بشار الأسد واعظًا.. جناية السلطة ضد النص والتفسير!

بشار الأسد واعظًا.. جناية السلطة ضد النص والتفسير!

الأسد بين رجال دين بعد صلاة عيد الأضحى الماضي

في كتابه "البعث والإسلام في سوريا: سلالة الأسد في مواجهة العلماء"، يرى الباحث البلجيكي توماس بيريه، أن الدولة السورية الحديثة حاولت مأسسة فئة العلماء-المشايخ، التي كانت تحتكر العمل الدعوي والديني عبر جوامع أحياء المدن الكبرى في دمشق وحلب منذ الزمن العثماني، من خلال استحداثها منصب المفتي العام للجمهورية 1947، الذي أناطت به مهمة إدارة شؤون الإفتاء في المحافظات السورية المختلفة. ثم ما لبثت أن وضعت يدها على ملكية كل المساجد عبر إنشائها لمديريات الأوقاف والمجالس الشرعية 1949، ومن ثم وزارة الأوقاف 1961، الأمر الذي سمح لها بأن تتحكم بالمشيخة الدينية وممتلكاتها المالية المتمثّلة بالأوقاف الإسلامية. إلا أن هذه المحاولة سرعان ما توقفت مع صعود البعث إلى السلطة عام 1963، لأنه لم ير في العلماء-المشايخ إلا خطرًا أمنيًا يجب الحد من تفاقمه.

حاولت الدولة السورية الحديثة مأسسة فئة العلماء-المشايخ، التي كانت تحتكر العمل الدعوي والديني منذ الزمن العثماني

هكذا وجد المشايخ أنفسهم بين ليلة وضحاها أمام فقدان الأدوار المجتمعية التي كانوا يقومون بها زمن السلطات السابقة لسلطة البعث، والتي كانت تقوم على تحالف متين بينهم وبين السلطات الحاكمة، تعترف هذه الفئة بموجبه بأحقية الحاكم المطلقة بإدارة شؤون الناس في مملكته أو سلطانه، على الشكل الذي يراه دون منازعة أو احتجاج من أحد، مقابل عدم تدخل الحكام بالشؤون الدينية للجماعة، في حين يحتفظ هؤلاء الشيوخ بمهمة إصباغ الشرعية الدينية على هذا الحكم وتبرير سياساته أيًا كان نوعها، مقابل احتفاظهم بالسلطة الاجتماعية داخل الأحياء التي يعيشون فِيهَا، وتمتعهم بالمكاسب الاقتصادية المتأتية من التبرعات والمشاريع الخيرية التي يديرونها.

اقرأ/ي أيضًا: ترميم تماثيل الأسد.. استثمار عبثي في رموز السلطة

تحول الشيوخ في دولة البعث من أدوات بيد السلطة الجديدة إلى أعداء لها، والذين لم ينظر إليهم إلا كحلفاء شرعيين لطبقتي الأعيان والبرجوازيين التي جاءت ثورة البعث للتخلص من هيمنتهما على فئة الفلاحين الواسعة. إلا أن موعد المواجهة الكبرى معهم لم يحسم إلا مع تزعم اللواء صلاح جديد لقيادة الحزب عام 1966، حيث قرّر تحديث سوريا على الطريقة السّوفييتية، ليس اقتصاديًا فحسب، بل ثقافيًا، الأمر الذي عنى فيما عناه، نشر العقيدة الإلحادية والتخلص من نفوذ رجال الدين في الحيّز الاجتماعي السوري.

جاءت أول نذر المواجهة مع الجسم الديني، عندما نشرت مجلة "جيش الشعب" التي تصدر عن إدارة التوجيه المعنوي للجيش، في يوم 25 نيسان/أبريل 1967، مقالًا افتتاحيًا بقلم إبراهيم خلاص جاء فيه: "لسنا بحاجة إلى إنسان يصلي ويركع خاشعًا ذليلًا، بل نحن بحاجة إلى إنسان اشتراكي ثائر. إن الطريق الوحيدة هي خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن أنّ الله والأديان والإقطاع والرأسمال والاستعمار والمتخمين وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متحف التاريخ"، الأمر الذي حدا برابطة علماء دمشق بالمواجهة عبر التنديد والتجييش ضد السلطة الحاكمة على منابرها، فما كان من نظام صلاح جديد البعثي سوى المسارعة إلى عزل عدة خطباء كان على رأسهم: الشيخ حسن حبنكة والشيخ عبد الكريم الرفاعي. فاتفق من بقي من العلماء على ترك منابر المعزولين شاغرة، إلا أن مفتي الجمهورية آنذاك الشيخ أحمد كفتارو، الملقب بـ"العارف بأمر الله "، فاجأ رابطة علماء دمشق المتمردة، من خلال مسارعته لملء المنابر الشاغرة بخطباء من أتباعه، الأمر الذي لم يفهم إلا كنوع من التزلف إلى السلطة بأي ثمن، حتى لو كان الأمر على حساب مسائل تمس بالعقيدة.

