مقطع من

مقطع من "زمن القَتْل".. رواية الكاتب الإيطالي إينيو فلايانو

رواية "زمن القَتْل"

ألترا صوت – فريق التحرير

هنا مقطع من رواية "زمن القَتْل" للكاتب الإيطالي إينيو فلايانو، التي تصدر عن منشورات المتوسط بترجمة عرفان رشيد.


مُذهلٌ بقائي على قيد الحياة بعد الحادث، وهذا ما كان مُهيمنًا على ذهني. فيما أنتظر فِرَق الإنقاذ، وحين نَفَدَ صبري، شَعَرْتُ بانزعاجٍ قاتل من رؤية الأشجار التي يكتَظُّ بها المنحدر؛ لقد نَبَتَتْ تلك الأشجار ونمَتْ في كلِّ مكانٍ، توفَّرت فيه بُقعة من الأرض، لتُدفنَ فيها بذرةٌ، قَرَّرَتِ الانتحار، كي تمنحَ الحياة لنبتةٍ جديدة. تسلَّلتْ حرارة الطقس إلى جسدي، وعَجِزَتْ حتَّى نسائم الصباح الأولى عن تخفيف شِدَّة اشتعال تلك الحرارة، وبَدَتْ لي كلُّ النباتات هنا كحيوانات مُحنَّطة.

ومنذُ لحظةِ انقلاب الشاحنة عند أوَّل انعطافة في طريق النزول، عاد الألم إلى ضِرْسي من جديد. كنتُ مدفوعًا برغبةٍ - ربَّما نَتَجَتْ عن نفاد صبرٍ، سببه الألم - لا تُقاوَم للرحيل عن ذلك المكان. نَهَضْتُ من مكاني. وقلتُ للجندي السائق: أنا راحلٌ؛ كان يُدخِّن سيجارته واثقًا من أنَّه سيتقاسم معي مفاجآت مغامرتنا الجديدة، فذُهل وتساءل قائلًا: إلى أين؟.

- إلى هناك، إلى حيثُ النهر عند أسفل الهضبة.

لم نكن بَعْدُ نرى النهر الجاري هناك في الأسفل، في الوادي الذي حفرتْهُ مياهه عبر القرون. ذلك النهر الذي يحرسُ شواطئَه عددٌ من التماسيح المُتكاسلة التي تترقَّب ضحيَّتها من بين النساء اللَّاتي يحملنَ الثياب لغَسْلها في مياه النهر. اعتقدتُ أنّ بإمكاني العثور على شاحنة، تحملني إلى الطرف الآخر. يجب أن أصل إلى هناك قبل حلول المساء، وإلَّا سأخسر يومًا آخر من أيَّام الإجازة الأربعة التي مُنِحَتْ لي لغرض العثور على طبيبٍ للأسنان.

أجل، ينبغي أن أغادر في الحال. كان الطرف الآخر مُضاءً بنور الشمس الساطعة، هناك، خلف الوادي الذي حَفَرَهُ النهر في الجبال تاركًا حجارتها بيضاءَ كالعظام. طَرَفَا الوادي مفصولان عن بعضهما بمسافة، تصل إلى بضعة كيلومترات، أعجز عن تحديد تلك المسافة بدقَّة، لأنَّ ضياء الشمس يخدع الناظر، ويُعيد رَسْم وتشكيل حتَّى أصغر الجزئيات، قد تكون المسافة خمسة أو ستَّة كيلومترات. وبالتأكيد ثَمَّةَ هناك، ما وراء الطرف الآخر، حياة هادئة ودكاكين، وقد يكون هناك، أيضًا، أناسٌ يعيشون حيواتهم في سَكِينَةٍ مُطلقة، وسأُدركُ قيمة تلك الحياة إذا ما بَلَغْتُ الطرف الآخر، إذْ سأعثر هناك على أوَّل سرير بشراشف، وعلى أوَّل بائع للصُّحُف، وطبيب للأسنان.

لم يَبْدُ الجنديُّ مستعدًّا لاستيعاب ما يحدُث. "انتظرْ"، قال لي "سيمرُّ أحدهم من هنا بالتأكيد". نَظَرْتُ إلى شاحنتنا التي انقلبت، وعَلِقَتْ إطاراتها في صخور المنحدر، فَهَزَزْتُ رأسي بالنَّفْي: لن يمرَّ من هنا أيُّ أحد. وربَّما لم يمرّ إلَّا كولونيلٌ واحد، كان يتصرَّف بنفس الضَّجَر التي يَسِمُ سلوك الجنرالات.

