أم كلثوم من طبق المهلبية إلى أعلى الأجور

أم كلثوم من طبق المهلبية إلى أعلى الأجور

بورتريه لـ أم كلثوم (الجزيرة)

غنت أم كلثوم أكثر من 300 أغنية تختلف في طولها من خمس دقائق إلى ساعة ونصف. وغنت في جميع قرى المديريات المجاورة لبلدتها السنبلاويين، وكانت تجتاز المسافات على الأقدام في كثير من الأحيان برفقة والدها وشقيقها قبل الانتقال إلى القاهرة.

مسيرة فنية صعبة

تقول أم كلثوم "في بداية الأمر كنا لا نستطيع حتى استئجار حمار واحد لأن أجره كان يستنفذ جزءًا كبيرًا من أجرنا الذي يبلغ قرشين صاغ، وأحيانًا كنت أركب حمارًا في تنقلاتي بين القرى للغناء في الحفلات وكنا نتبادل الركوب عليه أنا وأبي وأخي. ولما زاد إيرادنا بعد شهور اشترى لنا والدي حمارًا، وبعد بضعة شهور أصبحنا نملك ثلاثة حمير، وكان كل واحد منا يركب حماره الخاص. ووضع أبي خرزة زرقاء على كل حمار خوفًا من حسد الحاسدين".

لم تكن أم كلثوم تعرف كم تقبض من أجر لغنائها في بداية مشوارها الفني فقد كانت تكتفي بطبق المهلبية المفضل عندها

تمضي أم كلثوم في شرح بعض مراحل طفولتها بالقول: "كانت بعض الأسر التي تدعونا للغناء في حفلاتها تجهز لنا الحمير من أمام المنزل إلى مكان الحفلة وعند العودة يتركوننا نعود على أقدامنا". ولما ارتفع أجرها أكثر بدأوا يستخدمون السكك الحديدية في تنقلاتهم وكانوا يركبون في الدرجة الثالثة.

اقرأ/ي أيضًا: أفلام أم كلثوم الستة

لم يكن كسب المال سهلًا على هذه العائلة التي تشتغل بالفن. تسرد أم كلثوم "دعينا مرة لإحياء حفل زواج في قرية بعيدة وكان الأجر المتفق عليه جنيهًا واحدًا إضافة إلى مصاريف السفر وتقديم الكازوزة مجانًا في الاستراحة بين الوصلات. ركبنا قطار الدلتا نحو أربع ساعات ثم ركبنا الحمير نحو ساعة ونصف الساعة ووصلنا القرية التي يقيم فيها أصحاب الفرح. دخلنا ساعة الغروب فلم نجد أثرًا لمعالم الفرح. سألنا عن بيت أصحاب الفرح فدلونا عليه وحين طرقنا الباب صاح صوت من الداخل: مين؟ قلنا: إحنا اللي جايين نغني في الفرح. فجاوبنا: فرح ايه؟ وزفت ايه! الفرح تأجل".

وتضيف أم كلثوم أنه حين سألناه: تأجل إزاي؟ وليه ما بعتوش لنا جواب تقولوا فيه إن الفرح تأجل؟ رد صاحب الصوت دون أن يفتح الباب: نبعت جواب! عشان إيه نبعت جوابات والبلد كلها عارفة ان الفرح تأجل.

طبق المهلبية

لم تكن تعرف كم تقبض من أجر لغنائها في بداية مشوارها الفني فقد كان أبوها يتولى ذلك وكانت تكتفي بطبق المهلبية المفضل عندها. وأول مرة قبضت أجرًا كانت في إحدى قرى السنبلاويين حين أعجب بغنائها أحد المستمعين وأعطاها عشرة قروش خبأتها في منديلها، وحين وصلت إلى البيت أعطتها لأمها. ارتفع أجرها إلى 25 قرشًا في حفل زفاف تاجر كبير في السنبلاويين وقد غنت في الحفلة قصيدة: "حسبي الله من جميع الأعادي.. وعليه توكلي اعتمادي".

وأول رسم دخول لأول حفلة عامة أقيمت في سرادق كبير كان 5 قروش للكرسي الممتاز، و3 قروش لكرسي الوسط، وقرشًا واحدًا لكرسي في الدرجة الثالثة. ربحت الحفلة 20 جنيهًا وكان نصيب أم كلثوم جنيهًا واحدًا، وعندما ناول المتعهد الجنيه لوالدها دهشت فقد كانت أول مرة ترى فيها ورقة من فئة الجنيه. وبعد هذه الحفلة أصبحت تقبض جنيهين كاملين عن كل حفلة خاصة.

