يا ليل.. يا عين: شرقٌ روتْهُ النساء

يا ليل.. يا عين: شرقٌ روتْهُ النساء

أسمهان في فيلم "غرام وانتقام" (من رسومات الكتاب)

أجمل الكتب هي تلك العصية على التصنيف، إذ تشوّش في رؤوسنا فكرة الكتابة، وتأخذها إلى معناها البعيد بوصفها قولًا، بغض النظر عن كون النص رواية أو شعرًا أو دراسة. هذا بالضبط ما يفعله كتاب مثل "يا ليل.. يا عين" (دار هاشيت أنطوان، 2017) للميا زيادة، الذي لا يهم أن تضعه في خانة الأدب أو الفن أو النقد أو التأريخ أو التوثيق، بمقدار أهمية تحقيقه للتأثير الوجداني، في شقه الفني الحكائي، والتأثير الفكري، في شقّه البحثي.

أجمل الكتب هي تلك العصية على التصنيف، إذ تشوّش في رؤوسنا فكرة الكتابة

كتبت الرسامة والكاتبة لميا زيادة هذا الكتاب بالفرنسية أساسًا، وصدر في باريس عام 2015، وقد ترجمه إلى العربية جان هاشم. الكتاب الفريد الذي يسرد حكاية قرن كامل من الفن والموسيقى العربيين، مع تقاطعاته السياسية والاجتماعية والإنسانية، يضم إلى جانب نصوصه رسوماتٍ خاصة وضعتها المؤلفة خصيصًا لهذا السرد، أعادت فيها خلق صور مشاهير الغناء والموسيقى والملاهي وملصقات الأفلام... إلخ، في طريقة تجعل الكتاب يُقرأ مرتين، مرّةً بالكلمات، وأخرى بالصّور.

اقرأ/ي أيضًا: فيروز ليست صنمًا

تقول كلمة الغلاف الخلفي، تحت عنوان "حكايات النجوم": "في هذا الكتاب ملاهي القاهرة، الاستوديوهات، الفيلات، الكازينوهات، الأزواج، العشّاق..."، وتقول أيضًا: "في هذا الكتاب قرن من تاريخ شرقنا العربي". يحيل الاقتباس الأول إلى مركزية القاهرة النهضوية في العالم العربي، من حيث إن الكتاب يتحدث عن بزوغ الفن العربي الحديث فيها منذ مطالع القرن العشرين، على صعيد الموسيقى والغناء والشعر والرقص والمسرح والسينما، فيما يحيل الاقتباس الثاني إلى تقاطع تلك التطورات مع ما يقابلها في تحولات السياسة والاجتماع، بدءًا من سقوط الدولة العثمانية، والانتقال إلى زمن الاستعمار الأوروبي، مرورًا بنكبة فلسطين وثورات التحرر، وصولًا إلى زمن الدولة الوطنية.

تعتمد الكاتبة في سرد هذا القرن على كتابة مقاطع قصيرة ومكثفة، تتناول موضوعًا أو شخصيةً أو مكانًا، بطريقة يمتزج فيها المقال بالقص بالتوثيق، ثم تضاف الرسومات لتمضي بخيال القارئ في رحلة بصرية إلى تلك الأزمنة. سرد زيادة يذكّر بإدواردو غاليانو في طريقته التي تمنزج فيها الفنون الأدبية، ضمن كتلة نثرية تمتلأ بالتاريخ والحكمة والمعلومة والدهاء والشك.

يبدأ الكتاب بنص معنون بـ"ولادة أسطورة والعودة إلى لبنان"، يتحدّث عن ولادة آمال الأطرش، في تشرين الثاني/نوفمبر 1917، على متن سفينة تتهادى قرب مرفأ بيروت. لا يغيب عن البال أن حضور الماء ذو دلالة أسطورية هنا، وما يزيد الأمر أسطوريةً أكثر وأكثر هو الولادة على سطح هذا الماء. نحن حيال تأسيس أسطوري إذًا، جريًا على عادة النصوص الميثولوجية في مطالعها. آمال هذه سوف تصبح لاحقًا أسمهان، وسوف تموت غريقة في ترعة ماء. ثمة من تنبأ لها بأن الولادة في الماء سوف تكون دورةً تكتمل في الموت غريقةً في الماء، وهي بعد في السابعة والعشرين من عمرها.

تبدو أسمهان في كتاب "يا ليل.. يا عين" واسطة العقد، تحيط بها جواهر حكائية تبرق بالألم

من الماء نبدأ، وفي هذا الماء نعبر إلى سير نجوم ذلك الزمن: بديعة مصابني وروز اليوسف ومحمد عبد الوهاب ومنيرة المهدية وأم كلثوم، وبالطبع أسمهان وأخيها فريد الأطرش. وسوف نعرف شظايا من حكايات أحمد شوقي وهدى شعراوي وأحمد رامي.. وكثيرون سواهم.

اقرأ/ي أيضًا: 9 تشكيليين رسموا الست.. تلوين صوت الزمن

يبدو الكتاب مشغولًا بسيرة أسمهان بالذات، ومنها ينتقل ليطل على القاهرة الكوزموبوليتية، بصحفها ومجلاتها وملاهيها وقصورها. تظهر أسمهان في القسم الأول من الكتاب واسطة عقد، تحيط بها جواهر حكائية تبرق بالألم، مثل حكاية بديعة مصابني التي تعرضت للاغتصاب في أول عمرها، واعتبرتها عائلتها شؤمًا ولعنة، لتهرب من أمها لاحقًا، قافزةً من القطار السائر من القاهرة إلى بيروت، حيث ستقيم في الأولى من أجل تغيير موازين الرقص الشرقي جذريًا، وتمنحه موقعًا متقدمًا ما كان ليحصل عليه لولاها، والأهم أنها ستضع أسرارها في أهم راقصتين: تحية كاريوكا وسامية جمال.

