08-أغسطس-2015

ثائرون يتظاهرون في دمشق بعد أكثر من أربع سنوات على انطلاق ثورتهم (الأناضول)

ربما لا، وربما نبالغ إذا قلنا إن المقاومة المدنية التي شهدتها مجتمعات السوريين مع ربيع 2011 كانت أبدع حدث سياسي - فنّي في تاريخ البلاد منذ عهد الرۆمان تقريباً. هذا النص والڤيديوهات المرفقة محاولة لإنعاش الذاكرة ودعوة مفتوحة لإعادة التأريخ.

تشكل التظاهرات حدثًا سياسيًا وفنيًا مستقلًا يستحق التناول الخاصّ

يعرف كل من يعرف الثورة السورية أنها بدأت "تظاهرات سلمية"، لكنها لم تلبث أن جرفتها التدخّلات الخارجية والتخرّجات الداخلية والعسكرة والأسلمة و و و و وصولاً إلى ما نقرأه ونسمعه ونراه في الأخبار كل يوم. تنتهي القصة هنا وبطلها الحقيقي الذي استشهد في البداية غير معروف، وکلّ الضوء مسلّط على الجارف لا على المجروف. فماذا كانت هذه "التظاهرات السلمية" التي يبدو الجميع عليماً بها؟ متى بدأت وكيف انتشرت وبمَ صدحت وأين أصبحت؟ ومن هم رجالها ونساؤها وما طبيعة مجتمعاتها وأين ثُلَلٌ من الناشطين الأهليّين وقليلٌ من الناشطين المدنيّين، الذين هم ملايين، ممّن أشعلوها وقادوها وضحّوا من أجلها وهُجروا في سبیلها أو ماتوا على دربها قتلى أو نصف قتلى؟ وهل الذين يعرفونها يعرفونها حقاً؟ أم أنهم سمعوا بها ومرّت متصفّحاتهم على بعضها مرور الكرام؟ وهل الذين يعرفونها حقًا يقدّرونها حقًا؟ أم أن كثر يمسخونها إلى محض حجج سياسية أو إلى محض "زمن جميل"؟ هل كانت هذه المظاهرات مجرّد حراك سياسي محدّد بالزمان والمكان والنهاية المؤسفة، كما يظنّ كثيرون؟ وإلى أي حدّ كانت، كما يتذكّر قليلون، أشبه بكرنڤالات ثورية تغنّي وتشييعات لطمية ترقص ومحاولات دامية للفرح والصراخ وغلي الفضاء بالحناجر؟ من وثّقت عيناه هذه الأشياء ويتذكّر معي ما أقول؟ سلسلة الأسئلة طويلة جداً، لذا سأقفز إلى السؤال الأخير "هل نبالغ إذا قلنا إن المقاومة المدنية التي شهدتها مجتمعات السوريين مع ربيع 2011 كانت أبدع حدث سياسي - فنّي في تاريخ البلاد منذ عهد الرۆمان تقريباً؟ هذا النص محاولة لتبرير السؤال وتسهيل الإجابة.

الشكل الذي اتخذته احتجاجات الثورة السورية كان جديدًا وغريبًا ولا يشبه أي فولكلور معروف

لنتخيّل أنكَِ فتحتَِ الأرشيف المفصّل للمراحل الأولى من الثورة، والذي انتهى إلى أول أرشيف حربي مفتوح في التاريخ البشري، ثمّة الكثير الكثير من الوثائق الثمينة، لكن القليل جدًا فقط مكتوب عن التظاهرات بوصفها تظاهرات، أي بوصفها حدثًا سياسيًا وفنيًا مستقلًا يستحق التناول الخاصّ، إذ قلّما انشغل مثقّفون سوريّون بالتأمّل في ظاهرة التظاهرة وتحليلها وتقديمها لجمهور العرب. ربما لأن جملة الأحداث التي جرت جرّاء الاحتجاجات الشعبية كانت أسرع من قدرة الثقافة السورية على التغطية، وربما لأن الشكل الذي اتخذته هذه الاحتجاجات كان جديدًا وغريبًا ولا يشبه أي فولكلور معروف، ما جعل فهمه واستيعابه بحدّ ذاته تحدّيًا للكتابة السائدة، وربما لأن تلك الاحتجاجات ببساطة ارتبطت أكثر بالمجتمع الأهلي، الحامل الأول والأخير للثورة، والذي تقف منه النخب على مسافة لا تجسرها القضية الواحدة ولا العدوّ المشترك، رغم أن هذا المجتمع هو من تكلّف أبهظ أثمان القضية وأوحش انتقامات العدوّ…

