13-يونيو-2017

محل بكداش (الترا صوت)

المدن كالبشر أيضاً.. لها ذكرياتها وأفكارها وإبداعاتها التي تخصها بنكهة مميزة، فلا اسطنبول دون الفاتح وتقسيم، ولا قاهرة دون المعز والأهرامات والحسين، ولا بيروت دون الحمرا وصخرة الروشة، وكذلك دمشق..فلا دمشق دون الحميدية والأمويين وسيفها وبكداش.

من يدخل سوق الحميدية لا يخرج منها دون "طاسة" من بوظة بكداش تُخرج الحر من جوفه

قلة من العرب لا يعرفون "بوظة بكداش"، التي تتوسط سوق الحميدية، كمشوار حتمي لكل من يدخل السوق الشهير، لا يخرج منه دون (طاسة) بوظة تُخرج الحر من جوفه، وحرّ الشام لذيذ ومسالم وبسيط، (طاسة) واحدة تكفي ليعود السلام والبرد لروح أي زائر لمدينة بعمر دمشق وتاريخها.

اقرأ/ي أيضًا:  بسطات سوريا.. اقتصاد الظل والبسطاء والفساد

بوظة بكداش

وسط السوق التاريخي

هو سوق الحميدية الشهير الذي أخذ شكله الحالي في عهد السلطان عبد الحميد الأول عام 1780 م، ونسب إليه فصار اسمه الحميدية، ويشتهر السوق بتاريخه العريق، ولا تكتمل زيارة دمشق إلا بزيارته، وذكره الرحالة كثيرًا في زياراتهم لسورية والشرق.

في السوق، التي كانت قبل الحرب مزارًا للسواح من كل أصقاع العالم، تباع البضائع من كل صنف ولون وأهمها الصناعات التراثية مثل المصنوعات النحاسية والأرابيسك والمصدفات والأقمشة بكافة أنواعها الحريرية والقطنية والمطرزات والصناعات التراثية السورية.

أما السوريون فيشترون كل حوائجهم منه فهو سوق الطبقة الوسطى والفقيرة، والباحث عن هدية ولباس مهما كان رصيده المادي يجد ضالته، ولا يعود خائباً.. ولكن كل هذا التاريخ يحتاج إلى لمسة وذائقة لا يمكن أن تكتمل إلا بالمرور في محل بكداش للبوظة الدمشقية الشهيرة، وهو عبارة عن صالتين واحدة سفلية للعموم، وعلوية تشبه بيتاً دمشقياً عريقاً للعائلات.

صيفي.. شتوي

مهلبية

في الشتاء لا يتوقف محل بكداش عن تقديم ضيافته الشهيرة التي تأخذ حلة جديدة فهي تنتقل من البوظة الباردة إلى المُحَليات الشامية الدافئة، فالبوظة تصير (مهلبية) ولها طريقتها في الصناعة وتضاف إليها المنكهات والفستق المبروش، وهي عبارة عن نشاء وحليب وسكر، وتصنع كذلك بالأرز.

بكداش الحاضر في صيف الشام وشتائها اليوم هو بحكم المهدد بالإغلاق كآخر الملامح التاريخية التي فتكت بها الحرب، وأرادت لها أن تذهب في مهب الزوال بعد أن كانت قبلة باردة لأرواح المتهافتين على الشام.

بكداش الحاضر في صيف الشام وشتائها اليوم هو بحكم المهدد بالإغلاق كآخر الملامح التاريخية التي فتكت بها الحرب

ضرائب بالملايين

التضييق على دمشق القديمة ليس جديدًا فقد شهدت هذه المدينة الأثرية مد وجزر الحكومات السورية المتعاقبة التي لم ترَ فيها أكثر من جاذب سياحي يمكن استبداله ببعض المطاعم الحديثة التي أكلت وجه المدينة الأثري، وهذا ما حصل قبل الحرب كتوجيه إنذارات بالإخلاء إلى أصحاب المحال التجارية في أسواق (الحمراوي والبزورية)، ولكن لجان المدينة القديمة وسكانها استماتوا بالدفاع عنها، وآزرتهم أقلام سورية حريصة على تاريخ البلاد وتراثها، من منظار بعيد عن استثمارات التجار والساسة.

اليوم وحسب بعض المواقع الصحفية المحلية، وزارة المالية السورية فرضت عبر موظفيها المزاجيين والمرتشين ضرائب الملايين على محل بكداش وعدد من محال البوظة مما يجعلها مهددة بالإغلاق، وبالتالي زوال أحد نكهات دمشق التاريخية. لأن المدن كالبشر لا بد من مسعف لروح الشام.. وأهل الشام، وبكداش الشام.

اقرأ/ي أيضًا:  رمضان الشام.. شهر الغلاء واستذكار الغائبين

 بكداش

بكداش

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"قطع الطريق".. كرم سوداني فريد في رمضان

تونس العتيقة.. محط الرحال في شهر رمضان