يوسف الشاهد..تلميذ منفّذ

يوسف الشاهد..تلميذ منفّذ "ما شفش حاجة"

يوسف الشاهد خلال بروتوكول رئاسي (أمين لندلسي/الأناضول)

في خضم الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها جهات عديدة في تونس، خرج على التونسيين الوزير الأوّل يوسف الشاهد في حوار تلفزي، حاول خلاله أن يبلغ بأنه يجتهد ويعمل ويحارب الفساد، بيد أن محاولته لم تصب هدفها، إذ أكد يوسف الشاهد في حواره بأنه مجرّد وزير أول لا رئيس حكومة، وفق ما يفترض الدستور، حيث لم يبرهن على ما يفيد بأنه يملك زمام الأمور بيده. والمشكل ليس في خطابه الباهت ولكن في عدم وعيه بحقيقة الأزمة في تونس.

فحينما يقول الشاب الصغير للمعارضة، بأنه لن يسمح بمعارضة الدولة، فذلك يكشف حنينه لإحدى أساليب النظام السابق، وهي المماهاة بين معارضة الحكومة ومعارضة الدولة، وذلك حينما تُنصّب الحكومة نفسها بأنها حامية البلد والمواطنين، وبأن الوطنية تُقاس بتأييدها.

يؤكد الوزير الأول التونسي أنه يحارب الفساد بشكل يومي، لكنه تناسى إقالته الوزير المكلف بمكافحة الفساد!

كما تفاعل يوسف الشاهد ببرود مع الاحتجاجات في القيروان، إذ ردّ بعجرفة على رفض شباب المحافظة الانخراط في منظومة عقد الكرامة للتشغيل، بقوله: "وما المشكل ألا يقبلوا، لن نوفر لهم مواطن شغل على المقاس"، وهو ما خلّف حالة احتقان لاحقًا في القيروان مما اعتبر تحقيرًا لهم.

ويكشف هذا الردّ في خضم احتجاجات مشحونة، أن الشاب الصغير يوسف الشاهد لا يفهم اللحظة، ولا يعي خطورة الوضع القائم وتبعاته، وهذه المعضلة هي نتيجة أن يكون رئيس الحكومة ضعيف الثقافة السياسية، ومتواضع التجربة، ولا ميزة له إلا بأن رئيس الجمهورية السبسي يحبّه.

اقرأ/ي أيضًا: الشاهد.. المخاوف من مستقبل أزمة تونس مستمرة

وأكد يوسف الشاهد في حواره مرارًا وتكرارًا على أنّه يحارب الفساد بشكل يومي، ولكنه تناسى -وهو ما تغافل عنه الصحفيون كذلك- بأنه قبل شهر واحد أقال الوزير المكلف بمكافحة الفساد، والذي أعلن في ندوة صحفية أنه لا توجد إرادة سياسية لمكافحة السرطان الذي ينخر في الاقتصاد التونسي. وحينما سُئل حول وعده بوضع الفاسدين في السجن، قال يوسف الشاهد إن هذه مسؤولية القضاء الذي قامت حكومة الشاهد بتعميق أزمته عبر تعطيلها لإرساء المجلس الأعلى للقضاء.

يوسف الشاهد مهما حاول لعب دور المكافح للفساد، هو في النهاية نتاج شبكات متداخلة للفساد السياسي، فلم يحلم الشاب الصغير أن يصعد لرئاسة الحكومة لولا رغبة هذه الشبكات، وذلك بعد أن انتهى دور رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد.

في هذا الإطار، كشف عضو البرلمان الجيلاني الهمامي قبل أيام قليلة، بأن التخلي عن الصّيد جاء على خلفية رفضه منح عائلة السبسي 800 هكتار من أراضي بمحافظة بنزرت، إلى جانب رفضه تمكين العائلة من صفقة لحماية الحدود التونسية الليبية، دون العودة إلى لجنة الصفقات العمومية. هذا التصريح الخطير مرّ مرور الكرام في الإعلام، ولم تقم طبعًا النيابة العمومية بفتح تحقيق بخصوصه.

ويصرّ يوسف الشاهد على الإقناع بأنه يحارب الفساد، وذلك رغم دعمه لقانون "المصالحة الاقتصادية" الذي قدمه السبسي، ومن المنتظر مناقشته في البرلمان خلال الفترة القادمة، وهو قانون يقوم بتسوية جرائم الفساد المالي لرجال الأعمال والموظفين المتورطين خارج إطار العدالة الانتقالية، وبتكريس الإفلات من العقاب.

هذا القانون الذي طرحه السبسي لأول مرّة في صيف 2015، يلاقي رفضًا واسعًا في الشارع التونسي ومن الجمعيات الحقوقية والمتخصّصة في مكافحة الفساد، ويبدو للآن أن المعركة لا زالت مستمرّة لإسقاطه مجدّدا، إذ تُصرّ السّلطة حاليًا على تمرير هذا القانون الذي يكرّس جوهريًا للفساد، وذلك في جو اجتماعي مشحون، وفي ظلّ ادّعاءات صورية بمكافحة الفساد.

يُصر يوسف الشاهد على الحديث بحرارة عن مكافحة الفساد، رغم دعمه قانون "المصالحة الاقتصادية" الذي يُكرس جوهريًا للفساد

والطّريف أن يوسف الشاهد برّر دعمه لمشروع القانون بأن "الموظفين السامين في الدولة، باتوا يخافون الإمضاء على الوثائق خشية تتبعهم لاحقًا"، وهو عذر أقبح من ذنب، لا يؤكد إلا على أنّ يوسف الشاهد "حافظ مش فاهم"، فجميع الموظفين الذين وقع تتبعهم في ملفات فساد مالي، ثبت لدى القضاء تورطهم فيها، فهل المطلوب العفو عنهم؟ وممّ يخشى الموظف الحكومي إن كان يعلم أن معاملته لا يشوبها فساد؟

اقرأ/ي أيضًا: مكافحة الفساد في تونس.. يسخرون منّا

ويصرّ يوسف الشاهد على الحديث بحرارة عن مكافحة الفساد رغم إن حكومته قدمت مشروع قانون هزيل بخصوص هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، وهو مشروع قانون يُفرّغ هذه الهيئة التي نصّ عليها الدستور من مهامها الجوهرية، وقد لقي هذا المشروع رفضًا من هيئة مكافحة الفساد الحالية، التي اعتبرت مشروع الحكومة لا يوفر المقومات المطلوبة لمكافحة الفساد.

في النهاية، يحاول يوسف الشاهد جاهدًا أن يظهر وكأنه يمسك جميع الخيوط في يده، ولكنه لم ينجح حتى في لعب دور الكومبارس. يوسف الشاهد الذي لم يتسيّس إلا بعد الثورة، والذي تنقل بين ثلاثة أحزاب قبل حلوله بحزب نداء تونس، لا يمكن أن يكون رئيس حكومة في سياق انتقال ديمقراطي ووضع اقتصادي حرج؛ هذا الوضع الذي يحتاج حكومة سياسية قويّة، ورئيس حكومة مدبّرًا لا مُنفّذًا. يوسف الشاهد ما هو إلا تلميذ مُنفّذ لم يحقق علامة المتوسّط بعد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكافحة الفساد أو الحرب الكاذبة في تونس

تونس ذلك السجن الصغير