من المفتي كفتارو إلى المفتي حسون، وصولًا إلى وزير أوقاف الأسد الشيخ محمد عبد الستار السيد، الهدف واحد، وهو السعار الذي يبديه الثلاثة وغيرهم الكثير في سبيل استعادة الدور التقليدي للشيخ المتحالف مع السلطة الحاكمة، المستعد دائمًا لتبرير سياساتها المستبدة والإجرامية، مقابل منافع بخسة لا تليق برجل دين، دون أن يستحي من ممارسة النفاق على هذا النحو الصريح والفاضح، وإلاّ كيف يمكننا قراءة عنوان الندوة "ضوابط وقواعد تفسير القرآن الكريم تفسيرًا معاصرًا (التفسير الجامع نموذجًا) وفق المرتكزات الفكرية للسيد الرئيس بشار الأسد في الإصلاح الديني"، التي أدارها الرجل يوم 31 تموز/يوليو 2018، حين جعل من بشار الأسد مصلحًا دينيًا لا يشق له غبار.

في تناوله لموضوع الإصلاح الديني، اختار الشيخ محمد عبده المنطقة الأخطر، تلك التي تقع في دائرة العقائد الدينية التي قد تلقي بصاحبها في دائرة الكفر

المطلع على مسيرة الإصلاح الديني، يجد نفسه أمام ثلاث فئات من المصلحيين الدينيين، فإمّا أن يكون المصلح رجلًا من رجالات المؤسسة الدينية، كما هو الحال مع مارتن لوثر الألماني الذي انتقد أول وأهم ما انتقده فساد وجشع المؤسسة الدينية، التي حوّلت الخدمة الدينية التي تقدمها لجميع مؤمنيها إلى مشروع تجاري، هدفه الأول والأخير تمتع أعضائها بالرفاه والعيش الكريم، على حساب الناس الذين يتم جمع المال منهم تحت خديعة صكوك الغفران، التي تقايض بين ذنب المؤمن والكفارة التي يدفعها مقابل ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: سيدة الياسمين أم سيدة الجحيم؟

قد يكون المصلح الديني أديبًا كما هو الحال مع رفاعة رافع الطهطاوي، الذي نهض بمهمة تبرير أو شرعنة أخذ المسلمين بعلوم الغربين "الكفرة" في الصناعة والجيش والإدارة. تلك المهمة التي كان من المفروض على فقهاء السلطان محمد علي الكبير القيام بها عبر تقنية الفتوى، إلا أنهم لم يستطيعوا القيام بها، نتيجة تسلحهم بالجانب الورعي ذي البعد الصوفي، الذي لم يكن يقتصر عليهم فحسب، بل كان يخترق البنية المجتمعية المسلمة بنخبها وعوامها طيلة القرن الثامن عشر. ذلك الجانب الذي كان يرتكز على حرمة قيام الشخص المسلم المتفوق روحيًا على المسيحيين الكفرة، بالأخذ أو تقليد أي منتج من نتاجاتهم المادية لأنه مدنس، فالكافر أو المدنس لا يمكن أن ينتج إلا مدنسًا مثله، وإذا ما فرض على المسلم الطاهر أن يختار بين الخير المديد الذي يحصل عليه في الحياة الآخرة، وبين الخير القصير الذي سيحصل عليه في هذه الدنيا الفانية، فإنه بلا شك سيختار خير الآخرة.

