أين ذهب سكان الأوروغواي الأصليون؟

أين ذهب سكان الأوروغواي الأصليون؟

لعبت قبائل تشاروا هذه الآلات للتحذير من خطر قادم (El Pais)

بعد نجاتهم من 300 عام من الاستعمار والمجازر المتعمدة في الأوروغواي، يطالب أعضاء قبيلة تشاروا الأصلية باعتراف السلطات بهم، في الدولة التي بُنيت على قبور أسلافهم، الأوروغواي. في هذا التقرير، المترجم عن موقع El PAIS، تفاصيل أكثر عن سكان الأوروغواي الأصليين.


ثمة مُعتقد سائد بشكل عام أن الأوروغواي مأهولة بسلالة المستوطنين حصرًا، والذين كانوا في أغلب الأمر إما إسبانًا أو إيطاليين، إلا أن الدراسات الوراثية الأخيرة نقضت هذه النظرية. فقد انضم في الوقت الراهن قرابة ألفي شخص من المنتمين إلى جماعة عرقية لطالما تم تجاهل هويتها، إلى حركة تطالب بحلول للإبادة الجماعية والتمييز العنصري الذي عرفته.

وفقًا للرواية الرسمية، فإن قبيلة تشاروا قد انقرضوا جميعًا عام 1831 لكن حركة تضم حوالي ألفين شخصًا ظهرت مؤخرًا مطالبة بالاعتراف بهم كسكان أصليين للأوروغواي

كان الحديث عن شعب التشاروا في الأوروغواي على الدوام حديثًا عن الماضي. وفقًا للرواية الرسمية للأحداث، فقد انقرضوا جميعًا عام 1831. إذ كان كل ما بقي من آثار عرق التشاروا، من ذي عظام الوجنة البارزة، بعض التعبيرات  مثل "جَلَد التشاروا" والذي هو تعبير يُستخدم في السياقات الرياضية للإشارة إلى الصلابة والمثابرة، وهي السمة الشخصية التي أدت بلا شك إلى دفع هذه المجموعة العرقية للانطلاق في عملية "التكوين العرقي".

تُعد عملية التكوين العرقي إعادة تشكيل ونشأة للجماعات العرقية المختلفة بسبب عوامل خارجية. وفي حالة شعب التشاروا، دفعتهم النشأة العنيفة لدولة الأوروغواي إلى إخفاء هويتهم، وانصهارهم في عامة السكان لتجنب التمييز العنصري. وعلى الرغم من ذلك، أسهمت التغيرات الاجتماعية والسياسية الأخيرة، إلى جانب الاعتراف الدولي، والدافع الغريزي للانتماء، في حث التشاروا على استعادة هويتهم وتراثهم.

اقرأ/ي أيضًا: التمييز العنصري في تونس.. السر المخجل؟

وفقًا لمونيكا ميشيلينا دياز، مستشارة شؤون السكان الأصليين في وحدة المجموعات العرقية بوزارة الشؤون الخارجية، فإن عملية اكتشاف الذات لدى شعب التشاروا بدأت عام 1985، بعد انتهاء الديكتاتورية العسكرية في الأوروغواي مباشرةً. فمن خلال الاستفادة من المناخ الأكثر حرية، تم إنتاج مسرحية تتحدث عن مجزرة سالسيبوديس الشنيعة، وهو ما أثار بدوره مطالبات الاعتراف بشعب التشاروا، في الماضي والحاضر على السواء.

تقول مونيكا، التي اكتشفت أصولها التي تنتمي إلى شعب التشاروا عندما كانت في التاسعة عشر من عمرها "كان إنتاج هذا العمل غاية في الأهمية بالنسبة لنا، لأنه أثار التساؤلات حول أصول دولة الأوروغواي". وفي إطار البحث عن أجوبة للتساؤلات التي أثارتها هذه المسرحية، أسست مجلس شعب التشاروا -CONACHA- عام 2005.

يعد مجلس شعب التشاروا CONACHA في الوقت الراهن منظمة جامعة، تضم تحت مظلتها عشر جماعات لشعب التشاروا في جميع أنحاء البلاد. أحد الأهداف الرئيسية للمنظمة، هو الحصول على اعتراف من دولة الأوروغواي بأن شعب التشاروا هم السكان الأصليون للأوروغواي، وتضم قائمة الأهداف الرئيسية كذلك تصديق الدولة على اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن الشعوب الأصلية والقبلية (رقم 169).