الحاصل أن التظاهرات اليوم مغمورة كمرحلة تأسيسية، مبهمة كخطاب سياسي أنتجه المجتمع، ضائعة كإرث شعبي مدهش، وفوق ذلك غائبة تماماً عن ذاكراتنا المهشّمة. وهكذا طوتها صفحات اليوتيوب وتراكمت فوقها صور الرؤوس والأعضاء التناسلية التي يقطعها داعش والمخابرات السورية من جسد هذه الثورة الثكلى.

لا بدّ من بضعة ڤيديوهات لتوضيح ما سبق، أليس كذلك!

لنشاهد جانباً من مظاهرة جرت في حمص في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر2011، وفيها أعاد الثوّار إنتاج أغنية "فلسطین عربیة، عربیة"، كلمات وألحان علي الكيلاني، وغناء أصالة نصري، إنما بكلمات مختلفة ومع رقصة جديدة وإخراج فنّي جديد.


حوالي ألف شابّ ورجل خرجوا بعد صلاة العيد في حيّ القصور، أعادوا صفّ الصفوف مرة أخرى كتفاً إلى كتف، لكن الآن مع كاميرا على سطح بناء بعيد ومع العشرات من أعلام الثورة جاهزة للرفرفة بين صفوفهم، وهكذا غنّوا "ثورة عزّ وحرّيّة" ويقفزون على إيقاع اللازمة، بينما يخفضون رؤوسهم ويرفعونها مع صرخة "هيه!" كلما هتف الهتّيف بجملة من جمل الأغنية الحماسية "شهداءنا قوافل، أعظمنا جبال، ما نركع لسافل، وما نهاب اعتقال/ مطلبنا الحرية، مطلب كل الأديان، ما نرضى بطائفية، الشعب السوري إخوان/ حنا ما نهاب الموت، أحفاد ابن الوليد، الجبان فطيس يموت، والحرّ يموت شهيد/ نساؤنا حرائر، أحفاد خنساء وخولة، حضر مع عشائر، مدارس بالبطولة... إلخ". وبينما يسجّل المصوّر الحمصي الڤيديو بالمكان والزمان، لا ينسى أن يقول "من تحت القصف وتحت الاحتلال الأسدي نبارك للأمة الإسلامية بعيد الأضحى المبارك"، ثم يرفع لافتتين لحساب "المجلس الوطني السوري"، تقول إحداهما "هيئة التنسيق الوطني لا تمثل الثورة وهي صنيعة النظام الأسدي"، والثانية "نناشد الدكتور محمود الدغيم عدم تشكيل مجلس جديد بل الانضمام إلى المجلس الوطني السوري".

المجتمع الأهلي هو الحامل الأول والأخير للثورة

هذا مثال لأغنية غنّاها آلاف السوريين عشرات المرات ورقصوا، ذكورًا وإناثًا، عليها وصوّروا رقصتهم لتمرّ الصور على الكوكب بعد ذلك مرور الكرام. مثالنا الآخر من حوران، تحديدًا من مدينة داعل الشمّاء، والتي لم تتوقف فيها المظاهرات والأغاني والمواويل منذ بداية الثورة حتى هذه اللحظة. الأغنية الأشهر التي قدّمتها داعل في تظاهراتها للثورة السورية كانت مقتبسة عن إحدى درر الأغنية السورية "لازرعلك بستان ورود" للمرحوم فؤاد غازي، كلمات عيسى أيوب وألحان عبد الفتاح سكر.  إذ دمج لاثنين من مظاهرتين جرتا في داعل يومَي 14 شباط/فبراير و14 آذار/مارس 2012، وفيه تظهر صفوف نصف دائرية تغني "داعل يا أم الأحرار، يا ميلاد الحرية، ع ترابك يسقط بشار، ويسقط حزب البعثية"، كلمات الشاعر عبد الحميد الناصير، مع تفاعل جسدي مختلف بقدر اختلاف التراث الحوراني عن التراث الحمصي، فالتصفيق هنا استعراضي ويحدث أن يقوده "مايسترو" على هذا الجمع من الناس أو ذاك، واليدان تتباعدان طوليًا مع كل صفقة بما يناسب درجة الحماس.


