‏أريدُ اسمًا جديدًا

‏أريدُ اسمًا جديدًا

إدوار شهدا/ سوريا

1

لم أنتهك يومًا جسد اللغة!

وما سكبتُ الكآبةَ في إناء المعنى

لكني كتبتُ

لأبحثَ عن علاجٍ لعوارض الندم!

*

 

لستُ محظوظًا

لأنجو

فكلما كتبتُ سال الدمُ من يدي

وبكت أصابعي

كأنني أكتبُ حربًا

لأنهزِم

‏هذه لغتي

تمنيتُها على هيئة الماء

لأُطفئ بها نارًا أشعلتها يدُ الصمت

وها أنا في كُلِ يومٍ

في كُلِ ساعةٍ

في كُلِ ثانيةٍ

أحترق!

كأنني أبحثُ عن بئرٍ في الغيم

لأشاكسَ بهِ هذا اللهب العظيم

الذي افتعله الحزن

في صحاري القلب.

 

2

‏أتبعُ العُمرَ

أتبعُكِ

لا ليل يضيءُ قلبي

ولا قبسًا يُنيرهُ سواكِ.

 

أكتبُ أيامي

وأمحوها

فلا شُغل لي غير ذلك!

 

لأنكِ بعيدة

تذبلُ الحروف

وتموت.

 

لأنكِ الماء

يعطشُ قلبي

ويجف.

 

لأنكِ الهواءَ

تنكمشُ رئتي

وأختنق.

 

ولأننا بعيدانِ

أحاولُ قتلَ المسافة

وها أنا أكتب.

 

3

‏أريدُ أن أبكي منذُ ثلاثة أيام

محاولاتي كُلها باءت بالفشل

أشعر أن رأسي سحابةُ حُزن ضخمة

تأبى أن تُمطِر!

أو ربما أنني قطعة هائلة من الإسفنج

تمتصُ كُلَ دموع الأرض

ولا تذرفها.

 

4

‏أنا في الضباب قصيدةٌ

وفي فحوى الليل أغنيةٌ

أنا بيدرٌ خاوٍ

وعشرُ لغات

أنا للطريق منحتُ أيامي وخُطاي

ووهبتُ قصائدي لحبيبة تبكي على غيري

أنا للحياة غريقها وحريقها وقصائدي نورٌ ونار

أنا في القليل كثيرهُ ووفيره

أنا كل خسارةٍ

وكل ما كتبته يداي من الندم!

أنا كل ما وضعته الحرب من أوزار.

 

5

‏كان العمر أقصر من أن أقول لكِ شيئًا

وكان الباب أوسع مما هو عليه

كل شيء كان عالٍ

وحده صوتي كان منخفضًا

وبلا قصد

بقيتُ أبحث في عينيك عن قصيدة ضائعة

بقيتُ أبحث في عيون الناظرين عن وجهٍ لي

أرتديه بعد ذهابك

الحب الذي كان يجمعنا

ظلَّ يكبر

حتى طار في الهواء

مثل بالونة أفلتت من يد طفل.

‏رحلتِ خلسةً

ولم تسمعيني..

كل ما أردت قوله هو أني أحبك.

 

6

‏أنتِ طيبةَ جدًا

وهذا العالمُ قاسٍ

وبخيل.

أنتِ بحاجة إلى ضحكة

ضحكة واحدة

لتعيدي ترتيب فوضى العالم

وليكون كل شيء على ما يرام.

 

7

‏لم أقتل شعورَ الفرح بداخلي

ولم أسرق ضحكةً من أحد

عشتُ أفتشُ عن السعادة

بعيدًا عنكِ

في أصقاع الأرض

وفي عتمة المنافي.

لم أعرف أنكِ رحلتِ خلسةً

بلا موعد

ولا عتب

لم أعرف أنني خسرت

وها أنا أسلّمُ نفسي للحزن بعدَكِ

بمحض إرادتي

بعد أن عِشتُ هارباً منهُ

مثلَ لصٍ هاربٍ من وجه العدالة.

 

8

‏ولدتُ

قبلَ آذار

كما تولدُ الأزهارُ

في أرضٍ حزينة

وباردة

وعثرتُ على اسم لي

بسيطٍ في تكونيه

يسقي أوراقهُ الخضراءَ

على شُرفة العزلة

عشتُ طفولتي

كالعُشب

أنمو في جبلٍ يُطِلُ على الماء

لم يكن بحرًا

كان صخرًا

تعلّمتُ الرقص

والرسم

واللغات

ولم أكتب الشِّعر..

هو من كتبني.

 

9

‏أريدُ لي اسمًا جديدًا

أريدُ عائلةً

ووطنًا

وشهادةً في الحزن.

أريدُ زهرة عباد شمس

أريدُ شمس

أريدُ سماءً أكثر زُرقة

وأعشابًا

وشوارعَ خالية من الدم

أريدُ قبرًا بشاهدة تُطِلُّ على البحر

وأريدُ جثتي التي فقدتُها في الحرب.

 

10

‏سأجرب

لمرة واحدة

ألا أكتب عن الحزن

سأجرب

أن أتجاهلهُ

ولو لمرة واحدة

سأجرب

أن أكتب شيئًا آخر

لكن ...

ماذا سأكتب إن كنت لا أعرف شكل نقيضه؟

 

11

‏لو أنني أكتُبكِ كاملة

بلا نقص

ودون فكرةٍ مسبقة

أترككِ كما أنتِ

ساحرةً وفاتنة

في منتصف السياق

تهيئينَ لي السرد

وتعبرين النصَّ حتى النهاية

بلا حواجز

ودونَ علامات ترقيم

لتصِلين للخاتمة سالمةً

وتضعينَ بيدكِ الناعمة

نقطةً واحدة

تُنهي كُلَ مأساتي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هذا الحزن صديقي

العالم مركبة ستدهسنا جميعًا