13-يناير-2017

(Getty) هوغ لاغرانج

في كانون الثاني/يناير 2016، صدرت الترجمة العربية لكتاب هوغ لاغرانج "نكران الثقافات" "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016". كان الكتاب قد نُشِر بالفرنسية (وعنوانه الأصلي: Le déni des cultures)، بتاريخ 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2010، عن مطبوعات "سوي، باريس"، لكنه حظي بشهرة ومقروئية كبيرة بعد أزمة اللجوء والهجرة التي نجمت عن الأوضاع السياسية في سوريا والعرق.

من أجل فهم المنازعة الاجتماعية الجديدة، يجب الاهتمام عن قُرب بالتيارات المهاجرة وبالثقافات

في هذا الكتاب المُترجم من قِبل سليمان رياشي، يُعالج السوسيولوجي الفرنسي، الذي بدا في هذا العمل صاحب ميولًا أنثروبولجية واضحة أيضًا، مشكلتي الهجرة والاندماج. يرى لاغرانج أنه، منذ الثمانينيات، قد ازدادت وتيرة الصراعات الاجتماعية في أحياء المدن الكبرى الأوروبية، وظهر على إثر ذلك تفسيران: "الأول يدّعي أن هذه المناطق قد تكون مسرح تفكك العائلات وتبدل أوجه التضامن [...]: أزمة في السلطة الأبوية، إفراط في التساهل التربوي، نقص الرغبة في الدراسة [...] أما التفسير الثاني فيشدد على الانطواء على الذات بين المهاجرين القادمين من تركيا وإفريقيا على نحو خاص". بصيغة أوضح، "أعراض مرضية لحداثة ترفض فرض سلطة ذات نسق على الشباب، من ناحية، ورفض قطعيٍ متنامٍ للحداثة من ناحية أخرى".

اقرأ/ي أيضًا: "منشورات المتوسط".. الاختراق عبر الكتب

يرفض لاغرانج هذين التفسيرين، مجادلًا أن "الانحرافات في أحياء المهاجرين تتجاوز دوافعها الصعوبات الاقتصادية - الاجتماعية، وتنهل من تجاوز السلطة وكذلك من عجز في استقلالية النساء والمراهقين [...] [كما أن] نظرية العودة إلى التقليد تبدو فاشلة بدورها، لأنها تميل إلى إسباغ سمة جوهرية على الثقافة الأصلية التي يتم فهمها بوصفها كتلة صوانية من التمثلات والمعتقدات في المنفى".

بالتالي، "من أجل فهم هذه المنازعة الاجتماعية الجديدة التي لا تمسّ الأحياء الفقيرة والمهاجرة فحسب، بل أقسامًا أخرى من المجتمع أيضًا، يجب الاهتمام عن قُرب بالتيارات المهاجرة وبالثقافات والبنى العائلية". وهذا ما يُحاوله الكتاب على مدى 12 فصلًا، متناولًا عائلات المهاجرين في فرنسا في علاقتهم بالوسط الاجتماعي العام وعلاقة الأبناء بالتعليم ومستوى تحصيلهم الدراسي والمسائل الجندرية، وفي ذلك يولي عناية كبيرة بموضوعات الذكورية والاختلاط وعمل النساء. أيضًا، يبحث سوسيولوجيا الجماعات المهاجرة، بما تضمّه من أقليات وعادات ومشاحنات بين الأجيال.

غير أن "نكران الثقافات"، بالرغم من قيامه على هذه الحجة المتميزة ذات القدرة التحليلية العالية، واستخدامه أدوات معرفية صلبة، لا يولي عناية بالإرث الاستعماري الفرنسي والماضي الدموي القريب بين الجمهورية الفرنسية والجزائر مثلًا، التي يتحدّر منها أكبر عدد من المهاجرين المغاربة، خصوصًا أن الأمر في التحليل الأخير، كما يُشير المترجم في مقدمته، "يتعلق ببلدان حكمتها الإمبراطورية الفرنسية واستغلّت مواردها وجندت أبناءها في جيوشها فحاربوا تحت إمرتها".



اقرأ/ي أيضًا:

علي الشوك.. سيرة ثقافية

طبعة جديدة من "السياسة" لأرسطو