دماء سربرنيتسا لم تجف.. إدانة

دماء سربرنيتسا لم تجف.. إدانة "جزئية" لهولندا في المذبحة

صدر حكم قضائي بإدانة جزئية لقوات هولندية في مذبحة سربرنيتسا (إلفيس باروكسيك/ أ.ف.ب)

لم تكلّ بعد عائلات حوالي ثمانية آلاف مسلم قُتلوا في مذبحة سربرنيتسا في البوسنة والهرسك على يد قوات صربية في تموز/يوليو 1995، وذلك من أجل محاسبة المسؤولين عن هذه المذبحة التي تُعتبر الأسوء في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، إذ صدر حكم قضائي، قبل نحو ثلاثة أيام، عن محكمة في لاهاي حمّل حكومة هولندا مسؤوليتها بصفة جزئية عن مقتل زهاء 300 شخص من ضحايا المذبحة، وذلك ضمن آخر فصول المعركة القضائية المستمرّة منذ سنوات لتحميل الجناة مسؤولياتهم ومنح تعويضات لعائلات الضحايا.

الإدانة ليست سابقة أولى

ليست هذه المرّة الأولى التي يُطرح فيها ملف تواطؤ قوات هولندية في وقوع ضحايا في سربرنيتسا، أو يصدر فيها حكمًا قضائيًا بإدانتها، حيث استقالت الحكومة الهولندية سنة 2002 إثر صدور تحقيق كشف أنها أرسلت جنودًا في إطار مهمة أممية "مستحيلة" إلى سربرنيتسا. وقد سبق وحمّلت محكمة هولندية سنة 2011 جنود الكتيبة الأممية، عن مقتل ثلاثة ضحايا، وهو ما أكده حكم قضائي آخر في أيلول/سبتمبر 2013. كما سبق وأن وجهت المحكمة العليا الخاصة، وكذلك محكمة مقاطعة لاهاي، سنة 2014 لومًا على الحكومة الهولندية لعدم أداء واجبها في منع وقوع ضحايا.

التورط الهولندي في مذبحة سربرنيتسا، تسبب في حالة تجاذب وتقاذف سياسي بين تركيا وهولندا، في الأزمة الأخيرة قبل 3 أشهر

وتتعلّق وقائع المذبحة موضوع الحكم القضائي الأخير، باحتماء زهاء 300 من المسلمين البوسنيين، معظمهم من النساء والأطفال، بكتيبة هولندية تابعة لقوات حفظ السلام الأممية، غير أن أفراد الكتيبة قاموا بتسليمهم لقوات صربية قامت بقتلهم لاحقًا.

اقرأ/ي أيضًا: المجازر ككوارث طبيعية

وتخوض عائلات الضحايا معركة قضائية منذ سنوات لمحاسبة المسؤولين والحصول على تعويضات. وقد قدمت جمعية تحمل اسم "أمهات سربرنيتسا" الدعوى الأخيرة، والتي قبلتها المحكمة الهولندية عبر تحميل المسؤولية بصفة جزئية للجنود الهولنديين، إذ قالت المحكمة في نصّ حكمها: "يمكن القول بقدر كاف من اليقين، لو كانت الكتيبة الهولندية سمحت ببقائهم في المجمع، لظل هؤلاء الرجال أحياء. فمن خلال التعاون في تسليم هؤلاء الرجال، تكون الكتيبة الهولندية قد أدت عملها على نحو غير قانوني".

إلا أنّ هذا الحكم لم يلق صدى إيجابيًا لدى عائلات الضحايا، لأنه يحمّل مسؤولية جزئية فقط للقوات الهولندية الأممية، وبرّرت المحكمة ذلك بأن ليس كل الضحايا احتموا بمقر كتيبة الأمم المتحدة، بل منهم من "فروا إلى الغابات القريبة من سربرينيتسا". وبذلك رفضت المحكمة التماس آلاف الأقارب بثبوت المسؤولية الكاملة عن عدم حماية الآلاف الضحايا الذين احتشدوا أمام مقرّ الكتيبة قبل قتلهم.

ومثل التورّط الهولندي في وقوع هذه الإبادة الجماعية محلّ تجاذب وتقاذف سياسي، آخرها خلال الأزمة التركية الهولندية قبل نحو ثلاثة أشهر، حينما منعت أمستردام وزيرين تركيين من عقد اجتماع انتخابي مع المهاجرين حول الاستفتاء الدستوري، إذ لم يتردّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في التصريح قائلًا: "نعرف هولندا ونعرف الهولنديين الذين تورطوا في مجزرة سربرنيتسا"، وهو ما وصفه رئيس الوزراء الهولندي بأنه "تزوير بغيض للتاريخ".

دماء لم تجف

تعتبر مذبحة سربرنيتسا، نسبة إلى اسم مدينة تقع شرق البوسنة والهرسك كانت أعلنت الاستقلال عن يوغسلافيا السابقة؛ إحدى أبشع فصول حرب البوسنة والهرسك، إذ أعلنت الأمم المتحدة سنة 1993 هذه المدينة، ذات الأغلبية المسلمة، "منطقة آمنة" تحت حماية قوات الأمم المتحدة المتكوّنة من جنود كتيبة هولندية، فقام تباعًا المتطوّعون البوسنيون بتسليم أسلحتهم، إلا أن الحماية الأممية لم تمنع من وقوع مجزرة دموية في تموز/يوليو 1995، حيث دخلت قوات صربية للمدينة الصغيرة وقامت بتصفية ثمانية آلاف شخص ودفنهم في مقابر جماعية، واغتصبت آلاف النساء ضمن عملية تطهير عرقي ممنهجة ضد المسلمين.

استخدمت روسيا الفيتو سنة 2015 لاعتراض قرار من مجلس الأمن بتوصيف مذبحة سربرنيتشا بـ"الإبادة الجماعية"

وقد أثارت المجزرة الرأي العام الدولي نظرًا لبشاعة الانتهاكات والأعداد الكبيرة للقتلى والضحايا. واعتبر كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة في الذكرى العاشرة للمذبحة سنة 2005، أن مسؤولية المذبحة تقع على الدول الكبرى والأمم المتحدة لفشلها في اتخاذ الإجراءات اللازمة، واعترف بأن هذه المأساة ستظلّ "نقطة سوداء في تاريخ الأمم المتحدة إلى الأبد".

اقرأ/ي أيضًا: روسيا تقتل القتيل وتمشي في جنازته

وسبق واعتبرت محكمة العدل الدولية سنة 2007، المذبحة "إبادة جماعية"، غير أن روسيا استعملت حق النقض الفيتو سنة 2015، في الذكرى العشرين للمذبحة، ضد قرار لمجلس الأمن لتبنّي التوصيف المذكور للمذبحة، وذلك مساندةً للحكومة الصربية التي ترفض الاعتراف بواحدة من أبشع جرائم الإنسانية في القرن العشرين.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

كيف تورط الفرنسيون في مجازر الإبادة في رواندا؟

جرائم نخب العالم ضد الإنسانية