في السيرة الذاتية للشيخ محمد عبده، القادم من خارج المؤسسة الدينية، نحن أمام مصلح ديني من نوع مُختلف، يليق به مصطلح المثقف، لأنه يجمع بين التحصيل المعرفي والالتزام النضالي تجاه قضايا مجتمعه، التي يأتي على رأسها قضية الإصلاح الديني. في تناوله لموضوع الإصلاح الديني يختار الشيخ المنطقة الأخطر، تلك المنطقة التي تقع في دائرة العقائد الدينية التي قد تلقي بصاحبها في دائرة الكفر، ومع ذلك يغامر بالخوض فيها كونها أساسًا لأي إصلاح ديني. ففي معالجته لقضية الفرقة الناجية من النار، يصل إلى أحقية جميع الفرق الدينية بالنجاة ما دامت لا تخرج عن مبدأ العقيدة الواحدة. أما في مسألة الإيمان فجميع أبناء الديانات السماوية متساوون بالإيمان على الرغم من اختلاف عقائدهم، الأمر الذي يسقط مبدأ تفوق دين سماوي على آخر. وفيما ينحاز الشيخ لمفهوم العقل في قراءة النص المقدس، ينحاز بنفس الدرجة إلى مبدأ التدين الفردي أو الشخصي الذي لا يحده حد سوى مبدأ الضمير الإنساني، الأمر الذي يسقط حاجة الفرد إلى مرشد روحي كالشيخ مثلًا ليساعده بالوصل إلى حالة النجاة في الدار الآخرة.

يحذر الباحث المصري عصام حفني من فقدان المؤسسة الدينية لسلطتها الروحية على أنصارها أو جمهورها إذا ما حاولت التصدي لفكرة الإصلاح الديني، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن الأسباب التي ستدفع تلك الجموع لفعل ذلك، فهل يا ترى سيكون ذلك بفعل مفاعيل الحرية الدينية التي ستؤكد على فردية الإيمان الشخصي وعدم حاجة الفرد لخدمات المؤسسة الدينية، أم الأمر سيعود لانفضاض أنصار تلك المؤسسة عنها، نتيجة عدم استساغتها لفتواها التي لن تتقاطع مع وعيها الجمعي العام. الأمر الذي يتقاطع مع رأي الباحث التونسي محمد الحداد، الذي يرى أن قوة الفتوى لا تكمن في من يصدرها بل بمدى قبول الناس أو رفضهم لها. الأمر الذي يؤكد أن مسألة الإصلاح الديني ليست شأنًا خاصًّا بالمؤسسة الدينية حتى وإن رغبت، وإنما يجب أن يمتد للباحثين في حقول علم الاجتماع والنفس الدينيين، وربما المؤسسات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني.

في معرض الحديث عن جدوى الإصلاح الديني، فإنه من الخطأ أن نتجاهل حقيقة انتقال مفاعيل الإصلاح الديني إلى الحقل الحقوقي، بالأخص مسألة حقوق الإنسان. كما يجب ألا يغيب عن بالنا، مسألة أن كل إصلاح ديني لا قيمة ترتجى منه دون أن يترافق أو يتم في جو من الإصلاح السياسي. فقيمة الإصلاح الديني الذي نادى به مارتن لوثر لا تكمن في هدم كنيسة الشر ليتم بناء كنيسة الخير، بل في تحرير الإيمان من سيطرة الكنيسة ليصبح إيمانًا يتعلق بضمير الإنسان وحده، وحتى هذا التحول ما كان له أن يتم لولا نزعة الأنسنة التي ترافقت مع النهضة الأوروبية، التي أعلت من قيمة الإنسان، تلك القيمة التي توجت مع الفيلسوف ديكارت، الذي أعاد ترتيب العلاقة بين الله والعالم والإنسان، والتي انتهت بإعلاء مكانة الإنسان على حساب مكانة الله ذاتها، الأمر الذي قاد إلى ترسيخ الحقوق الفردية للإنسان.

من الخطأ أن نتجاهل حقيقية انتقال مفاعيل الإصلاح الديني إلى الحقل الحقوقي، بالأخص مسألة حقوق الإنسان

في البحث عن طبيعة المرتكزات الفكرية لبشار الأسد في الإصلاح الديني، نجد أنفسنا أمام مجموعة من الأفكار أو المقولات المعلبة حتى، ألقاها بلغة الواعظ تارة، وبلغة أهل السلطة تارة أخرى، في حضرة فئة من العلماء والمشايخ التي عملت عائلة الأسد للاستثمار فيهم طيلة فترة إمساكها بالسلطة، لقاء قيامهم بدور شرعنة وتبرير سياسات النظام القائم على حكم عبادة الفرد الأوحد. في ذلك اللقاء تجلى الأسد كرجل سلطة حقيقي لا يمكن له أن يتسامح مع أي شخص أو حركة تحاول النيل من سلطته كحاكم فرد، حتى ولو كان الأمر على شكل نصيحة. فالدور المنوط بالشيخ هي تبرير سياسات السلطة لا المشاركة في قراراتها، وحين يعجز الشيخ عن أداء مهمته، فالأولى به أن يعاقب ومن ثم يعزل من المهمة التي كلّف بها.

