29-مايو-2017

يعتبر المغرب من بين المصدرين الثلاثة الأوائل عالميًا للفوسفات (فاضل سنا/أ.ف.ب)

في الوقت الذي يستدين فيه  المغرب 67 مليار دولار بين ديون خارجية وقروض داخلية، وتعاني فيه ميزانية الدولة من تقشف حاد في النفقات العمومية، يستمر اقتصاد الريع في التغول على موارد البلاد، وتتواصل سياسة هدر الثروات المنجمية والسمكية الوفيرة التي تزخر بها المملكة.

يعتبر المغرب من بين المصدرين الثلاثة الأوائل عالميًا للفوسفات لكن دون أن تنعكس عائداتها على ساكنة القرى والمدن المغربية بشكل منصف

الفوسفات، هو إحدى هذه الثروات الوطنية التي تطرح جدلاً دائمًا وسط الرأي العام المغربي، حيث يعتبر المغرب من بين المصدرين الثلاثة الأوائل عالميًا للفوسفات، لكن دون أن تنعكس العائدات المالية الضخمة لهذه المادة المنجمية على ساكنة القرى والمدن المغربية بشكل منصف، ما يثير السؤال لدى المغاربة بشكل ملح حول "أين الثروة؟".

اقرأ/ي أيضًا: تعويم الدرهم: في أي سياق وأي تداعيات ينتظرها المواطن المغربي؟

المغرب يحتضن أكثر من ثلثي فوسفات العالم

تشكل مادة الفوسفات جوهر الإنتاج الفلاحي العالي التقنية، فمن خلال المغذيات التي يحتويها الفوسفات من نتروجين وبوتاسيوم، يتَعزز نمو المحاصيل الزراعية إلى درجة قصوى، كما تدخل بعض المواد المستخرجة من معدن هذه الثروة المنجمية، كالفوسفور، في الصناعات الغذائية والتجميلية، الشيء الذي يجعلها مادة مطلوبة عالميًا.

هذا ما يصب في مصلحة المغرب، الذي يحوز في أرضه على أكثر من ثلثي احتياطي فوسفات العالم، بنسبة تقدر ما بين %75 و85%، أي ما يكفي لتلبية حاجات العالم من هذه المادة مستقبلًا لمدة زمنية تتراوح على الأقل ما بين 300 سنة و 400 سنة قادمة، وفق دراسة نشرها موقع "إنيرجي سكيبتيك" المتخصص. ويحتل المغرب المرتبة الثانية بعد الصين دوليًا في الإنتاج بحوالي 29.5 مليون طن سنويًّا.

ليس هذا فحسب، بل إن المغرب، كما يقول الخبير البيئي ماثيو كيفيل للأسبوعية الاقتصادية "دي نومير"، يستحوذ لوحده على ثلث السوق العالمي من مشتقات الصخور النفطية، لما تتميز بها من جودة عالية ونوعية جيدة، لا تتوفر لدى بعض المصدرين للفوسفات المنافسين، من أمثال الصين والولايات المتحدة الأمريكية والهند.

ويتكفل المجمع الشريف للفوسفات، وهو شركة تابعة للدولة، باستغلال كافة مناجم الفوسفات المتواجدة بالمغرب، من الاستخراج مرورًا بالإنتاج إلى التصدير نحو الخارج، وتتوزع حقول الفوسفات على مجموعة من المناطق المغربية، في وادي زم وخريبكة وبن جرير واليوسفية، وأقاليم أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: "طنجة تيك".. ماذا وراء تدفق الاستثمارات الصينية نحو المغرب؟

كم تبلغ مداخيل الفوسفات المغربي؟

بحسب التقرير المالي السنوي للمكتب الشريف للفوسفات المغربي، فإن المملكة حصلت على إيرادات من تصدير الفوسفات نحو الخارج في سنة 2016، تبلغ 42.471 مليون درهم، أي ما يقارب 4.2 مليار دولار، بانخفاض بنسبة %11 مقارنة مع السنة الماضية، التي سجلت 47.747 مليون درهم.

