أوهام تصريف العنف الطائفي في خطاب السلطة الأسدية

أوهام تصريف العنف الطائفي في خطاب السلطة الأسدية

بشار الأسد خلال كلمته (سانا)

في خطابه الأخير أمام ثلة من رجال أوقاف وزارة النظام، على هامش افتتاح "مركز الشام الإسلامي الدولي لمواجه قضايا التطرف والإرهاب"، نعثر على بشار الأسد منحازًا لطريقته المعرفية الأثيرة القائمة على قاعدة التفكير بالأيدي والأرجل، التي تقوم على قاعدة اختبار الأفكار والتصورات العقلية عبر التجربة، وذلك في معرض إجابته على مدى عمق الشعور الطائفي في نفوس السوريين بعد تجربة الحرب الأهلية التي لا تزال رحها تدور على وجودهم الروحي والمادي إلى الآن. فالشعور الطائفي بين السوريين برأيه قد تراجع بعد ثماني سنوات من حربه ضد المجتمع، على الرغم من سياسة البراميل المتفجرة والمسلخ البشري وسياسية التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي لا تفك تعمل على توسيع شقوقه على نحوعميق وفجائعي.

تنهض تصورات الأسد عن تعمق الشعور الطائفي بين السوريين على تصور ساذج يقوم على وجود سوء فهم متبادل بين طوائف المجتمع السوري حول مفهوم التدين

أما السبب وراء هذا الانحسار الكبير للشعور الطائفي فمرده، كما يدعي، إلى انكشاف جملة من الحقائق في نفوس الناس المشحونين بالتصورات الطائفية، يأتي على رأسها اتضاح الرؤية في ذهن رجال الدين السنة لناحية مفهوم التدين القائم على طاعة للذات الإلهية كعامل فعّال لبناء مجتمع متحاب ومتعاضد ومتسامح، وبين التعصب المذهب القائم على تعميق الشعور بالأفضلية الأخلاقية، وشرعنة العنف الديني ضد المختلفين عنهم عقائديًا كعامل هدم. يليها وعي مقابل من الطرف غير المتدين بالتخلي عن النظرة السوداوية التي تربط بين كل رجل دين والتطرف. فوفق منطق الأسد السابق تكون الحرب على الرغم من فداحة الخسارات التي فيها، أمرًا إيجابيًا بالمطلق لكونها كشفت الأساس والعوامل التي ولدتها، مما يجعلنا قادرين على تجنبها في المستقبل.

اقرأ/ي أيضًا: خطاب بشار الأسد... النور ضد العتمة

تنهض تصورات الأسد عن تعمق الشعور الطائفي بين السوريين على تصور ساذج يقوم على وجود سوء فهم متبادل بين طوائف المجتمع السوري حول مفهوم التدين وعلاقاته الحافلة بالتعصب والتطرف والعلمانية، و التي ما أن تزول حتى يصير الجميع أبناء متحابين في مجتمع فاضل لا يعرف النزاع والخوف والعنف إلى قلبه سبيلًا. يتجاهل التصور المتوهم ذلك حقيقة أن النظام الطائفي في المجتمع السوري نتاج عمل مسبق لنظام الأسد الأب، الذي ارتأى الاستعانة بأبناء الطائفة التي ينتمي لها لضمان استمراريته بالسلطة مع إمكانية ضمان تحويلها إلى دولة سلالية يقوم أبناؤه بحكمها من بعده. فحزب الإخوان المسلمين لم ينشأ كنبت شيطاني كما أصر الأسد على تأكيده في جميع مفاصل الخطاب، إلى درجة تفضيل كلمة "شياطين" على مسلمين كنوع من العنف الكلامي المضمر، وإنما يعود حضوره الشعبي على نطاق واسعة كردة فعل على التهميش الذي لحق بالبرجوازية التجارية الحلبية وارتباطاتها في مدن الشمال والوسط في أواخر الثمانينيات. يعيب ويعرض الأسد بعنف الأخوان ذي الجذور الدينية في محاولتهم لانتزاع سلطة آل الأسد، بقصد إدانه أي استخدام لفعليات المقدس في حرب الناس ضد السلطة الغاشمة، دون أن يكلف نفسه عناء المقارنة بين عنف الأخوان وعنف السطلة الانقلابية التي قادها الأسد الأب في سعيه للاستيلاء على السلطة، ذلك العنف الذي تحول إلى ممارسة يومية لاخضاع المجتمع السوري برمته، والذي أجبر السوريين الراغبين بالتخلص من هيمنته على الدولة والمجتمع اللجوء إلى العنف كوسيلة للدفاع عن النفس، بعد أن رأوا بأم العين الطريقة الدموية العنيفة التي استخدمها لفض الاحتجات السلمية التي انطلقت في شوراع حلب ومحيطها كما في جميع المدن التي انطلقت في الثامن من آذار/مارس 1980.