اقرأ/ي أيضًا: الخطاب السياسي بين الفكر والبلاغة

وإذا كان للأسد أن يتفهم عجزهم أمام سيل الاحتجاجات التي انطلقت من جوامعهم، فإنه بالتأكيد غير قادر على التسامح  مع مشاركة بعض مريديهم في المظاهرات المناهضة لسلطته أو توظيف الجامع لصالحهم، ولقد رفع الرجل هذه القضية إلى مصاف المحاججة الفلسفية الكبرى، حين تساءل عن كيفية وجود ابن غير وطني لأبوين وطنيين، وبلغة أخرى كيف يعقل أن يخرج ابن متمرد على سلطته من كنف أبوين خانعين، وهو بالطبع لا يقصد العلاقة البيولوجية بين الأب ووالديه، بقدر ما يقصد العلاقة بين الشيخ ومريديه، وكأنه يريد أن يقول كيف يمكن للخير "الوالدين للخانعين" أن يولد شرًا "الابن المتمرد".

في تمثل صارخ لدور الزعيم المتعالي عن ارتكاب الخطأ، ومن ثم التعالي عن تحمل المسؤولية، كان لا بد للرئيس المفارق عن شعبه أن يبحث عن كبش فداء لتحميله وزر الأخطاء والمفاسد التي تعيشها مملكته. فلم يجد أفضل من المشايخ طرفًا ضعيفًا لتحميلهم الفساد الأخلاقي لسلطته، حين أخذ يتساءل ببراءة المسكين عن الكيفية التي تسمح لرجل دين أن يدعو للطهارة، ومع ذلك لا يتورع عن إلقاء القمامة في الشارع العام، يدعو للأمانة ويتهرب من دفع الضريبة، يدعو للحفاظ على الملكية الخاصة ولا يجد غضاة في نهب المال العام. كما لو أنه يريد أن يقنعنا أن الطرف المسؤول عن هيمنة الأخلاق العامة هم رجال الدين لا السلطة.

في حين أن الواقع يكذب كل تلك الإيهامات، فالمسؤول عن تعميم قيمة الكذب هي السلطة التي تدعي أنها قد حازت على أصوات الشعب العامة بنسبة تفوق الـ99 بالمئة، في حين أن النسبة قد لا تتجاوز الـ30 بالمئة على أعلى قدير، وحقًّا من هو المسؤول عن تعميم قيمة نهب المال العام، غير السلطة التي تجد في الرشوة وسيلة محمودة من وسائل توزيع الدخل القومي بين الفقراء والأغنياء؟

هكذا يحوّل الأسد المتذاكي فساد الأخلاق العامة من السلطة إلى رجال الدين، مستخدمًا اللغة الوعظية ذاتها التي يستخدمها المشايخ في خطبهم، والتي تنهض على قاعدة أن الخير من الله وحده والشر من أنفسكم، وهكذا يسحب الأسد هذه العلاقة ليقول: إن الخير كله من السلطة أما الشر فهو من رجال الدين ومن مريديهم بالطبع.

يريد بشار الأسد أن يقنعنا أن الطرف المسؤول عن هيمنة الأخلاق العامة هم رجال الدين لا السلطة

اقرأ/ي أيضًا: في علاقة الجزائريين بالنّوم والكسل.. أسئلة يقظة

في كلمته الوعظية أمام المشايخ يذهب الأسد مذهب المشايخ أنفسهم، حين يصر على إلقاء سبب الاحتجاجات على سلطته إلى سوء فهم النصوص المقدسة وسوء تفسيرها، أو انخداع البعض بآراء ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، متناسيًا أن النص القرآني حمّال أوجه، ومن ثم أن المشكلة لا تكمن لا في النص ولا في سوء تفسيره، بل في احتكار الأسد جميع السلطات في البلاد، لهدف وحيد هو استمرار حكمه وحكم العائلة غير مبال بجميع المآزق الاقتصادية والاجتماعية لسياسته القائمة على نهب المال العام، كما لو كان حقًا مكتسبًا لا ينازعه فيه أحد، غير مبال بهدر الكرامة البشرية لجميع الأفراد الذي يدعي حكمه لهم، كما لو أن الرجل لا يستسيغ إلا حكم البشر مسلوبي الإرادة والمسبحين بحمد سلطته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حتمية الحب التعيس.. العيب ليس فيكم ولا في حبايبكم!

معرض مكتبة الأسد للكتاب.. رسالة الثقافة الدموية