وأما عن أجرها في الحفلات الخارجية فقد كانت تتقاضى عن الحفلة الواحدة أكبر مبلغ دفعته الإذاعة المصرية وهو مبلغ 500 جنيه. وقد عرف عن أم كلثوم أنها تنفق بسخاء وتعيش حياة بذخ وترف فكانت تقتني مجموعة كبيرة من المجوهرات والأحجار الكريمة وتتزين بها في حفلاتها، كما عرف عنها الكرم والإنفاق بسخاء على الفقراء، وتبرعت بمبلغ لبناء مسجد في قريتها.

تلك الأغاني سجلتها أم كلثوم فيما بعد على أسطوانات شركة أوديون وهي الشركة الأولى التي تعاقدت معها، وتقاضت منها أجرًا قدره 300 جنيه بدلًا من 50 جنيه عن كل أسطوانة. وقد استطاعت بهذه الصفقة أن تبني فيلتها في الزمالك التي بلغت تكاليفها نحو 5 آلاف جنيه.

أول حفلة دعيت إليها كانت عام 1918 في كازينو بالزقازيق يعرف باسم "كلوب قناوي حسين"، وارتفع أجر أم كلثوم عام 1920 إلى تسعة جنيهات ونصف عن حفلة تقاضتها في عزبة "كرم الطويل" التابعة لمركز كفر الشيخ. وفي العام نفسه حضرت إلى القاهرة لأول مرة وأحيت حفلة ليلة المعراج في قصر عز الدين يكن بك، أحد أثرياء تجار القطن، ومن هذه الحفلة طارت شهرتها بعد أن تلقت الهدايا الثمينة والتشجيع الكبير.

في عام 1919 ارتفعت أسعار القطن وارتفعت الأجور، فصار أجر أم كلثوم 10 جنيهات في حفلة الزفاف. وفي عام 1921 أحيت حفلة ثانية في القاهرة في بيت أحد الأثرياء، وقد سمعها في تلك الحفلة الشيخ محمد أبو زيد الذي تعاقد معها على الغناء في أول حفلة عامة تقام في السرادق وكان الدخول إليها بتذاكر.

وفي عام 1931 افتتحت الإذاعة المصرية لأول مرة، وكانت أم كلثوم أول من أحيا فيها حفلة غنائية وقد تقاضت أجرًا قدره 25 جنيهًا. ثم في عام 1936 ارتفع أجرها إلى 40 جنيهًا، ثم إلى 50 جنيهًا، إلى أن بدأت الإذاعة تقيم لها حفلات خارجية منذ عام 1937. عندئذ خصصت الإذاعة نصف إيراد الحفلة لها، بالإضافة إلى أجر إذاعتها وقدره 50 جنيهًا، حتى وصل أجرها إلى 2300 جنيه عن كل حفلة للإذاعة المصرية، وأصبح مدخولها عن كل أسطوانة ألف جنيه عام 1950.

قبل فترة الحرب العالمية الثانية، نالت أم كلثوم عن الفيلم 5 آلاف جنيه، ثم مبلغ 17 ألف جنيه عن فيلمها الأخير "فاطمة"

هكذا فالقروية التي جاءت من تلك القرية المغمورة في السنبلاويين، والتي كانت تتقاضى طبق مهلبية وعشرة قروش عن الحفلة، ارتفع أجرها في الليلة الواحدة إلى 3 آلاف جنيه.

اقرأ/ي أيضًا: خفة دم أم كلثوم.. 13 نكتة وموقفًا ساخرًا

يشار إلى أن أم كلثوم تقاضت عن أدوارها في كل فيلم من أفلامها الستة أكبر مبلغ لنجم أو نجمة سينمائية، فقد كانت تنال عن الفيلم قبل فترة الحرب العالمية الثانية مبلغ 5 آلاف جنيه، ومبلغ 17 ألف جنيه عن فيلمها الأخير "فاطمة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

يا ليل.. يا عين: شرقٌ روتْهُ النساء

9 تشكيليين رسموا الست.. تلوين صوت الزمن