زاد إلحاح الجندي عليَّ للبقاء في انزعاجيَ شِدَّة، ولم تكن نجاتُه من الموت برفقتي سببًا كافيًا، كي نبدأ باستعراض صورنا العائلية، أو أن نرويَ لبعضنا عن قضايانا الشَّخصيَّة، أو حتَّى أنْ نتخيَّل صورتنا ونحن عائدان معًا إلى إيطاليا. ورَغْمَ انزعاجي الشديد منه، فقد شَعَرْتُ بالأسى لتَرْكه هناك وحيدًا.

ـ هكذا، إذًا، ستتركني وحيدًا؟

جَمَعْتُ أشيائي، حقيبة الظَّهْر، حزامي ومُسدَّسي، حاولتُ البحث عن أيِّ مُبرِّرٍ للتخفيف من تأثيرات قراري بالفرار، أخبرتُهُ بأنَّني سأعود لإغاثته إذا ما عثرتُ على وسيلةِ نَقْل. تظاهرَ الجندي بتصديقي، وقد ازددتُ خجلًا بسبب انصياعه، العدواني والمفاجِئ، واحمرَّ وجهي. صافَحَني بجفاءٍ وبرود، وهو يشعر بخيبة أمل كبيرة. غابت صورته، هو وشاحنته، عن ناظرَيَّ بعد خمسين خطوة فقط، ولم أرهما بعد ذلك أبدًا.

هل يقع الجسر على مسافة بعيدة؟ بإمكاني أن أسلكَ طريقًا مختصرةً، لكنِّي لا أثق كثيرًا بالطُّرُق المختصرة في أفريقيا. ومع انحداراته صوب النهر، فقد انفتح الدرب، بين الفَيْنَة والأُخرى، على عدَّة دروبٍ، ومن ثمَّ انحدر، بعد استدارة قصيرة، صوب أحراش الغابة وأدغالها.

تجاهلتُ الطُّرُق المختصرة، كانت حرارة الطقس قد ارتفعت، وازداد عدد الأشجار كثافةً بشكلٍ مخيف، وبَدَتْ كأعمدةٍ منحوتةٍ بالورق المُقوَّى، بالضبط كتلك التي اعْتَدْتُ على رؤيتها في الاحتفالات الدِّينيَّة في البلاد، وبَدَتْ لناظرَيَّ، كما لو أنَّها من قديم الزمان وغابره، وشبيهة بمنحوتاتٍ، تُعلن الولاء لآلهة ديانةٍ غابرة.

وبعد مسيرِ ما يربو على ساعَتَيْن، زادت كثافة الأحراش أكثر فأكثر، وارتفعت درجات الحرارة في الدروب التُّرابيَّة. وعلى حين غِرَّة، وجدتُ النهر ينفتح أمامي، ورأيتُ جسرًا جديدًا قيد التشييد.

وتراءى لي، أيضًا، من بين الأشجار الباسقة، عددٌ من الصُّلْبَان المغروسة في الأرض، وصناديق خشبية، وعددٌ من عُلب اللحوم المحفوظة، وأكياس البسكويت، وبقايا جُثَّة، قد تكون لجنديٍّ، توقَّف عن المسير، وقال لرفاقه: "لم أعدْ قادرًا على الاستمرار"، وجَاهَدَ كثيرًا من أجل إقناع العريف، ومن ثمَّ الملازم، ومن بعدهما النقيب، جَاهَدَ كي تتمَّ الموافقة على طَلَبِهِ بأن يُترَك هناك، ليخلُدَ إلى الراحة قليلًا.