كلمات الأغنية، بدورها، راهنة تماماً "بابا عمر تنزف دم/ والمجازر يومية، والعالم ما عم يهتم/ وين النخوة العربية؟ مجلس الأمن الأصمّ/ ما سمع المليونية! قولوا لنا: الفاتورة كم؟؟/ بدنا نحرّر سوريّة"، وقد كان الشهر الثاني من عام 2012 بداية نهاية حمص العامرة، حيث بدأت فيه سلسلة مجازر وعمليات "تطهير" راحت ضحيتها عدة أحياء، كان أولها حيّ بابا عمرو الشعبي، المعقل الأول للجيش الحرّ في المدينة.

ولم يسلم النظام المصري من حناجر داعل "يا حيف يا قناة السويس! معبر سفن حربية". أما اللافتات التي يرفعها المصوّر أمام كاميرته فليست لحساب أحد، والتوقيع هو "داعل، أحفاد حمزة "بن عبد المطلب" صيّاد الأسود". أما لافتات 14 شباط/فبراير فتقول: 1 - "عاجل! مجلس الأمن يرسل 25 مراقبًا لسوريا/ عاجل! مدينة داعل فيها 25 حاجز، لا بد أن المراقبين بتكنولوجيا غراندايزر". 2 - "قرار مجلس الأمن = موت صناعة أسدية بنكهة دولية وشهادة أممية". 3 - "الدابي خرج من باب الجامعة العربية ليعود من نافذة مجلس الأمن، ويا الله ما إلنا غيرك". 4 - "ما زالت أمريكا والمجموعة الأوروبية تختبئ خلف مزحة تعنت روسيا وتصلبها، أين كانت روسيا أيام ليبيا؟"، ولافتات 14 آذار/مارس "مهما فعلت لن تكسر عزيمتنا... تذكر...؟!! نحن أبناء حوران"، "ماذا تبقى لديك..؟!! نحن ما زلنا لم نبدأ بعد...".

شكلت الهتافات والأغاني مجمل الخطاب السياسي الشعبي للثورة السورية

لننزل جنوباً إلى العاصمة دمشق ولنستمع إلى هذه العراضة الشامية من حيّ كفرسوسة، ولنركّز على المشهد الذي يلذّ الأعين "من أعلام الثورة الصغيرة المعلقة بين طرفي الشارع، إلى الأطفال الواقفين على الجدران حاملين أعلاماً أكبر، إلى الأعلام الكبرى بين صفوف المتظاهرين، صفوف على يمين الكاميرا أول الشارع ثم صفوف تقابلها في آخره، وكل ذلك يجري ليلًا وسط نظام إضاءة لا يبدو مرتجلًا، أما قلب المظاهرة فمساحة متروكة للافتة الكبرى المكتوب عليها زمان ومكان المظاهرة "كفرسوسة لن تركع إلا لله، جمعة أطفال الحولة مشاعل النصر، 1\6\2012".

