20-نوفمبر-2023
قنابل مضيئة فوق قطاع غزة

(Getty) قنابل مضيئة فوق قطاع غزة

في فيلم زمن للقتل، من بطولة الممثل ماثيو ماكهوني والممثلة ساندرا بولوك، بالاشتراك مع النجم صمويل جاكسون، حيث تدور الأحداث في ولاية ميسيسيبي الجنوبية؛ يقرّر الأب الأسود كارل لي هايلي (صامويل جاكسون) أن يحقق عدالته الخاصة بنفسه بعد فشل النظام القضائي في إدانة الرجلين اللذين قاما باغتصاب ابنته وتركاها على حافة الموت.

وحين يقتل كارل الرجلين الأبيضين انتقامًا لابنته، تنفجر قنبلة العنصرية في وجه الجميع في وقتٍ كان الجنوب يعتبر السود مواطنين من الدرجة الثانية.

يوكِل كارل المحامي المغمور جاك بريجانس ليدافع عنه في المحكمة، ويبدو من الواضح أن الأب كارل في طريقه إلى حبل المشنقة، لكن المحامي ينجح أخيرًا في الحصول على حكم البراءة لموكله.

ما يعنيني هنا هو ذلك المشهد الختامي الذي يؤديه ببراعة فائقة ماثيو ماكهوني أمام لجنة المحلفين، حيث يطلب منهم أن يغلقوا أعينهم ثم يتخيلوا بأن ابنتهم كانت تمشي في الغابة بينما اعترضها شخصان قذران، طارداها، ثم ضرباها، ثم اغتصباها، ثم قاما بالتبول فوق جثتها، ثم رمياها كالنفايات، بعد ذلك يطلب منهم أن يتخيلوا بأن لون البنت أسودَ وليس أبيضَ، ما يثير صدمة في عقول المستمعين بعد أن ملأت الصورة عيونهم بالدموع.

يحضرني هذا المشهد المؤلم بقوة كلما عاودت مشاهدة كل ما جرى في مشفى الشفاء بقطاع غزة.

في زمن الحرب القذرة، المبررة، التي لا تستند سوى للهمجية، يقوم الكيان الصهيوني على غزة منذ أكثر شهر ونصف، بكل ما لا يمكن تخيله من إجرام يتسم بالفظاعة والشناعة والدموية

‎في زمن الحرب القذرة، المبررة، التي لا تستند سوى للهمجية، يقوم الكيان الصهيوني على غزة منذ أكثر شهر ونصف، بكل ما لا يمكن تخيله من إجرام يتسم بالفظاعة والشناعة والدموية. ارتكبت العشرات بل المئات من المجازر البشعة التي لا تفنن بها العدو الصهيوني ليظهر لشعبه وللعالم بأن انتقامه لا يتسم بأية رحمة، شاملًا القطاع المحاصر أصلًا من شماله لجنوبه، ومن شرقه لغربه، غير عابئ بأية إدانة عالمية أو إقليمية، وكأننا نعيش في عالم اسمه الجحيم.

‎غير أن ما حصل في مستشفى الشفاء مثال لا يضاهيه في شناعته كل ما حصل في المجازر الأخرى..
 حوصر المكان لمدة تقارب الأسبوع وتم قصف كل محيطه، برًا وبحرًا وجوًا، حتى تم إحراق المنطقة وتحويلها لركام وتراب.

‎وبعد ذلك اقتحمته الدبابات والآليات الثقيلة، حطمت ممراته، وهدت الجدران، وانتهكت الأقسام، قصفوا أماكن الأدوية، قطعوا الكهرباء عن الأجهزة، منعوا الدخول والخروج من المكان وعزلوه تمامًا عن العالم والصحافة، منعوا الطواقم الإغاثية، منعوا النجدة، وحطموا كل أمل يرجى في إنقاذ من علق هناك من أبرياء، منعوا دخول الطعام والغذاء والدم والوقود حتى أن غرف العنايات المشددة والرضع لم تسلم من شرهم. كان المشفى قد تحول قبل ذلك بكثير إلى مقبرة جماعية بعد أن نفذت الإمكانيات باستقبال جثث الشهداء الذين قتلوا بسبب القصف الهمجي في القطاع، ولذلك فقد انتهكت أيضا المقابر الجماعية.

حتى في زمن الحروب البربرية الغابرة، كانت الجيوش تتمتع بقدر من احترام الذات وتترك مساحة لهدنة حيث يعاد الاعتبار للضحايا بدفنهم كما يليق بالإنسان، الحالة هنا لا تشبه أي حالة، فالجيش الإسرائيلي لا يواجه جيشًا، بل يواجه عزلًا لا يستطيعون حتى المشي، فمن أخلي سابقًا تمكن من النجاة أما من لم يستطع النجاة فقد كان عاجزًا ومريضًا بالأصل.

ألا تشبه قصة مشفى الشفاء قصة تلك الفتاة السوداء البريئة التي تفنن الرجلان الأبيضان الشريكان بذبحها بعد اغتصابها والتنكيل بها؟

ولكن المحلفين هنا قد أغمضوا عيونهم وأغلقوا أفئدتهم وغادرتهم ضمائرهم قبل أن تحدث حتى المحاكمة العادلة التي تدين المجرم الحقيقي.

تحمل مشافي قطاع غزة أسماء لها من المعاني ما يدين الجريمة أضعافًا مضاعفة، فالشفاء استحال لموت زؤام، وسبق ذلك أن تحول المشفى المعمداني لمسرح جريمة حرب راح ضحيتها المئات من الأبرياء. "المعمداني" الذي قطع رأسه في فلسطين ودفن في دمشق.