ولربَّما كانت تلك الطبيعة (الرمل رمادي اللون أو البراعم الناتئة من جذوع الأشجار)، هي ما أنْبأت ذلك المحارب بأنَّ ساعة استراحته النِّهائيَّة قد حَلَّتْ بالفعل. أولئك الذين يحصلون على صناديق البسكويت واللحم المحفوظ، على بُعْد آلاف الأميال عن منازلهم، لا يُدركون بالفعل بأنَّ خشب ذلك الصندوق قد يُصبح، في وقتٍ ما، ثمينًا للغاية، فهو، وإنْ كان قد صُنِع من خشب هَشٍّ وخفيف للغاية، فقد يكون مفيدًا في شيءٍ ما، وهناك دائمًا حاجة إلى صندوق خشبي، فَمَنْ يحظى بواحدٍ من هذه الصناديق، سيستفيد منه، على الأقلِّ، لتزيين زاوية خيمته مُستخدِمًا إيَّاه كطاولةٍ، تُضاف إلى مكوِّناتها الفقيرة كقطعة استثنائية من الأثاث: وبإمكانه، في أوقات الصفاء أو نُدرة المعارك، أن يضع فوق ذلك الصندوق، ما بين الكُتُب وحقيبة الدخان، صورة المرأة التي يُحبُّ. ليس العثور على امرأة ليُحبَّها الجندي أمرًا عَصِيًا وعسيرًا، إلَّا أنّ الحصول على ذلك الصندوق أعسر، بالتأكيد، من الحصول على امرأة.

لم تكنْ هناك أيَّة شاحنة. جَلَسَ العُمَّال يتناولون غداءهم خلال فترة التَّوقُّف الإجباري عن العمل، بسبب ارتفاع حرارة الشمس، كنتُ واثقًا من أنَّهم حديثو عهدٍ بذلك المكان، وأدركتُ ذلك من النَّظَّارات الشَّمسيَّة السوداء التي بحوزتهم، والتي كانت ما تزال سليمةً. افترشوا الأرض أمام خيامهم، يتحاورون مع شرطي الكارابينييري (1) المكلَّف بحراسة المكان. لم تكن دهشةُ التواجُد في ذلك المكان قد بارحتْهم بعد، دهشة التواجُد في تلك الأرض التي حين وصلوها اكتشفوا أنَّها مختلفة عن الصورة المطبوعة في أذهانهم عنها، وعمَّا اختزنتْهُ مُخيِّلتهم عن أفريقيا.

وعلى أيَّة حال، لن تمرَّ أيَّة شاحنةٌ من هنا. أخبروني بأنَّ شاحنة موقع العمل قد غادرت للتَّوِّ؛ وبالفعل فقد كان هدير مُحرِّكها ما يزال مسموعًا، وقد ابتعدت وصارت عند أولى مراحل الصعود إلى أعلى الجبل.

"هل ستعود؟".

"غدًا"، أجابني أحد العُمَّال، وهو مندهش من جهلي بهذه المعلومة بالذات. "ستعود غدًا حاملةً إلينا المؤن والبريد".

المؤن والبريد. لمستُ، عبر قماش جيبي، الرسالة الأخيرة التي استلمتُها منها، من زوجتي. وَصَلَتْ في اليوم السابق. رسالةٌ طويلة. مزدحمة بالكتابة المتشابهة، كتابةٌ دائرية متشابكة، لكنْ، بخطٍ رشيق، جميع أوراقها مزدحمة بالكلمات حتَّى نهاية أطراف الورقة، ودون ترك أيَّة مساحة بيضاء فيها. كانت تلك، بالفعل، رسالة جديرة بأنْ تُعادَ قراءتُها مرَّات ومرَّات. لكنْ، إذا لم يكن هناك احتمال مرورُ شاحنةٍ أُخرى من هنا، فإنَّ عليَّ المكوث في موقع العمل. بدأتُ أفقد هدوئي، فرحلتي آيلةٌ إلى الإخفاق. أَخبرتُ العُمَّال عن الموقع الذي انطلقتُ منه، وعن الأهمِّيَّة المطلقة لوصولي إلى أعلى الهضبة. لاحظتُ ثبات قسمات وجوههم، التي لم تتغيَّر حين رويتُ لهم عن حكايتي، وعن انقلاب الشاحنة التي أقلَّتْنا. لم أكن آمُلُ، بالطبع، في استثارة اهتمامهم، إلَّا أنَّه لم يصدر عن أولئك العُمَّال أيُّ تعليق، كما أنَّهم لم يعرضوا عليَّ أيَّ حلٍّ. فأفريقيا مليئة بالشاحنات المقلوبة.