تقبع في داخل بشار الأسد، كرجل سلطة مطلق، رغبة عميقة للعب كل الأدوار التي تغذي نزوعه النرجسي

تقبع في داخل بشار الأسد، كرجل سلطة مطلق، رغبة عميقة للعب كل الأدوار التي تغذي نزوعه النرجسي، فما من مرة ظهر فيها من على منصة الخطابة إلا وأصر على الظهور بمظهر الخطيب المفوّه الذي لا يشق له غبار، مع أن حركات يديه البلهاء اللتين لا تخدمانه في ذلك، ناهيك عن عينيه الحائرتين اللتين تشتتان تركيز مستمعيه. يخادع بشار نفسه حين يدعي أنه يفضل الحديث عن الواقع العياني على التنظير الأجوف، إذ سرعان ما ينزلق إليه بشدة. ففي معرض تأكيده على نفي الإلحاد عن العلمانية، نجده يحرص حرصًا شديدًا على الربط بين العلمانية والدين، دون أن يخطر على باله أن ألف باء العلمانية هي حياد الدولة تجاه جميع الأديان مع إفساح المجال أمام جميع المؤمنين بحق ممارسة عقائدهم دون إكراه أو وصاية. فالشيء المفقود في علمانية دولة بشار الأسد هم المواطنين الأحرار التي تعمل السلطة السياسية على خدمتهم لا على توظيفهم لخدمتها. فما الذي يجعل البروتستانت والكاثوليك رغم العداء التاريخي الذي حكم تاريخ العلاقة بينهما يعيشون في ألمانيا جنبًا إلى جنب دون أي شعور بأي مشاعر طائفيه سوى إحساسهم العميق بمواطنيتهم، وتعاملهم الحر مع عقائدهم الدينية ضمن سياق الحريات الشخصية لكل واحد منهم؟

اقرأ/ي أيضًا: حين أصبح بشار الأسد أيقونةً لليمين المتطرف في الولايات المتحدة

يبدّل بشار الأسد مواقعه من رئيس دولة إلى واعض فمنظر فكري بخفة، دون أن يعني ذلك أن ينجح بممارسة جميع أدواره المشتهاة بمهارة، فمن موقعه كرئيس يتمنى أن يعطل الرافعة الطائفية السنية كي يتجنب فقدانه للسطة المطلة التي يتمتع بها، إلا أنه يفاقمها بشدة حين يرفض الركون لمعالجتها عن طريق تحويل دولته المستبدة إلى دولة علمانية المشترك بين مواطنيها المتعددين المذاهب الدينية، الحقوق المتساوية للجميع، لا نظام الامتيازات والخوة والتمايزات الاجتماعية وخرق القانون. أما في موقعه كواعض فبدلًا من أن يجعل من الإيمان شأنًا شخصيًا خاصًا بالفرد المواطن، يصر على نحو متعمد بربطه بالطاعة السياسة لذاته الرئاسية المنتفجة، فالمؤمن الحق في دولته العلمانية هو الشخص الذي يربط بين إيمانه بربه وبين إيمانه برئيسه، إذ أن أي عملية احتجاج سياسي أو اقتصادي لمؤمن ضد رئيسه يعني فيما يعينه الخروج ليس من مرتبة الايمان إلى الكفر، بل بالخروج من دائرة الوطنية إلى الخيانة لها.

يبدّل بشار الأسد مواقعه من رئيس دولة إلى واعض فمنظر فكري بخفة، دون أن يعني ذلك أن ينجح بممارسة جميع أدواره المشتهاة بمهارة

في قناعه الثالث كمنظر فكري يصر الأسد أن يجمع السذاجة مع معاقرة المنطق المقلوب، ففي معرض حديثه للتوفيق بين العلم والدين، يقترف حماقة الخلط بين كل من الطريقة التي يجترعها العلم والدين في مقاربتهما للحقيقة، فالدين نوع من المعرفة التي تدعي صلاحيتها لكل زمان ومكان، لكونها تنظر لنفسها كتجلي حي ودائم للوحي الإلهي المطلق، الأمر الذي ينتهي لوضع نفسها فوق كل نقد أو نقصان، على العكس من العلم الذي لا يدعي الإطلاقية في إحكامه أو اكتشافاته، بقدر ما يقر بقابليتها للخطأ والصواب، مع إمكانية نقدها وتجوازها عبر الزمن اللاحق. أما بشار الأسد في تنظيره الفكري فيذهب إلى نوع من التوحيد بين حقلين مختلفين تمامًا، وما ذلك لأنه لا يمتلك عقلًا نقديًا يتيح له الفصل والوصل العقليين، فما هذه السذاجة التي تدعي أن لا فرق بين العلم والدين ما دام العلم هو محاولة للشكف عن القوانين التي خلقها الله، فالعلم في جوهره لا ينهض على إثبات القوانين التي خلقها الله، وإنما على الشكف عن القوانين التي في الطبيعة، ذلك أن العلم يعمل خارج حدود التصورات اللاهوتية التي يتبناها الدين.

اقرأ/ي أيضًا: دولة الأسد المتوحشة في مرآة دستورها

يستطيع بشار الأسد أن يحتفي بقينية حدوسه عن العنف الطائفي الذي يتأتى برأيه من سوء الفهم تارة، والجهل تارة أخرى، إلا أن ذلك لن يغير شيئًا من طبيعة العنف ومصدره المتأتي من بنية دولته الطائفية، التي لا يمكن أن تحكم وتستمر دون عنف وإكراه موجه ضد محكوميها، الأمر الذي تستقطب بدورها عنفًا مضادًا من قبل ضحاياه، سرعان ما توظفه لتبرر عنفها الماحق ضدهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

رفعت الأسد.. سرايا الموت