أيام عادية

أيام عادية

لوحة لـ إيتيل عدنان/ أمريكا - لبنان

لم تذهب إياسا إلى موعدها مع المعالجة النفسية بسبب العاصفة التي جعلت التنقّل شبه مستحيل، فضلًا عن ذلك، فقد جعلها المرض تتغيّب عن عملها حتى. كان زوجها في هذه الأثناء يهتمّ بها وبالأولاد لكنه لم يكن سعيدًا جدًا بذلك، شعرت إياسا بتبرّمه الصامت فأُصيبت بخيبة أمل. غريب كيف أن أحسن الرجال خلقًا يضيق ذرعًا بأعمال المرأة المنزلية ويزعجه تغيّر الأدوار وإن كان مؤقتًا. "ابن آدم ثقيل" لقد سمعت تلك العبارة كثيرًا لذلك اجتهدت طوال حياتها كي لا تكون عبئًا على أحد، لكن لعلها حقًا أم وزوجة فاشلة. لعلها كما تقول كايا تخدع نفسها بالتضحية أكثر فأكثر لأنها لا تملك سبيلًا آخر، لا تستطيع التراجع عما دافعت عنه طوال حياتها. هي تشعر أحيانًا بأنها كالمؤمن الذي قام بواجباته الدينية على أكمل وجه طوال حياته ثم اكتشف فجأة ألا جنّة ولا نار. مستحيل! أين يذهب إذًا كل الاستثمار العاطفي والجسدي والمالي الذي وضعته في هذه الأسرة الصغيرة؟ أليس هذا تعريفها للسعادة؟ للاكتمال؟

أكثر ما خافت منه في الفترة الماضية هو أن تنقل عدوى المرض إلى ولديها، فحاولت ألا تضمّهما أو تقترب منهما. وعندما غادر زوجها إلى عمله في الصباح من دون أن تعدّ له الإفطار انتبهت إلى أن المنزل في حالة مزرية من الفوضى لذلك قررت أن تبدأ بتنظيفه رغم أنها لم تستردّ عافيتها بعد. راحت ابنتها تلحق بها من غرفة إلى أخرى ما جعلها تبتسم رغم سعالها الذي لم يتوقف. كانت الصغيرة مبتهجة لسبب لا تعرفه، لعلها فرِحت بأنها تتحرّك من جديد بعدما لازمت السرير لأيام. أسعدتها الفكرة وجعلتها تنسى مرضها، أعدّت لاطفالها ولنفسها بعض الشوربة، سحبت كرسيي طاولة المائدة ثم خاطبتهما بلهجة مسرحية: "والآن يا سيداتي سادتي سوف نأكل معًا البلا دو جور: شوربة العدس الشهية... ما رأيكما؟" لم يجيبا بل ابتسما بخجل ومدّا منديل المائدة على حضنيهما.

شدّت إياسا خيط الستارة لتكشف عن بقايا الثلج المتسخة في الخارج. ثمة شيء ما ميت تمامًا في هذه المدينة. كل شيء مضجر جدًا ومكرر وسخيف. معها حق كايا أن تجلم دائمًا بأماكن جديدة، لكايا جناحان يأخذانها إلى أي مكان مثل نسمة. لكن إياسا مغلولة إلى هذه المكان، إلى قدرها، إلى عائلتها ومضطرة أن تصنع بعض السعادة وتزّينها بابتسامات كثيرة كل يوم. لكن ابنها يعرف بأنها حزينة، كما عرفت هي من قبل أن أمها حزينة أيضًا. يخطر لها أحيانًا أن تغلق عينيها وتذهب إلى الأبد، هكذا بسهولة جرعة ماء! ما يوقفها هو هاتان العينان الصغيرتان لأطفالها فقط. ما كان عليها أن تُنجبهما لكن لا هما أجمل ما في الكون. إنه ذنبها على أي حال كان عليها أن تذهب قبل أن تثقُل أعباؤها في هذه الحياة. لماذا تشعر بأنها كالمسامير التي تجمع حياة من حولها من دون أن تكون حية هي نفسها؟ الكل يعتمد في سعادتهم وتسيير حياتهم اليومية عليها فيما لا تفعل هي شيئًا سوى مراكمة الشعور بالذنب تجاه الجميع. متى ستتعلّم كيف تفرح؟ كيف تستسلم للسعادة من دون خوف؟ كيف تثق أنه لن يلي الضحكة وخزة ألم عميقة ككل مرة؟

أغلقت إياسا الستارة ثم انهمكت بتنظيف الطاولة. الأعمال المكررة تُشعرها بالمرض. تأخذ كثيرًا من وقتها وطاقتها.

اللقاء الأخير- تحت الثريا

بعد فترة امتدّت طويلًا رجعت هيلما من عزلتها فكلّمت إياسا وكايا وكان يوم الجمعة. فرحت المرأتان كثيرًا وقررت الثلاث الاجتماع احتفالًا بخروج هيلما من عالمها الخاصّ. دعتهما الأخيرة إلى قاعة للرقص تتابع فيها دروسًا في الرقصات اللاتينية.