في ذلك الوقت، سوف تنجح أم كلثوم في دخول فرقة العائلة التي يديرها والدها، وتختص بالتواشيح الدينية، وسوف تكون بدايات نجاحاتها في الحصول على حمير للتنقل بين القرى، بعدما كانت الفرقة تنتقل سيرًا على الأقدام. 

سينتقد الجمهور القاهريّ، المعتاد على مدنية منيرة المهدية وفتحية المصرية وتوحيدة أحمد، الحضورَ الفلاحي لأم كلثوم، لكن تعارفها بأحمد رامي، الذي سيعجب بشخصيتها المتعطشة إلى المعرفة، سوف يغيّر من نظرتها إلى العالم، وسوف يعلمها اللغة الفرنسية، ويجهّزها لتتقبل تأدية أغاني الحب التي كتبها.

تخوض كل شخصية حربها الخاصة من أجل فرض وجودها؛ أسمهان تتزوج وتتطلق المرة تلو المرة، وتتحول إلى جاسوسة في لعبة مخابراتية لصالح الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، أم كلثوم تكرّس نفسها كملكة على عرش الغناء، الملك فاروق يغرق في وحول القمار وفي حب سامية جمال التي يئست من حبها لفريد.

يحدث أن أسمهان التي خاب أملها من الحلفاء تحاول الانتقال للعمل لصالح دول المحور

ويحدث أن أسمهان التي خاب أملها من الحلفاء تحاول الانتقال للعمل لصالح دول المحور، عبر الاتصال مع السفارة الألمانية في أنقرة، لكن الفرنسيين ينزلونها من قطار بين حلب والحدود التركية، ويعيدونها إلى فيلتها في بيروت، لتعيش في إقامة جبرية قصيرة، بعدها تعود إلى حياة صاخبة قصيرة، ثم تموت تلك الميتة الغامضة غريقةً في سيارتها في ترعة ماء.

بديعة مصابني تخسر كل أملاكها في مصر، وتعود إلى لبنان لتعمل في مزرعة اشترتها بما تبقى لديها، وتفتتح محلًا ليبع الساندويش. فريد يقع أسير العزلة وتبذير أمواله على طاولات القمار. سامية جمال التي تيأس من الملك الفاروق أيضًا تتزوج أمريكيًا وتسافر إلى بلاد العم سام، لتكتشف هناك أنها تزوجت نصّابًا. وحدها أم كلثوم تواظب على التحول إلى صوت مصر الأوحد.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا استعاد اللبنانيون أيقونتهم صباح؟

تقوم ثورة تموز/يوليو، وتطيح بالنظام الملكي، فتؤيدها أم كلثوم وقد وجدت نفسها أخيرًا مع من يشبهونها في المنشأ، بعد أن حُكمت مصر من البرجوازيين والأجانب، وسوف تتبنى الحلم القومي في فنها، وسوف تقبل وساطة جمال عبد الناصر في إعادة جمعها مع غريمها محمد عبد الوهاب، وسوف يتوج ذلك بأغنية "أنت عمري"، التي سوف تسمّى بـ"لقاء السحاب".

حين تحدث النكسة، تقوم بجولة فنية واسعة لـ"رفع معنويات الأمة العربية، وإعادة توحيدها حول مصر. تقول الكاتبة: "جنت لمصر حوالي 4 ملايين دولار"، وذلك بين الجولة الفنية والمجوهرات التي تبرعت بها.

ينتهي "يا ليل.. يا عين" نهاية حزينة، إذ تصر الكاتبة على إنهائه بسرد موت "أبطالها": أم كلثوم وفريد وعبد الوهاب وليلى مراد وعبد الحليم، وتربط كل ذلك الموت بموت جمال عبد الناصر، وصعود الساداتية التي ستأخذ على عاتقها مهمة نسف المشروع الناصري، وسوف يطال "كوكب الشرق" من ذلك استحداث أنور السادات لمنصب "السيدة الأولى" الذي ستناله زوجته جيهان، رغم أن عبد الناصر لم يعط زوجته تلك الصفة، فعمليًا كانت "الست" هي سيدة مصر الأولى، وصوتها، ووجهها.

وفي سردها لموت فناني العصر، تضع الكاتبة فيروز في قلب تلك الدائرة، رغم أنها لا تزال حيةً ترزق، إذ تشير بشكل ذكي إلى الحفلة التي أحيتها في الأولمبيا في باريس 1979، وكانت الحفلة الأخيرة بقيادة عاصي الرحباني. بعد ذلك ترى الكاتبة: "أصبح صوتها تجسيدًا للألم حتى عندما تغني أغنية مرحة. أصبحت تجسيدًا للمنفى حتى في نظر من ظلوا في الشرق الأوسط".

تعتبر الكاتبة أن الانكسار العربي اكتمل مع الحرب الأهلية اللبنانية، التي كان من آثارها تدمير فيلا أسمهان. وتعتبره في الانكسار الذي عاشته رائدات الفن العربي في الغناء والرقص والسينما، حينما تحولن إلى ارتداء الحجاب، بفعل رشاوى "البترودولار"، كما حدث مع تحية كاريوكا وهدى سلطان وسامية جمال، مع أن الأخيرة تحجبت دون أن تقبل حقيبة المال السعودية.

اقرأ/ي أيضًا:

بديع خيري.. موليير المصري

25 عامًا على رحليها.. نادرة في سمائها