تونس ذلك السجن الصغير

تونس ذلك السجن الصغير

محتجون مناهضون للحكومة يلحون بالأعلام التونسية

تونس ذلك السجن الصغير لماذا تقتل فيك كل بوادر الأمل بحياة أفضل! في بلدي لا يمكنني أن أحلم ومحال تحقيق كل تلك الحكايات التي نظل نسمعها يوميًا عن أناس صنعوا من الضعف قوة وتمكنوا من كسر حواجز المستحيل والحصول على الحياة الأفضل التي طالما تمنوها! أنت لست ممن ولدوا على هذه الأرض وفي أفواههم ملاعق ذهبية، أنت البائس المضطر للكفاح سنوات عديدة لتنال رغيف خبز دائم وتحصل على نصيبك في حياة روتينية تعيسة وتظل شهورًا وأعواما تحدّث نفسك محاولًا إقناعها بأن الرضا والقناعة كنز لا يفنى حتى تكتشف يومًا قدر الأكاذيب التي صنعتها وصدقتها فقط لتتجاوز آلام القهر.

عدنا كشباب نفكِّر في الهروب من هذا السجن الضيّق ونحن نجرّ أذيال الخيبة والانكسار من أحلام ضاعت وثورة سلبت منّا

بتقدّم السنوات على هذه الأرض يصبح مجال طموحاتك أضيق وتجد نفسك يومًا بعد يوم ذَا قابليّة أكبر لاستيعاب كل السيناريوهات السيِّئة في حياتك والتّي كنت تظّن نفسك يومًا بعيدًا جدًّا من أن تقع فيها!

اقرأ/ي أيضًا: 10 أحكام مميّزة لدستور العائلة التونسية

اجتحنا الشوارع ذات شهر كانون الأول/ديسمبر من عام 2011 وعرّضنا كشباب حياتنا للخطر، خطر الإصابة برصاص القنّاصة الذين يعتلون المباني أو التعرّض للضرب والدهس من قبل قوات حفظ النظام وتمكّنا رغم ذلك وفي أقلّ من عشرين يومًا بالإطاحة بأحد أعتى الأنظمة البوليسية في العالم! عشنا بعدها أيامًا عصيبة مضطربة ولكنّها كانت مليئة بالأمل والحماس والحلم ببلد أفضل يستوعب أحلامنا البسيطة كشباب تونسي لا نكون فيه مضطرّين للمجازفة بركوب الأمواج للوصول إلى الشواطئ الجنوبية لأوروبا أو فعل المستحيل لإغواء سائحة أجنبية عجوز بإمكانها فتح طريق الهجرة لإحدى العواصم الغربيّة!

لم أكن أعلم شيئًا وقتها عن تاريخ الثورات في العالم ولم أقرأ عن كون الأمر يؤدي في الغالب إلى فتح المجال لكل الانتهازيين، الوصوليين وغيرهم من محبّي السلطة والظهور ليصبحوا هُمُ المتحكمين بمصير الملايين من الأشخاص ويزيدوا من توسيع الهوّة الاجتماعية بين الفقراء والأغنياء بل ويصيروا عارضين ذممهم على أعتاب السفارات الأجنبية ومجرّد عبيد أذلاّء لدى من يدفع أكثر!

الآن وبعد سنوات من الثورة التونسيّة أعاد التّاريخ نفسه وتكرّر بطريقة شنيعة للغاية، عدنا كشباب نفكِّر في الهروب من هذا السجن الضيّق ونحن نجرّ أذيال الخيبة والانكسار من أحلام ضاعت وثورة سلبت منّا، البعض منّا اختار الهروب من مواجهة هذا الوضع البائس والانتحار حرقًا نسجًا على منوال البوعزيزي الشاب الذي كان موته سببًا في اندلاع أول الاحتجاجات الشعبيّة، والغالبية إما اتجهوا نحو طريق التّهريب والإجرام أو اختاروا التطرّف الديني والذهاب إلى بؤر التوتُّر في الشام والعراق بحثًا عن أمل زائف في حياة أفضل بعد الموت.

اقرأ/ي أيضًا:
أهنئ كل اللواتي يحتفلن بعيد المرأة
مكافحة الفساد في تونس.. يسخرون منّا