ويليام ت. فولمان: ثلاث قصص

ويليام ت. فولمان: ثلاث قصص

منحوتة لـ منسود كيكو/ البوسنة والهرسك

ويليام ت. فولمان (1959) روائي وصحفي ومراسل حرب وقاص وكاتب مقال أمريكي. نالت روايته "Europe Central" الجائزة الوطنية للكتاب عن فئة الأعمال الروائية لسنة 2005. هنا ثلاث من مجموعته "الأطلس".


مؤخرة رأسي

سراييفو، البوسنة والهرسك (1992)

 

سُمعت فرقعة هواء حادة في القرب، أكثر صخبًا من قبل، ومن ثم فرقعة أخرى على مبعدة منها، حيث ترددت كصوت المعدن ولفترة قصيرة. لكن هذه التنويعات كانت ثانوية بالنسبة للصوت الرئيسي، الصوت الثقيل والكريه لسقوط الأرض على الأرض، كما لو أنه سقوط للدفن. من المؤكد أن كل منهما كان باعثًا على الحزن بطريقته، مثل سلسلة من التنهدات. كان أحد ما يلقي الأشياء على الأرض ببطء، كما لو أنه نوع مقيت من السأم. ارتطم شيء ما بالقاع. ارتفع دخان أبيض مائلًا بخمول شديد في الفضاء الساخن. إذ أنه لم يكن وقودًا ولا عجلات تشتعل. كان تحليل ذلك الصوت بمثابة الخطوة الأولى لعدم الاستماع إليه (على الأقل لوقعه الآتي من بعيد). بعد ثلاثة أو أربعة أيام، لم أعد أشعر بالطراوة الصارخة في مؤخرة رأسي، حيث تخيلت قناصًا يصوب قناصه. شعرت بأنف الرصاصة مصوبًا نحوي تمامًا مثلما تشعر بعينين يحدقان بك من الخلف. بغض النظر عن الاتجاه الذي استدرت إليه، كان القناص الذي كان سيقتلني يحرص على أن تكون مؤخرة رأسي في مرمى نظره.

كانت بقعة الطراوة صغيرة ومستديرة ومتمركزة. لماذا كانت تلك البقعة بالتحديد (منتصف القذال) لم يكن بوسعي سوى أن أنظِّر في ذلك. لعل الهدف كان بزاوية 180 درجة عن عينيّ، أبعد نقطة ممكنة على الإطلاق عن أي مكان بإمكاني رؤيته، النقطة التي اعتدت إطلاق النار عليها في رأس الأبقار لتُذبح. هذه الحساسية العبثية التي لا طائل منها استمرت لحين وصولي إلى المشرحة في مستشفى كوسوفو. في ذلك اليوم ومثل كل يوم كنت في المقعد الخلفي للسيارة محكمًا قبضتي على مقبض الباب بينما فرد من الميليشيا صرخ في السائق ليأكل الخراء ويسرع لأننا كنا في مكان مفتوح وبالغ الخطورة، لذا صرّت إطارات السيارة بالقرب من الركن، ثم قادها السائق بأقصى سرعة ممكنة. رأيت عداد السرعة يتجاوز 120 كيلومترًا في الساعة ومن ثم انعطفنا بحدة ثانية.

شعرت بحكة في مؤخرة رأسي. ليس بعيدًا جدًا، سمعنا صوتًا كصوت عود دبق يتفجر بدفء في الموقد. ثم تمزق شيء ما بروع. تذكرت الصوت المشابه الذي صدر عن مراقب الأمم المتحدة عند وقوفه على قدميه في المطار، قائلًا: هذا أمر سيئ. لا أعلم ماذا يعني ذلك. يبدو مثل سلاح رشاش، ولكن ليس من المفترض بهم امتلاك أسلحة مثل تلك. لربما كانت قذيفة. كانت قائمة ضحايا الأسبوع الماضي المعلقة في فندق هوليدَي إنْ، التي أعدّها معهد الصحة العامة، قد خمنت على أن 218 شخصًا قُتلوا وأصيب 1406 آخرون في البوسنة والهرسك، والتي كانت حصيلتها 90 قتيلًا و540 جريحًا في سراييفو، والتي أصبحت جليّة في غضون لحظات عندما شممت حصاد اليوم في المشرحة كما قلت ورأيت الدم الناشف على الأرض. إن مشرحة بلا كهرباء ولا ماء لهي مشرحة عديمة الرحمة. رأيت الرجل مجهول الهوية كانت قدماه قد نسفتا بفعل قنبلة يدوية.