هناك عنصران أساسيان لكل تظاهرة، العنصر الأول معروف، وهو الأجساد التي تتداعى لاحتلال فضاء عام، غالبًا زقاق أو ساحة، وذلك على الطريقة التي استلهمها السوريون من المصريين والتونسيين وقبلهم الإيرانيين وغيرهم. الأغلبية الساحقة كانت لأجساد الشباب ثم الرجال، مع نسبة فتيات ونساء متفاوتة، لكن ملحوظة خصوصًا في المظاهرات التي يطوّقها "الجيش الحرّ" فتكون بالتالي محميّة من شبّيحة النظام. أعداد المتظاهرين تراوحت بين بضعة عشرات، تظاهرة طيّارة، وحتى نصف مليون في إحدى المرات هائلة المجد والعدد، في ساحة "العاصي بالصوت والجسد"، حماة، على بعد مسافة واحدة بين قامشلو ودرعا البلد، وسط سوريا.


وسطياً كان العدد بضعة آلاف، لكن نقاط التظاهر منتشرة على طول البلاد وبقيت تنتشر في الجغرافيا وتتزايد أسبوعًا بعد أسبوع حتى صيف 2012، وكانت يومها تصل إلى 700-800 مظاهرة في كل يوم جمعة على امتداد أحياء وحارات وساحات سوريا.

لكن الكثير من المظاهرات لم تكن مجرّد تجمّعات، والأجساد لم تكن مجرّد أعداد، بل كثيرًا ما كان شكل الأجساد في التظاهرة يجعلها شيئًا آخر غير التظاهرة، غير تلك التظاهرات التي تعرفها مدن العالم، ولا سيّما حين تطلّ الكاميرا من الأعلى لتصوّر الصفوف المتراصّة بالأكتاف، المتمايلة يُمنًة ويُسرًة على إيقاع لحن بطيء، أو المتجمّعة على شكل حلقات تدور وتقفز أو تدور وتدبك على إيقاع لحن سريع، دعك من الأيادي التي لا تكفّ عن التصفيق أو التلويح، وكل ذلك حسب اللحن الذي يصبّه الهتّيف على المتظاهرين لتتشرّبها أجسادهم ويغدو المشهد جسدًا واحدًا.

ربما تكون أشهر أغنيات الثورة السورية تلك الأغنية بنت العراق، "جنة جنة جنة"

العنصر الثاني، وهو الذي سيركّز عليه جلّ كلامنا، هو الأصوات، أي الهتافات والأغاني التي يردّدها المتظاهرون وراء الهتّيف المحلّي، اصطُلح على تسميته "قاشوش"، قاشوش داعل وقاشوش مورك وقاشوش جرجناز.. إلخ، وذلك نسبًة إلى الشهيد الشهير إبراهيم قاشوش. هذه الهتافات والأغاني ستشكّل لاحقاً مجمل الخطاب السياسي الشعبي للثورة السورية، والذي، كما سبق القول، لم ينل حقّه من العناية.

إذا كانت المظاهرات هي الزخم الثوري الأرقى والأجمل والفعل السياسي الأشدّ على قلب الطاغية، فإن مئات الأغاني التي غنّاها السوريون في مظاهراتهم هي لبّ هذا الرقيّ ولبّ هذا الجمال، ولربما لبّ الشدّة على قلب الطاغية إذا صحّ قول القائل "على هذه الأرض ما يستحق الحياة.. خوفُ الطغاةِ من الأغنیات". نتحدّث عن أغنيات أنتجها الشارع بكل معنى الكلمة، ولم يغنّها فقط بل رقص عليها وصفّق لها، وصوّرها وبثّها أحيانًا على الهواء مباشرة، ولم يترك لحنًا من الألحان التي يعرفها إلا وأطلق به الرصاص على بشار الأسد، من "القلب یعشق کل جمیل" لأم كلثوم وحتى "سو يا سو" لمحمد منير. ونكرر، معظم ناشطي المجتمع المدني وقفوا بين غائب وعاجز ومشدوه، أقربهم إلى المظاهرات كان ضيفًا عليها، لا شيء يقدّمه سوى مونولوج مكرور حول الدولة المدنية والتحذير من التطرّف، بينما المجتمعات الأهلية في سوريا هي التي تكتب الكلمات وتستعير الألحان وتنزل إلى الساحات وترصّ الصفوف وتهتف أو تغنّي للمدن الأخرى وللحرية، وتُنتج النجوم.