"كيف التقيتما؟" راح المدرّب اللاتيني الفتيّ يحدّثهما في الوقت نفسه الذي يعلّمهما خطوات رقصة السالسا، "على النت" أجاب الشاب ذي العينين المائيتين اللطيفتين وهو يمسك يدي كايا الصغيرتين بإحكام، "في صف اللغة الايطالية" قالت كايا. لم يعلّق المدرّب بل قال مبتسمًا "يجب أن ترخيا يديّكما، لا يجب أن تكونا متوتّرين وأنتما ترقصان، تذكرا أنتِ تبدئين دائمًا بالرجل اليمين وأنتَ تبدأ بالرجل اليسار". ابتسمت كايا بإثارة "مهلًا، لا أستطيع معرفة اليمين من اليسار أتوماتيكيًا عليّ أن أفكّر لبرهة وهذا يفسد الرقصة"، ضغط الشاب على يدها قليلًا، "أنا أخبركِ، تبدئين بجهة اليد التي أضغط عليها"، ابتسمت وحوّلت عينيها بعيدًا خجلًا من عينيه، كانت تحب طريقته في نطق الإنجليزية لا سيما حين تطلب منه أن يتحدّث باللهجة البريطانية، لكنها كانت بشكل عام خجولةً معه. هو أيضًا كان مرتبكًا، ربما لأنهما لم يعتادا تمامًا على بعض فالشاب قد أتى لتوه من أحلام هيلما، من سينما الدولار الواحد حيث أمسك بيدها للمرة الأولى.

تلك الليلة كانت كايا قد ارتدت فستانًا من الدانتيل الأسود المكشوف الظهر وتركت شعرها البني الطويل منسدلًا، كما وضعت أحمر شفاه نبيذيًا بلون حذائها ذي الكعب المسنّن. أرادت أن تغيظ الشاب قليلًا فتعمّدت إطالة فترة رقصها مع المدرّب، لكنها لم تعرف إن كان قد شعر بالغيرة أم لا. لا تستطيع قراءة هذا الرجل، يحيّرها كثيرًا، هو قريب وبعيد، قاسٍ ولطيف. لكنها تخاف أن تفقده. لماذا تفكّر الآن بأنه الحب الأخير؟ لماذا تظنّ بأنها الرقصة الأخيرة؟ "خطوة، اثنتان، ثلاثة، أربعة... ثماني خطوات نحو اليمين، ثماني خطوات نحو اليسار، قال المدرّب، الآن ابتعدا إلى المسافة القصوى التي تسمح بها أيديكما المفرودة، اقتربا حتى التلامس. اليدان بالكاد تتماسّان. العينان في العينين". تحت تلك الثريا اللامعة دارت كايا وهيلما وإياسا بين يديّ زوجها لأن النساء الثلاثة لم يكُنّ سوى إيما: امرأة واحدة ضاعف تغيير بلدها غربتها وعزلتها وشطرها ثلاثة أجزاء. خطوة، اثنتان، ثلاثة، أربعة، ثماني خطوات نحو اليمين، ثماني خطوات نحو اليسار، بعدٌ: قلق، قربٌ: خوف، العينان في العينين. اليدان في اليدين. القلب ينقبض ثم يطير. يدّق، يدقّ. كانت مرتاحة ومنطلقة، للمرة الأولى تعترف بأنها مزيج من ثلاث نساء وتتقبّل شخصياتها المُتعِبة ومسرحياتها التي ينسجها القلق. يبدو أن موعد يوم الجمعة لدى المُعالج النفسي قد وضعها فعلًا على طريق الشفاء. تنفّست بعمق ثم قالت لزوجها: "لقد رأيتنا في أماكن كثيرة وتخيّلتك أشخاصًا آخرين كنتَ معي هذه الفترة الماضية كلها وتحمّلت تقلّباتي، لكننا هنا تحت هذه الثريا الليلة وهذا يكفي، تعالَ ننهي قصتنا هكذا بهذه الرقصة ونبدأ حياةً جديدة". ابتسم ولم يقل شيئًا.

لكن القصة لم تنتهِ تمامًا تحت تلك الثريا، ففي الخارج، قرب القاعة الفاقعة الإضاءة، كان ثمة شخص ينتظر خروج هذه المرأة المحيّرة والغريبة، لم تنتبه لوجوده لكنه انتظر بصمت مع سيجارة حملها بين يديه الخشنتين من العمل اليدوي بينما عيناه الوحشيتان تضيئان تقريبًا في الظلام. حسنًا لعله لم ينتظرها شخصيًا لكنه انتظر امرأة مشابهة، هل هو موتها أم خلاصها؟ أهو الزرنيخ الذي تجرّعته إيما أم هو شارل المسكين الذي بكى على سريرها؟ كيف لها أن تعرف وهي لم تره بعد حتى؟

 

  • من رواية "عودة إيمّا" التي تصدر قريبًا عن منشورات المتوسط.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مقطع من "زمن القَتْل".. رواية الكاتب الإيطالي إينيو فلايانو

مقطع من "مائدة القط".. رواية مايكل أونداتجي