طبقًا للقانون كان عليهم أن يحتفظوا بجثته لأربع وعشرين ساعة بينما هي تنتفخ وتفوح منها رائحة نتنة مستلقية على الطاولة، إذ إن كتلة من الخراء والدم ترسم نهاية أمعاءه. بجانبه يستلقي رجل في الخامسة والعشرين من عمره بوجهه الملطخ بالدماء (لم يكن في جسده إلا جرح واحد، خرم متقن من سلاح مضاد للطائرات)؛ كان الذباب ينهش جسده، وكانت إحدى يديه مضمومة. وجسده الأسمر العاري يميل إلى الاحمرار، ولكنه مبقع بلون أبيض مريع، فبدا تباينه مع الاصفرار الاستثنائي لجثة طفل (كانت قنبلة مضادة للدبابات قد فتكت به) على نحو بدا مخططًا له، إنه جانب جمالي، بخلاف وجه الطفل المبتسم كوجه دمية، كانت عيناه الداكنتان تتشققان. وكانت تفوح من الطفل كما الآخرين رائحة باعثة على الغثيان. كانت رؤية كيف تحرك رأسه لا تحتمل عندما حاول الطبيب الشرعي بسط الملاءة، وقام بقلبه مرار بينما جمجمته الصغيرة كانت تهتز؛ وفي نهاية المطاف لم يستطع الطبيب الشرعي القيام بذلك لأنه كان قد تحجّر غارقًا في دماءه المجففة، وكانت الملاءة قد تصلبت بنية اللون ومتشققة على بطنه حيث كانت أحشاؤه قد خرجت. رغم ذلك كله، سعى الطبيب الشرعي جاهدًا لرفع الملاءة بأسلوب محترف، وكان رأس الدمية يهتز جيئة وذهابًا بشكل متناغم. عندئذ تذكرت فتاة كرواتية صغيرة كنت قد رأيتها في متنزه في زغرب؛ كان شعرها ذهبي مائلًا للاحمرار وكانت تتأرجح. كانت تتحرك مثل هذه الدمية تقريبًا. أحياناً بدت ساكنة، بساقيها المنغلقتين على بعضهما البعض أمامها؛ في أحيان أخرى كانت تثني ركبتيها فجأة وتقوم بتقويسهما باطراد، ولكن صرير الأرجوحة كان دائما نفسه. جلس رجل بقصة شعر عسكرية قصيرة يدخن، كان لشعره لون الدخان الذي كان يزفره. بعد فترة قصيرة ألقى سيجارته في الرمل. سقطت بالقرب من مجرفة بلاستيكية لصبي واستمر دخانها بالارتفاع. مر أربعة صبيان بالقرب وانتزعوها من هناك. قاموا بتمريرها لبعضهم البعض وحاولوا أن يجعلوا بعضهم البعض يدخنون. الصبي الذي عثر عليها فعلًا، احتفظ بجائزته وراح يشاهدها بين أصابعه فيما يعلو منها الدخان بينما غادر جميعهم مطلقين صيحات معًا. استمرت الفتاة بالتأرجح. قُتل هذا التالي قبل بضعة أيام قال الطبيب الشرعي ذلك. لعلك لا ترغب في النظر. الرأس صغيرة وسوداء، كانت مثل كرة من الحشرات محتشدةً، والتي لسبب ما لم تكن قد هاجمت البقع الصفراء المنتفخة أدناه بعد. بجانبه تستلقي امرأة مبتسمة وملطخة بالدماء.

سألت الطبيب الشرعي: هل تظن أن هؤلاء الأشخاص قد ماتوا في ألم كبير؟ تنظر إليهم كل يوم، لربما تعرف ما يعرفونه...

أخذني إلى غرفة أخرى. وقال: عاش هذا الشخص لثلاث أيام. هل ترى كيف تفتحت أمعاؤه؟ يقولون بأنه كان يصرخ ليلًا ونهارًا. لكنني أظن بأنه حالة استثنائية. كان أخي قد أصيب بفعل قنبلة يدوية في الشهر الماضي. سألته كيف كان يشعر. قال بأنه لم يشعر بشيء. كان قد أصيب بجروح بالغة في ذراعه. قال بأن الألم لم يبدأ إلا مؤخرًا. لذا أعتقد بأن معظم هؤلاء الناس لم يشعروا بشيء.