كما يشجع مجلس شعب التشاروا CONACHA أيضًا الناس على استعادة تراثهم الأصلي، كما تدعو إلى الاعتراف بأن مذبحة سالسيبوديس هي  جريمة إبادة جماعية. تقول مونيكا "لقد فقد أجدادنا أرواحهم في كمين مدبر من قبل الدولة".

خوان كارلوس (بوشو) من سلالة التشاروا (El Pais)

جدير بالذكر أن الأوروغواي وغيانا، هما الدولتان الوحيدتان في أمريكا اللاتينية اللتان لم توقعا على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 169. تقول مونيكا: "كنت في منحة تابعة للأمم المتحدة في بلباو عام 2015". وتضيف "علمت أن الرئيس موخيكا سيكون برفقة لويس ألماغرو، وزير الخارجية للأوروغواي، في مقر القنصلية، فقمت بجمع كافة الوثائق اللازمة معًا، وطالبتهما بالتصديق على المعاهدة".

سُلمت الوثائق للرجلين بشكل مثالي، كما عقدا اجتماعًا مع وزارة العمل والضمان الاجتماعي بمجرد عودتهما إلى أرض الوطن. إلا أن النتائج التي توصلوا إليها لم تكن مرضية على أقل تقدير. تقول مونيكا "قيل لنا أن نخفض سقف توقعاتنا، ونطالب فقط بالتصديق على بعض بنود الاتفاقية". ولكن الاتفاقية غير قابلة للتجزئة، وهو ما يجعل هذا الخيار مستحيلًا.

ومع تغيير الحكومة في ذلك العام، قام مجلس شعب التشاروا CONACHA بمحاولة أخرى. إلا أن راؤول سنديك، نائب الرئيس آنذاك، أخبرهم أن حكومته لن توقع على الاتفاقية.

صرح أحد مديري مجلس شعب التشاروا CONACHA في مقابلة أجراها مع محطة "راديو بيدال" الإذاعية بالأوروغواي، أنه كان هناك سببين لدى الحكومة لرفض التصديق على الاتفاقية الدولية. أحدهما "يرجع إلى تاريخ البلاد القائم على الإبادة الجماعية للتخلص نهائيًا من السكان الأصليين"، بينما السبب الثاني هو "الضغط الذي تمارسه الاتحادات التجارية القروية"، المرتبط باسترداد الأراضي.

أسس منتمون لقبيلة التشاروا "مجلس شعب تشاروا" وهي منظمة تدافع عن الاعتراف بهم وضد التمييز العنصري في حقهم

وفقًا للمعهد الوطني للإحصاء بالأوروغواي، لم تُجرَ أية دراسات استقصائية تتعلق بالعرقيات الأصلية في الأوروغواي حتى عام 1996. وفي ذلك الوقت، عرف 0.4% فقط من المشاركين أنفسهم بأنهم من السكان الأصليين للبلاد، وهي النسبة التي ازدادت عام 2006 لتبلغ 2.9%. أما في آخر الدراسات التي أجريت عام 2011، فعرَّف 5% من المشاركين أنفسهم بأنهم من السكان الأصليين. إلا أن هذه الأرقام في واقع الأمر لا تُقارن بالبيانات التي نتجت عن آخر الأبحاث التي أجرتها مونيكا سانس، أستاذة الأنثروبولوجيا الطبيعية بجامعة الجمهورية في الأوروغواي، والتي زعزعت أسس الهوية الجمعية للبلاد.

ركزت مونيكا سانس وفريق بحثها على تسلسل الحمض النووي للميتوكندريا. وبما أن الميتوكندريا توَّرَّث من الأم، فإنها تمثل أساسًا لتتبع النسب من خلال الخط الأنثوي. تقول سانس "إن النسبة المئوية الوطنية التي تنحدر من القبائل الأصلية من جانب الأم تبلغ 34% تقريبًا، أي ثلث سكان البلاد تقريبًا". وتضيف "وُجدت أعلى نسبة في المناطق الشمالية من البلاد، في إقليم تكوارمبو، وفي مناطق مثل بيلاي يونيون، حيث تصل النسبة إلى 64%".

تطرقت مونيكا سانس إلى توضيح أن مسألة الانتماء إلى أي مجموعة من السكان الأصليين لا تزال قيد البحث والدراسة. وتقول "في حالة منطقة بيلا يونيون، هناك تسلسل وراثي يصل إلى مجموعات عرقية من منطقة الأمازون، مثل الغوارانية، ومن بامبيدوس أيضًا -وهو الاسم الشامل للجماعات العرقية التي تتضمن التشاروا".