"لا أعتقد بأن تمرَّ شاحنةً ما من هنا الآن"، قال شرطي الكارابينييري، رَغْمَ أنَّه لم يستبعد احتمال مرور رتلٍ من المركبات، لكنّه لم يَبْدُ متأكِّدًا من هذا الاحتمال؛ في أثناء ذلك وَاصَلَ مراقبتي وهو مستلقٍ على الأرض، مُسنِدًا قُبَّعته العسكريَّة على جبهته.

"أين يمكنني العثور على أولى الشاحنات المتوجِّهة صوب الأعلى؟"

"هناك قيادةٌ لموقع عسكري على بُعد اثنَي عشر كيلومترًا من هنا، هناك بالضبط، على حافَّة الهضبة"، قال رجل الكارابينييري وهو يُطلِق تثاؤبًا طويلًا. مسافةُ اثنَي عشر كيلومترًا تعني مسير ثلاث ساعات، هذا إذا لم تُزدْها حرارة الطقس إلى أربع ساعات، وكانت تلك، هي الساعة الأسوأ للبدء بمغامرة من هذا النوع: لكنْ، كان عليَّ اتِّخاذ قرارٍ ما. "برأيكم، كم ساعةً يمكن أن تستغرقني الرحلة؟".

ومن الأجوبة الأولى التي استمعتُ إليها، أدركتُ بأنَّ سؤالي ذاك كان غير ذي جدوى. إلَّا أنَّني طرحتُهُ لأنَّني كنتُ منزعجًا من فكرة الرحيل، بينما كنتُ أبحث عن مبرِّراتٍ للمكوث هناك. كان العُمَّال يتمازحون متشاتمين فيما بينهم بلهجاتهم المحلِّيَّة، مُخترعين، حتَّى في وَضْع مثل هذا، مواضيعَ مناكفاتٍ ذات طابعٍ مناطقيٍّ وإقليميٍّ. وَصَمَ بعضُهمُ الآخرَ بافتقاد الفراسة في تحديد المسافات (هم أيضًا عثروا، بحضوري، على مبرِّرات للتَّندُّر والاستمتاع)، لكن الجميع اتَّفقوا في النهاية بأنَّني سأحتاج إلى أربع ساعاتٍ، على الأقلِّ، لقَطْع تلك المسافة.

"إذا ما مشيتَ بخُطىً سريعة، فستُعجِّل بالوصول إلى هناك". قال صوتٌ صَدَرَ من خلف ظَهْري. نَظَرْتُ إلى المتكلِّم، كان شابًّا أشقرَ الشَّعْر، على قَدْرٍ من الحياء، تلعثم عندما نَظَرْتُ إليه، وطَلَبْتُ منه تكرار ما قال، كان كلامهُ خاليًا من أيَّة رغبة في السخرية منِّي.

أفقدتْني مسكِّنات الألم الشَّهيَّة للطعام. وبَلَغَتْ درجات الحرارة على طول الطريق مستوىً يتجاوز حدود الاحتمال البشري. واجهتُ مسار الصعود الأوَّل، ولم أكن وقتها قد ابتعدتُ أكثر من مائة خطوة، حين سمعتُ صوتًا يُناديني، كان العامل الأشقر يعدو باتِّجاهي، ولمَّا صار على مقربةٍ منِّي، قال لي: "إذا ما سلكتَ إحدى الطُّرُق المختصرة، فستُوفِّر على نفسِكَ الكثير من الوقت والعناء". مَكَثَ واقفًا في مكانه مُحدِّقًا فيَّ، مُترقِّبًا أن أطلب منه ليُدلَّني على الطريق المختصر.

"تُرى أين التقيتُ بهذا الشَّابِّ؟"، فكَّرتُ في سرِّي. كانت ملامحه تحملُ إيماءات لطيفةً لعاملٍ شابٍّ. إنَّها ملامح شخصٍ، قد أكون التقيتُهُ من قبلُ لمرَّة واحدة على الأقلِّ، تُرى هل رأيتُهُ خلال إطلالتي من نافذة القطار العابر، أم أنَّني أمنح وسامته تلك معنى أكبر ممَّا تستحق؟ لقد استعدتُ دائمًا ذكرى لقائي بذلك الشَّابِّ (أعتقد أنَّه كان يمتلك روحًا خَدَميَّةً كالتي تطبع سلوك النُّدُلِ في العادة)، إلَّا أنَّني أودُّ تبديد أيِّ شكٍّ حول أهمِّيَّة حضوره في هذه القصَّة. كان مُجرَّد عاملٍ دفعتْهُ الرغبة في أن يفيدَني بشكلٍ ما، وأنْ يدلَّني على طريق مختصرة مناسبة. ولتغفر لي السماء من وِزْرِ التلميح إلى أنّ كلَّ ما حَدَثَ لي فيما بعد كان نتاجًا لتقفِّيه أثري، وأودُّ تأكيد قناعتي بأنَّ عبوره في حياتي في ذلك اليوم لم يكن إلَّا مرورًا طارئًا، ولَّدتْهُ الصدفة.                                   