أشعرني كلامه بالراحة. عندما غادرت المشرحة، عائدا إلى ردهة "من لم يموتوا بعد" خارج شباك المشفى المتشظي المغبر مثل قصاصات قماش رمادية حيث كان يجلس رجل يغازل الممرضات، ضمادة يده تظهر بارزة كوهج خريفي، وفتاة مبتسمة جلست تحت الشمس مع أصدقائها، كاشفة للرب ندبها تحت الركبة والعين مباشرة. رجعت إلى السيارة (كان رجل الميليشيا قد رفض الذهاب معي لأن آخر مرة حينما رفع الطبيب الشرعي الملاءة عن جثة مجهولة الهوية صادف أن تكون جثة صديقه)، اكتشفت أن مؤخرة رأسي لم تعد طرية. بعد ذلك، لم أكن خائفا من أن تصيبني طلقة هناك. لم أخف إلا من أن تتفجر معدتي. عمومًا كنت بالطبع لا أزال خائفا. بعدها بأسبوع، عندما كنت واقفًا خارج أحد العمارات السكنية قرب الجبهة، منتظرًا صديقي سامي ليشتري الفودكا، شعرت بضربة حادة أعلى رأسي. محاولًا تلمس الجرح، شعرت بالبلل في يدي. تنفست بعمق. أنزلت يدي عن رأسي ببطء ونظرت إليها محضرًا نفسي لرؤية الدم. لكن السائل كان شفافًا. في النهاية أدركت بأن المقذوف لم يكن إلا حبة خوخ سقطت من نافذة في الطابق الخامس عشر.

 

إنه أمر عصي على الشرح

سراييفو، البوسنة والهرسك 1992

 

جلست إلى الطاولة بجانبي، حبيسة الصمت كليًا بينما ينفجر محيطها بالضحكات كالقنابل. أخيرًا، سألتها لماذا كانت تعيسة جدًا.

قالت: إنه أمر عصي على الشرح.

حاولي.

لديك بضع كلمات فحسب. لدي بضع كلمات فحسب.

ثم قلت: إذًا ليست الحرب هي السبب. أظن بأنك دائمًا كنت تعيسة.

مالت نحوي وقالت: نعم.

فقلت: وأنا أيضًا.

ابتسمت. وضعت يدها الشاحبة على يدي. شعرت بحنو متسم بالعنف حيالها.

قالت: تعال. يجب أن أطهو الطعام لهؤلاء الناس. بإمكانك أن تبقى معي.

بينما خرجنا معًا، هتف الجميع بمرح للغزو الذي كانوا متأكدين من أنني قمت به. المضيف الذي أصيب مرتين منذ أن تطوع قبل شهر مضى كان ثملًا للغاية. كانت شقته من تلك الشقق التي لا تزال على حالها (أو لربما تم ترميمها بواسطة تلك السيولة المالية الخاصة التي تتطلبها الممتلكات أثناء الحرب)، بسجاجيد وخزانات ذات واجهات زجاجية وشبابيك (من المذهل رؤيتها غير مكسورة)، وبِسَطٌ من الفرو، وكل ما كان بوسعك شربه من ويسكي البالانتاين والفودكا. كان قد سحب مسدسه في وسط الحفلة وأعلن بأنه كان سيختبر سترتي المضادة للرصاص، التي كنت ألبسها. لمعت عيناه من القهقهة وتزعزعت السبطانة.

سألت: هل لي بالانتهاء من شرب كأسي أولًا؟

هتف قائلا: تعجبني أناقتك، جيمس بوند! خطى نحو الشباك وأطلق ثلاث رصاصات في الهواء، مزمجرًا. لربما قتل أحد الجيران ولربما انتهى الحال بالرصاصات في اللامكان. وأتذكر كيف أنها ارتجفت في حزن ويأس، مرتعشة بينما خفت صوت الرصاصات. قالت لي: كما تعلم، لدي خوف مرضي. أريد الذهاب معك، لكن ليس بإمكاني فعل ذلك. أخاف من الذهاب لأي مكان كان. يقع هذا الشارع وسط البلدة. إنه أحد أسوأ الشوارع للقناصين. وكل صباح عليّ الذهاب الى العمل، والذهاب إلى الطبيب لأجل والدتي. يجب عليّ الركض دائمًا. وليس بإمكاني النوم ليلًا. يرعبني صوت المدفعية. في تلك اللحظة كنت لأموت من أجلها لو أن ذلك ساعدها، ولكن لم يكن من شيء ليساعدها. لذا ذهبنا إلى الباب معًا، وضحك الآخرون.

بطبيعة الحال، كان الليل مظلمًا خارج الشقة المضاءة بالشموع. شعرنا بطريقنا نازلين عبر طبقات من السلم إلى الأسفل حيث كان الموقد، وانحنت هي عليه. قالت: بلا فائدة. وضعت يدي عليه وأدركت بأنه كان باردًا. لن نطبخ شيئًا اليوم.

لذا عدنا إلى الحفلة وحدّق الآخرون بنا. ظنوا بأننا حتما تشاجرنا.

قالت لي: مالا أفهمه هو أنه لماذا يتعين علينا أن نعيش.

