وحدهم الغرباء من يكسرون رتابة الأمكنة

وحدهم الغرباء من يكسرون رتابة الأمكنة

مدخل الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1955 (Getty)

هل كانت بيروت الستينيات لتبدو بمثل ذلك البهاء والارتجال، لولا الغرباء الذين رتبوا وقتها، وهندسوا مسافاتها بحسب ساعات انتظارهم الممطوطة في المنافي؟ وهل كان لأرصفتها ذاك الدفء واللهو لولا تسكعهم هناك لإلهاء الحزن، ونسيان أخبار البلاد البعيدة المزكومة برائحة المعتقلات، والإعدامات، والجثث المرمية على عجل، قبل أن ينتبه أصحابها؟

هل كانت بيروت الستينيات لتبدو بمثل ذلك البهاء والارتجال، لولا الغرباء الذين رتبوا وقتها؟

عندما قَدِم المدّ العراقي إلى الشام استعادت دمشق جشعها، خفتها، شهيتها للمسكوف والكباب كأفضل ما يمكن، فتحت الشوارع مصراعيها لليل، للمطاعم والسباب، واللهجة الحبيبة للأغاني، واللطميات، وتعلمتُ معنى "القيمر" لأول مرة. حملتْ بغداد راقصيها ومثقفيها وشعراءها وأفاقيها إلى شوارع الشام، حملت روائحها وقهرها، وتهتك واصليها، سكرهم ودوختهم كي لا يعوا كيف خَلُصت البلاد إلى ذاك الخراب، كيف انتهى التاريخ واغتيلت العمارة، كَسر العراقيون بفوضاهم إيقاع المدينة الباهتة إلى الأبد، تفتت ليل الشام كمرايا بألف وجه وضوء، وكُسرت أيضا قلوب الصبايا، اشتكين من خلطة الجلافة والشبق، الشعر والبكاء، وعندما غادر العراقيون كلٌّ إلى منفاه تاركين وراءهم قلوبًا متشظية لم تصدق آنية كل هذا.

بعد الملهاة السورية، وانكفاء الشام على التخوين، واكتفائها بالكآبة والعتمة، أتيتُ بيروت، بتلك الذاكرة التي حملتها طويلًا، أتيت مدينة النور والحرية، وقصائد درويش وتفاحاته، وانفتاح الرمان على الاحتمالات، وزعبرات استرخاء الرحابنة بين المسرح والأغنيات، وطفولة طلال حيدر في الريد شو، أتيت محملة بشحنة انفعال المنفيين والمتسكعين والحزانى وهم يعيشون الحاضر مغمسًا بالانتظار، لكن بيروت عندها كانت قد أصيبت مثلنا، أصيبت في روحها، فقدت براءة لامبالاتها، تعاليها، أرهقت بعد أن هلهلت الحرب كل مفاهيمها، وتحولت مدينة مغموسة بواقعنا وكثرتنا حد التجمد، حد الموات، لم تعد بيروت مسرحا للحكايات، أصبحت هي الحكاية، وملت الرواة.

فالمدن المرهقة تلفظك كمرار الفم، لا تتحملك لأنك وجعها، وصورتك القبيحة في وجدانها، تغتصب جمالها بأسمالك، في هذه البلاد المتعبة أتذكر حكاياتنا وأتحسر على زمن كانت فلسطين فيه حكايتنا. ولاؤنا لها، وأناشيدنا التعبوية البلهاء وعنتريات العروبة، وخبطات أقدامنا الهدارة تسفح فوق أرضها الحلم. كنا بشرًا نحلم بعودة لم نغادر من أجلها، وبأوجاع قلب كانت ملائكية فقط، كي نشبه صورتها في يقيننا.

في حرب 48، استشهد عمي مطانيوس في فلسطين، أجمل الأعمام، أكثرهم تعلّمًا ولياقة، منح أخي وسامته، وألبس تيتا رحمة السواد قهرًا عليه حتى ماتت، وقدّرت نجود ابنة عمي أني ورثتُ الأدب، وتذوقت الجمال بفضل روحه التي تركت في صندوق مخبأ قصائد بالفرنسية والإنجليزية. عمي مطانيوس الذي استشهد في فلسطين كان أسطورة العائلة، شهيدها، بكته ذاكرة الضيعة بسنواتها كلها، ورثاه الرجال، صورته على الدبابة، ذاتها التي احترقت به، اندغمت بدموع جدتي وقهر عماتي الجميلات، وبحرقة قلب أبي على أخيه الحبيب.

قبل أن يغادر عمي الجميل إلى استشهاده، ودع مطانيوس، باسمه الآرامي، أبي المراهق عند الفجر، أيقظه من نوم خدر على بيدر القمح، مسح عن فمه بقايا إقياء عرضي سبّبه البرد، في تلك القرية المتسامقة نحو الغفران، المستسلمة لصقيع الأحراش، ولسرو الله الأكثر علوًا، سلمه وصية واحدة، عليك أن تتعلم وتخرج من هنا.

لولا المدن وغرباؤها هل كانت لتبدو قصائدنا وأفلامنا ورواياتنا بمثل ذلك الحزن والروعة أو حتى الرداءة؟

عمي مطانيوس لم يكن فلسطينًا كي يُنسى، وزوج عمتي الذي ظل يلقب بـ"الحج" طوال عمره ، فقط لأنه زار بيت لحم لم يكن فلسطينًا، لم يكن الجواهري سوريًا كي ننتقد قصائده، ولا درويش لبنانيًا كي لا تكون فراشة حجرية بيروت، عندما فرش إدوارد سعيد مائدة الأفكار على الطاولة النيويوركية، تجولنا معه في هارلم، لم يكن أمريكيًا كي نظلم رنين البيانو على أصابعه، وعندما استعادت أذر نفيسي روح اليانكيز عبر عزلة كتابها، لم تكن إلا إيرانية فردت غربتها كملاءة سوداء واستحقت جمالها، عندما بكى السود من حزنهم الأزرق وعزفوا الجاز بعد أن تركوا أفريقيا وراءهم، لم نتلوا كراهية لأمريكيتهم، عندما أتعب إفهام النكتة ميلان كونديرا لم نلمه كباريسي، ولم نلم باريس، عندما تاه الكرد بسينماهم في ألمانيا، هل كانت برلين لتكون محط عتبنا!؟

في المدن التي رتبت حياتها على إيقاع الزوج الملول، تنتظر تلك المدن من يعيد تعريف أشيائها، يكتشف خبايا دهشتها، تنتظر الغرباء كي يعشقوها من جديد، ويضاجعوها بشبق المحروم ولهفة الحزين، تنتظر من يصنعون الحكايات، ويمنحونها القبول والغفران، لولا المدن وغرباؤها هل كانت لتبدو قصائدنا وأفلامنا ورواياتنا بمثل ذلك الحزن والروعة أو حتى الرداءة؟ لولا ارتباك الغرباء في ذاكرة فلسطين، وتلعثمهم اللغوي في فرانكوفونية بيروت، ومشيتهم الخرقاء في طرقات باب توما، هل كانت ستكون الحكايات أجمل؟

اقرأ/ي أيضًا:

الجبناء والتاريخ.. نظرات حول الحروب ودوافعها

كلما هممت بالصعود إلى مترو الخيالات في باريس