ذاك المزيج من الفضاء المزدحم بالأجساد والأصوات شكّل أشياء تشبه السينما أحيانًا. موقع اليوتيوب، الذي كان محجوبًا في سوريا ثم انفجر مع الثورة وبدأ يفيض بالصور، كانت أولى ذكرياته مع "الآي بي" السوري، تلك السينما التي رسمها السوريون، بأجسادهم وأصواتهم وكاميراتهم وفولكلور موسيقاهم "سوريا الكبرى".

فمن أين استُمدّ هذا النمط الاحتجاجي المميّز والجديد؟

في البال حالياً مشهدان هما الأقرب إلى تلك المشاهد المميّزة التي قدّمتها الثورة السورية للعالم: الأول هو حشود المتفرّجين على المباريات في ملاعب كرة القدم، والتي يحدث أن تتداعى للهتاف أو للرقص على إيقاع ما بشكل مشهدي خلّاب، والحقيقة أن الثوّار السوريين اقتبسوا فعلًا عن أهازيج الملاعب السورية كما في "الانتصار يا ثوار" مثلًا، أو "ع الجنّة رايحين"، وقد كان ذلك واضحاً في جميع تظاهرات حمص، حيث الأكثرية الساحقة من الحماصنة ملتزمون بمباريات نادي الكرامة، الذي خسر بطولة دوري أبطال آسيا، رغم فوزه في المباراة النهائية في حمص عام 2006، لكن مشهدًا آخر يمكن اقتراحه كأحد أصول تلك المشهدية الثورة، هو اللطميات الشيعية، التي يقف على رأسها رادود يغنّي ويغنّي وراءه اللاطمون بأصواتهم وأجسادهم وحزنهم الأثير.

 ما يميز أغنيات  الثورة السورية أنها من إنتاج الشارع بكل معنى الكلمة

#postAssadpreISIS جنّة جنّة ونيران جمّة

ربما تكون أشهر أغنيات الثورة السورية تلك الأغنية بنت العراق، ليس سوى عراق "يا وطن يا حبيّب، يا ابو قليب الطيّب حتى نارك جنّة" (1983)، وهي أغنية رضا الخيّاط التي كتبها كريم العراقي ولحّنها عبّاد عبد الكريم قبل أن، كالكثير من شجن العراق البدّيع، تتحوّل إلى فولكلور أشهر من صاحبه بكثير.

لكن مهلاً. حين ننسبها إلى أصلها العراقي فهذا لا يعني أنها "مستوردة من العراق"، ففي الواقع سوريا بلد هجين يمتدّ بين إقليم العراق وإقليم الشام، فالشام هي غرب سوريا الممتدّ حتى بادية سيناء ومدينة العَقَبة جنوبًا، كما أن العراق هو بلاد الرافدين الممتدّة حتى البادية السورية ومدينة سَلَميّة غربًا، وهذه ليست مسائل جغرافية فقط، بل لها أبعادها الاجتماعية والثقافية، فعشائر الشرق السوري مثلًا امتداد لعشائر العراق، كما عشائر الأردن امتداد لعشائر الجنوب، وهناك عالم عراقي كامل من الموسيقى في سوريا يرى عاصمته الروحية في بغداد، وأحيانًا في دياربكر، وحصل أن ولّد ذلك التوتّر العابر لسايكس بيكو صراعًا بين أنظمة بعث عربي وثورات بعث كردستاني على ضفاف نهر الفرات.

أيام الحرب العراقية - الإيرانية، مثلاً، كان الاستماع إلى راديو عراقي في سوريا تهمة قد يودي بك المخبر عبرها إلى السجن، وقد كانت "جنة جنة"إحدى الأغاني الوطنية العراقية الممنوعة في سوريا، واللواتي أصبحن مع مرور الوقت واشتداد الوتر من رموز مقارعة النظام الأسدي، خصوصًا بين أبناء المنطقة الشرقية في سوريا.

