "عالم الغريب" (دار المعقدين 2016) للشاعر علي رياض، تصنيف يحمله غلاف الكتاب وهو شعر، وبهذه الطريقة يتجنب الشاعر أو الناشر إشكالية التصنيف في القراءة النقدية البعدية، رغم أن المتن يعي ماهية تصنيفه الدقيق من النص الأول حتى النص الأخير.

يتوافر متن المجموعة على موضوعة واحدة في جزئها الأول وهي الغريب وعوالمه، وفي هذا الأمر تحدٍ اختار الشاعر أن يخوضه، رغم أن التكرار وضجر القارئ أبرز ما يهدد هكذا أعمال إلا أن التقنيات التي كُتبت بها النصوص تجاوزت هذا الفخ متجهة نحو التنوع.

تنقسم المجموعة إلى جزئين، يحمل الجزء الأول عنوان "كتاب الغريب ونافذته على العالم"، اتسم هذا الجزء في أغلب نصوصه بالالتزام بالسردية التعبيرية والتي يعرّفها الدكتور أنور غني الموسوي على أنها "سرد ممانع للسرد" أو "السرد بقصد الإيحاء والرمز لا بقصد القص والحكي"، ويعدّها مقومًا أساسيًا لقصيدة النثر المعاصرة ذات الكتلة الواحدة (one block).

في نص "الغريب مرة أخرى"، تكون البداية خبرية في السطر الأول، ثم في المقطع الثاني يبدأ التحول إلى الإنشاء الذي يشكل الطابع الغالب على أجواء المجموعة مع مساحة حرة للعودة إلى الخبري مما يتيح راحة أكبر للتعبير:

"الطفلة اليابانية تغني بلغة بعيدة: "إن الغريب حي فلا تشتاق له".

أنت مستيقظ تصغي بلا حياة، تحدق في المرآة فترى قبرك، وتلمس وجهك فيتساقط من أديمه التراب. تكمل رقصتها السريعة وتضرب بخفة أوتار غيتارها.

أنا أشعر بالبرد، ألتحف قماشة بيضاء وأرقد.

في نهاية شارع المطار يافطة تودع الراحلين، لا توجد أخرى من الداخل تستقبلهم، هل تعلم هذا؟ الجنة المتقدة، تبصق أبناءها بلطف على الحياة".

إن نص الكتلة الواحدة، بوصفه رحبًا أكثر ومع تقليص بياض الصفحة، يمنح النص نبرة اعترافية يحتاجها، خصوصًا أن عنوان هذا الجزء من المجموعة يسعى لترسيخ فكرة أن تكون النصوص وثيقة عاطفية أو نفسية، تعبيرية بشكل عام لذلك يتمسك فيه طوال نصوص هذه المجموعة الا في بعض الأحيان التي تتحول فيها أسلوبية اللغة من الخبرية إلى الإنشائية كما في نص "أنت الغريب" من بدايته:

في الحديقة الفارغة لن تكون زهرة

أنت الغريب

وهذا الهواء الذي يبعثر شعرك،

صورة الرفض التي رسمتها الطبيعة.

وبعد ذلك تتضح غاية البدء بهذا الشكل لكون النص يحوي مونولوجًا ابتهاليًا:

"أيها الشبحي لا أحد يراك

أيها المدفون عمقا في علاك".

وكذلك في نص "عالم الغريب" الذي يغادر شكل الكتلة الواحدة إلى شكل السطور المتتالية وفراغات الصفحة مع الالتزام بالأسلوب الخبري، وبذلك تتوفر مساحة للوقوف والتأمل أكثر:

"يوم ولدت رأيت العالم أزرق

ومذاك لم يتغير لون العالم

لذا تبدو الأيام الغائمة أكثر حزنًا".

حين يتعرى العالم شتاء، تتكدس فوق جلود الناس ثيابه" ويستمر النص بهذا الشكل حتى نهايته.

الجزء الثاني من المجموعة يحمل عنوان "نافذة على عالم الغريب" وهو عنوان ارتداد عكسي على عنوان الجزء الأول، يحمل في معناه نية أن تكون نصوص هذا الجزء برؤيا عكسية لرؤية نصوص الجزء الأول. ويكون هذا الأمر واضحًا حين يتجاوز الشاعر ثيمة الغريب التي اكتسبتها كل نصوص الجزء الأول، يتعزز الأمر في نص "ذكرى أناي الميتة" التي تمثل إعلانًا غير مباشر لموت أنا كان يدور حولها كل شيء:

"أتحسس الورق النائم، وأبحث عن أناي بين رفوف أفكار قديمة".

لا ترتكز المجموعة بكليتها على صوت واحد بل تتعدد الأصوات دائمًا. يختفي صوت الشاعر أحيانًا ليظهر صوت الراوي العليم، أو أحيانًا يشتركان في النص نفسه، ولهذا الأمر أثر ربما سلبي حين يتعذر على القارئ إمساك الصوت المطلوب الذي تتحقق به الغاية الفنية كما يحصل في نهاية نص "الغريب مرة أخرى":

"كان باترك مرسو يمشي خلف جنازة أمّه في آخر الصف، أنا أمشي في آخر الصف كذلك. لكن الجنازة خلفك، أركض سريعًا، ولا تلتفت سوف يدفنونها قريبًا ولن تحتاج للركض بعدها، فنحن حفنات التراب التي ستراق فوقها".

لا ترتكز مجموعة "عالم الغريب" على صوت واحد بل تتعدد الأصوات دائمًا. يختفي صوت الشاعر أحيانًا ليظهر صوت الراوي العليم

لكن بشكل عام ينجح الشاعر في إحكام سيطرته على هذه التقنية، خصوصًا أنه في نص آخر وهو "حوار مع الغريب" يتخلص مما قد يسبب الإرباك حين يضع المونولوج الإنشائي بين علامات تنصيص، ثم يعود إلى مونولوج الراوي (الأنا) بدنها.

اقرأ/ي أيضًا: الشعر العربي: جنايات الحداثة

كل هذه التحولات بين التقنيات الأسلوبية التي تنفتح على تقنيات سردية واضحة، مثل الحوار والاستطراد وغيرها تأخذ النصوص إلى منطقة "النثر النموذجي" لكن يحددها الشعر بصورة تتجاوز أدوات التطبيق الكلاسيكية للمجاز، كما يذكر الناقد الدكتور أنور الموسوي أنه بالسردية التعبيرية صار وجه القصيدة أكثر نثرية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رياض الصالح الحسين.. اللغة كمعادل وحيد للحياة

محمد الماغوط.. شاعر الشفوية المضادة