الحياة ليس إلا حزنًا.

ولكنك قلت بأنك تحبين الموسيقى. ألا تعيشين لحظات سعيدة؟

سعادة؟ آه، نعم كومضات قصيرة. وحزن لسنوات وسنوات.

ما الذي قد يجعلك سعيدة؟

ألا أعمل. ألا أكون وحيدة تمامًا. ولكنني لا أستطيع، لأنني لا أملك مالًا. ولا أفهم لماذا يجب أن تملك أموالًا لكي تعيش.

كم من المال تحتاجين لكي تكونين سعيدة؟

لا أعلم. إنه مستحيل على أي حال.

مائة ألف مارك ألماني شهريًا؟

كلا، كلا هذا أكثر من اللازم.

إذًا كم؟

لربما مائتي مارك *

إذًا، إذا أعطيتك مائتي مارك ألماني يمكنك أن تكوني سعيدة لشهر؟

ابتسمت للمرة الثانية. ظنت بأنني كنت أمزح، وأعجبها المزاح. - نعم. أنت رجل جيد...

حينما حان وقت رحيلي، أخرجت النقود من جيبي وأعطيتها إياها، كان عليّ أن أجثو على ركبتي مقابل الشمعة الوحيدة في وسط الغرفة لأقرأ الفئات، هكذا كان الجميع يشاهدونني، وكان بإمكاني سماع ضحكاتهم تذوب في اللاشيء بشكل مخيف. ارتجفت ظلال يدي والنقود برهبة على ستارة القناص. لطخت وجوههم بالظلام.

لم تكن تقبل بها. وظلت تقول: أنت لا تفهم شيئًا.

رجاء، رجاء.

قلت: إذًا أنا لا أفهم شيئًا. خذيها. لا أستطيع المغادرة إن لم تأخذيها.

لا، رجاء.

أخيرًا استسلمت. لكن عندما بدأت بالخروج، ممهدا للنزول عن طبقات الدرج الباردة والمظلمة كليا، متذكرًا الدرابزين المصدِّئ في الأسفل ومن ثم الخطر الفظيع الذي واجهنا عندما كان علينا فتح الباب الأمامي والركض في الشارع المفتوح؛ عندئذ صاح رجل الميليشيا بغضب وألم لأنه كان قد ثمل وفعل شيئًا لفتح جرح في ذراعه حيث رصاصة لا تزال هناك تسحق العظم والذي كان ينزف في حينه من تحت كمِّ قميصه؛ بينما كان المضيف يضحك عند نداءه لي: هي تريد أن تقبلك، يا جيمس! بينما أدار السائق ساقية مسدسه؛ وفيما ثنت النساء أثوابهن حتى يتمكنَّ من الهرب، جاءت هي إليّ وشدَّت على يدي.

 

هل أنت على ما يرام؟

سراييفو، البوسنة والهرسك 1992

 

كلما كنت أجد هاتفًا يعمل، كنت أحاول الاتصال بتلك المرأة التي قالت بأن الأمور كانت عصية على الشرح. لم أتجاوز ذلك أبدًا. وأخيرًا، توصلت إليها ليلة ما قبل مغادرتي لسراييفو.

قالت: هل أنت على ما يرام؟ هكذا كان الجميع يلقون التحية على بعضهم البعض.

كانت هناك شظية صغيرة في يدي، ولكنها لم تؤذني. ماذا عنك؟

قالت بهدوء: وقعت قنبلة يدوية في بيت جارنا، كان ذلك مروعًا.

لكنك، لكنك على ما يرام؟

نعم.

للحظة لم يقل أحدنا شيئًا، ومن ثم قلت: على الأرجح سأغادر يوم غد. أخبرني طاقم بي بي سي أنه بإمكاني أن أقّل سيارتهم المصفحة. أعتقد أن ذلك يعتمد على ما إذا كانت الطريق إلى كيسلياك آمنة.

لا أظن أن صمتًا قد أطبق علينا بعد أن قلت ذلك، ولكن شعوري بالذنب حيال حريتي في المغادرة كان قد خيم صمتًا مع مرور الوقت وأغرق كل ما قالته في الواقع. كل يوم كنت أود الاتصال بها وأسألها: هل ما زلت على قيد الحياة؟ هل أنت على ما يرام؟ ولكن بالتأكيد لم يكن بإمكان أحد الاتصال بسراييفو.

 

هامش:

  • في عام 1992، كانت مائتا مارك ألمانية تعادلان مائة وعشرين دولارًا أمريكيًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

شارون أولدز: الشيطان يقولُ

فرانسيس هاربر: اقبروني في أرضٍ حرّة