وبسؤالها عن توقعاتها لكيفية تأثير نتائج أبحاثها على الهوية الوطنية للبلاد، قالت مونيكا سانس إن الأوضاع تتغير، وتُطرح القضايا العرقية بالفعل حاليًا في الجامعات من قبل طلاب الأنثروبولوجيا. وتؤكد أن هذه القضايا "أيضًا يتم التعامل معها من قبل علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية، والجماعات التي تقوم على هذه الأمور على المستوى الوطني".

طرح مجلس شعب التشاروا CONACHA القضية أيضًا في التعليم، وذلك من خلال إنشاء مدرسة تشاروا المتنقلة للتبادل الثقافي. تتلقى المدرسة تمويلها من وزارة التنمية الاجتماعية، وقد نشطت المدرسة بالفعل في بعض المناطق في العاصمة مونتفيدو، وتستعد في الوقت الراهن للسفر إلى المناطق الداخلية من البلاد لتوسيع نطاق نشاطها.

تؤكد أستاذة أنثروبولوجيا في الأوروغواي، بعد بحوث علمية أجرتها، أن ثلث سكان البلاد تقريبًا ينتمون إلى القبائل الأصلية التشاروا

اقرأ/ي أيضًا: كيف تورط الفرنسيون في مجازر الإبادة في رواندا؟

الإبادة الجماعية

تُعَرِف معاهدة الأمم المتحدة لمنع وعقاب جريمة الإبادة الجماعية، مصطلح الإبادة الجماعية على أنه "ارتكاب أي من الأفعال الآتية بقصد التدمير الكامل أو الجزئي، لمجموعة قومية، أو إثنية، أو عرقية، أو دينية، وما إلى ذلك". بما في ذلك قتل أفراد هذه الجماعات، أو الاعتداء الصارخ على السلامة النفسية أو الجسدية لأفراد هذه المجموعات.

في الرابع والعشرين من نيسان/أبريل الماضي، وخلال جلسة مفتوحة للبرلمان، طالبت امرأة شابة الرئيس تاباري فاسكيز، الإعلان عن موقفه من الإبادة الجماعية التي اُرتكبت في حق شعب التشاروا في سالسيبوديس. أجابها الرئيس أنه يتفهم الرغبة الكامنة وراء هذا الاعتراف، ولكن مصطلح الإبادة الجماعية يجب أن يُستخدم بحذر. وقال الرئيس "يتعلق الأمر بإثبات تعمد محو عرق أو مجموعة معينة من الناس"، وأضاف أن موقفه من هذه المسألة لا يزال قيد الدراسة، وأن الحكومة كانت تدرس الموضوع "بدقة علمية".

وعلى الرغم من ذلك، يظهر مصطلح الإبادة الجماعية لشعب التشاروا في المناهج الدراسية للمرحلة الابتدائية، كأحد المواد التي تُدرس في فصول التاريخ للصف الخامس، إلى جانب أوائل رؤساء البلاد. كما وجدت الكلمة طريقها أيضًا إلى مجلس النواب في تموز/يوليو الماضي، عندما طالبت ستيلا فيل، السياسية اليسارية المنتمية لحزب جبهة أمبيلو، بالاعتراف بارتكاب الإبادة الجماعية. وفي الوقت نفسه، تتخذ مونيكا سانس موقفًا واضحًا من هذه القضية، إذ تقول "نعم، أعتقد أنها كانت إبادة جماعية". وتضيف "كان هناك تعمد لقتل مجموعة محددة من السكان الأصليين. وفي هذه الحالة، يمكننا الحديث عن الإبادة الجماعية والتطهير العرقي".

في غضون ذلك، يجتمع عدد من أحفاد شعب التشاروا كل عام في سالسيبوديس لإحياء ذكرى المذبحة. إذ يطلقون على هذا المكان "مكان جمع الشمل". وفي أثناء هذه الرحلة، يروون القصص حول "طابع المثابرة" الذي تمتع به أسلافهم، والذين لقوا حتفهم في مؤامرة وحشية استهدفت القضاء عليهم، إلا أنها فشلت في نهاية المطاف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أمريكا ترامب.. دفاعٌ عن الأقليات في العالم وانتهاكات ضدهم في الداخل!

دماء سربرنيتسا لم تجف.. إدانة "جزئية" لهولندا في المذبحة