لكن تقارير دولية، منها جريدة "نورثيرن مينر" الأمريكية، تُشكّك في الأرباح المعلن عنها من طرف المجمع الشريف للفوسفات، وذلك بسبب أن الشركة المغربية لا تدرج معاملاتها المالية في البورصة، وبالتالي يتعذر الاطلاع بشفافية على الأرقام الحقيقية الخاصة بتجارة الفوسفات بالمملكة، وتقول الصحيفة إن الرقم الحقيقي يتجاوز المصرح به.

تشكك عديد التقارير الدولية في الأرباح المعلن عنها من طرف المجمع الشريف للفوسفات في المغرب وتقول إن الرقم الحقيقي يتجاوز المصرح به

وفي ظل استغلال الصين والهند المكثف للفوسفات الذي بحوزتهما، فإنه من المرتقب أن يستأثر المغرب في العشر سنوات القادمة على مجموع فوسفات العالم تقريبًا، بفضل احتياطاته الهائلة من هذه المادة، الأمر الذي يسمح للمملكة بتحويله إلى ثروة ذهبية تزيح النفط عن قائمة المواد الطبيعية الأكثر غلاء وإقبالاً عالميًا، ولا سيما مع الحاجة المتزايدة للفوسفات في الأسواق العالمية.

لكن رغم ذلك يواجه المغرب تحديات صعبة في استغلال احتياطاته الضخمة من الفوسفات، إذ تستنزف عمليات إنتاج مشتقات الصخور النفطية الفرشات المائية وتستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة، كما أن معامل الإنتاج تخلف وراءها سمومًا مضرة بالبيئة، تحتاج إلى خبرات ونفقات للتعامل معها بشكل أمثل، حتى لا تسمم موارد السكان.

مناطق الفوسفات فقيرة

المناطق الحاضنة لحقول الفوسفات في المغرب تعاني من التهميش والإقصاء والخدمات العمومية، ما يدفع ساكنيها إلى التظاهر والاحتجاج

تثير المداخيل الضخمة العائدة من تصدير الفوسفات استغراب ساكنة المغرب، حيث أن قسمًا واسعًا منهم لا يشعر باستفادته من هذه الثروة الوطنية، بحكم أن الدولة مسؤولة عن تصريف عائداتها المالية على شكل خدمات عمومية، من صحة وتعليم وفرص شغل، الخدمات التي بات المغاربة يشتكون من افتقادها.

بل إن المناطق الحاضنة لحقول الفوسفات، تعاني نفسها من التهميش والإقصاء في البنى التحتية والخدمات العمومية، ما يدفع ساكنيها إلى التظاهر والاحتجاج طلبًا لفرص الشغل لأبنائهم، كما يحدث بين الفينة والأخرى في مدينة خريبكة واليوسفية، وبدل أن تستفيد ساكنة المناطق المحتضنة لهذه الثروة الوطنية،  تصلهم فقط أكوام مخلفات الفوسفات التي تسمم بيئتهم.

فضلاً عن أن الفلاحين المغاربة لا يستطيعون اقتناء الأسمدة الفوسفاتية من أجل تغذية أراضيهم الفلاحية، نظرًا للسعر المرتفع الذي تباع به أسمدة الفلاحة داخل الأسواق المغربية، علمًا وأن البلد يحتضن القسم الأوفر من فوسفات العالم، ويستحوذ على ثلث سوق الفوسفات العالمي من كافة أنواع منتوجات الفوسفات.

على صعيد آخر، كشفت الغارديان البريطانية في تقرير لها، أن مناجم الفوسفات بالمغرب تتسبب في تلوث الهواء والمياه ومن ثمة تسميم البيئة المحيطة، بسبب طريقة إدارة النفايات الصناعية غير الآمنة، كما أكدت تعرض العمال لأمراض صحية ناجمة عن العمل داخل هذه المناجم، علاوة على السكان المحليين الذين يتضررون من تسرب النفايات الصناعية إلى مواردهم.

كل ذلك يوحي إلى أن المغرب ليس بلدًا فقيرًا كما يبدو ظاهريًا في إحصائيات الفقر والتنمية، بقدر ما يعاني من سوء تدبير لثرواته الضخمة، ومن الفساد المتفشي في دواليب الدولة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الجفاف كابوس الاقتصاد بالمغرب

رفع الدعم عن المواد الأساسية.. هل هلع المغاربة مشروع؟