ربما هذا مدخل مناسب لفهم شهرة النسخة السورية من الأغنية، وكثافة غنائها في المظاهرات وكثرة التنويعات عليها على مدى السنوات. فالمغنّي السوري المقيم في التشيك وصفي المعصراني (1982)، هو أول من اعتنى بالتراث الموسيقي للثورة السورية ومكسج الكثير من أصوات المتظاهرين في أغانيه، هو صاحب النسخة الأشهر من الأغنية "ثوري ثوري درعا". بعده بعام قام وائل القاق، خرّيج المعهد العالي للموسيقى في دمشق، بعمل مشابه في ألبومه "نشامى" الذي أصدر فيه الأغنية نفسها بتوزيع جديد.

ومن النسخ الأخرى مونتاج قدّمه إلى حمص "الشباب السوري الثائر"، وأداء آخر لها على البزق الكردي، وهنا محاولة بالألماني، وقيل إن ماجد المهندس غنّاها في ملهى ليلي لبناني فطالبه سوريون هناك بتكرارها وتكرارها وتكرارها... كذلك استعادتها نجمة "أرب آيدل" فرح يوسف لتؤدّي الأغنية الأصلية عن سوريا بحنان وألم بديع بعد موّال قتّال لحاتم العراقي.


 
 

وأخيراً هذه استعارة لروحها من مغنّيَي الراپ "الراس" و"الفرعي"، اللبناني مازن السيّد والفلسطيني طارق أبو كويك. وهكذا تحوّلت "جنّة جنّة جنّة" عند السوريين إلى ما يشبه عند الفلسطينيين أغنية الثورة الفلسطينية في الثمانينات "يمّا مويل الهوا"، والتي كانت قد اقتبستها فرقة العاشقين عن الثنائي المصري، الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم "الفاجومي" (1929-2013)، وعازف العود والمغنّي الشيخ إمام عيسى (1918-1995).

كان الاستماع إلى راديو عراقي في سوريا، أيام الحرب العراقية - الإيرانية، تهمة قد يودي بك المخبر عبرها إلى السجن

لكن ثمة نقطة أخرى، إذ يمكننا بـ"ربما" أخرى القول أن صاحب الأغنية، كاتب الكلمات الجديدة، المسيّسة، ومغنّيها الأول بين المتظاهرين السوريين، أشهر منها، بل هو أشهر ثائري الثورة السورية على الإطلاق، وهو ليس أقل من عبد الباسط الساروت (1992)، حارس نادي الكرامة والمنتخب السوري للشباب سابقاً، والثائر بشعره العفويّ وصوته الشجيّ في مظاهرات حمص، ثم بسلاحه ورفاقه "الراقدين بالقوّة" واحداً واحداً في الجيش الحرّ لاحقاً. والساروت هو بطل العودة إلى حمص (2013)، الوثائقي الشهير الذي يوثّق يوميات السنة الثانية من حصار "عاصمة الثورة" المدمّرة، والتي استمرّ حصارها حتى أيار/مايو 2014، يوم خرج الساروت برفقة آخر مقاتلي المدينة منها، حيث أجبرهم أسد "الجوع أو الرکوع" على تسليم المدينة شرط أن يُفكّ الحصار عن أهلهم فيها.

الساروت أيضاً هو أحد القيادات الكاريزمية حقًا، والقليلة جداً في الثورة السورية، والوحيد بينهم الذي نجا من جميع محاولات اغتيال النظام السوري له، وقد كانت عبارة "عبد الباسط الله يحميك" هتافًا شهيرًا يهتف به كثيرون من شباب تدمر وحتى فتيات دمشق، وصولًا إلى مهاجرين سوريين في أوروبا. وحتى حين يتزوّج عبد الباسط الساروت فإن فنّاني الثورة السورية يوجّهون له تحيّاتهم على طريقتهم. وكما لاحظ من شاهد فيديوهات الأغنية العديدة أعلاه، صوت الساروت ظهر في عمل وصفي ووائل والراس والفرعي وسمعه ملايين العرب عمليًا. وثمة تقارير وأفلام عديدة عن هذا المغنّي والمقاتل الشابّ الفذّ.

للثورة غنوا، وللثورة يحلو الغناء ويطيب...