وَصَلْنَا، بعد دقيقَتَيْن، إلى مفترق طريقَيْن، وكان علينا أن نفترق عن بعضنا. قدَّمتُ له سيجارة، لكنّه لم يُحسِن إشعالها، ونَفَثَ الدخان كغير المدخِّنين. شَعَرَ بالخجَل، لذا لم يرفض هديَّتي، ونَظَرَ إليَّ بعينَيْ مَنْ حقَّق انتصارًا متواضعًا. "لن تُخطئ الطريق بالتأكيد"، قال وكأنَّه يردُّ على كرم هديَّتي. وأضاف ملاحظة مازحة، سمعها بالتأكيد من آخرين؛ كان خَجِلًا من تكرارها، لكنّه، قرَّر أمره في النهاية، وقال لي: "اِلْحَقِ الرائحةَ، اتْبَعْ دائمًا نتانةَ البغالِ النافقةِ".

"أعرف ذلك، شكرًا". كانت هناك ما تُشبه المذبحة لبغال حَمْل المُؤَنِ والعتاد، وكانت دروب أفريقيا بأسرها مليئةً بنتانة البغال النافقة، وببقاياها ما بعد التهامها من قِبَل الحيوانات الليلية المفترسة، وهناك ثَمَّةَ جماجمُ بأسنان، تبدو ضاحكة وهي مَلآى بدبيب الديدان.

"حسنٌ إذًا، أتمنَّى لك حظًا سعيدًا، سيِّدي الملازم". قالها العامل، وابتعد عنِّي. أسقطني تَمَنِّيه لي بالحظِّ السعيد في كآبةٍ غير مُنتظرة: أعني بأنَّ تمنِّي الحظِّ السعيد لشخص في مثل حالتي تلك، كان تأكيدًا غير مباشر على أن المسار الذي سأُواجهه عسيرٌ للغاية، هذا إذا لم يكن مسارًا مستحيلًا.

على أيَّة حال، فكَّرتُ في سرِّي، لم أكن في طريقي لدخول ميدان المعركة أو لعبور جبال الألب (2)، وكلُّ ما عليَّ هو اتِّباع مسار طريق مُختصرة للوصول إلى أعلى الهضبة. كان عليَّ فقط أن أعثر على شاحنةٍ، بعدها سأُقلِّب في الليلة ذاتها صفحات كتابٍ وأنا مستلقٍ على سرير، وستكون تلك هي الليلة الأولى بعد مُضي ثمانية عشر شهراً.

وبعد أن تمنَّى لي العامل يُسْرَ الطريق، كما لو كان تحدِّيًا، ساورتْني الرغبة بالعودة إلى الوراء. وللحيلولة دون ذلك القرار مرَّرتُ كفِّي على خشب الشجرة الأولى التي صادفتُها بالقرب منِّي: بَدَتْ لي أشجار تلك الغابة الصغيرة وكأنَّها منحوتات أشجار، صُنِعَت بالورق المُقوَّى المُصمَّغ، وكانت تُشبه حقًّا بقايا مُهْمَلاتٍ في مخزن الكون. قلتُ لنفسي إنَّه "لا بُدَّ أنّ جامعَ لقى قديمة خالٍ من أيِّ وازعٍ للضمير، كوَّمَ هذه الأشياء عديمةِ الأهمِّيَّة هنا، في هذا المكان القَصِيِّ عن الدنيا والبشر".

فكَّرتُ بذلك، ودَلَفْتُ إلى الطريق المختصرة سائرًا بخَطْوٍ ثابت.

 

هوامش

  1. شرطة الكارابينييري هي الشرطة العسكريَّة الإيطالية، وأيضًا واجبات الأمن الدَّاخليِّ.
  2. سلسلة الجبال العالية الفاصلة ما بين إيطاليا وسويسرا.