هل يمكنُني النَّوم؟

هل يمكنُني النَّوم؟

من أعمال الفنان الشعبي أكرم أبو الفوز/ سوريا

في الوجع الذي أُبصره، تجتاحني في اللحظة ذاتها آلاف الدمعات المملّحة بالذكرى، هذا ما يوبّخني عليه الزمن وأرصفة الشوارع المضيئة التي كانت قبل سنواتٍ بعيدة، أن أكونَ وحيدًا للغاية! ماذا فعل بكَ المشيبُ يا أبتاه؟ هكذا يستنطِقُ الولد شاهدة قبر أبيه، القبر الوحيد الذي سويّ بالرّخام الثمين، لتحمل الوالدةُ السَّمراء عجز سنواتٍ بعيدة وتهبها للتراب الذي يسربلُ الجسد العجوز، على مقربةٍ من كلِّ شيءٍ مُبعَد تغدو الألوانُ باهتةً، ويغدو الأملُ مشلولًا غير قادرٍ على الهبات، إذن، فلنمرّ مرور الكرام على التراب الأحمر، لنقبّل الاسم المحفور والأرقام الخاوية من كلّ معنى.

الحكايةُ صعبة السَّرد في الليل العظيم الذي يتلصّصُ على سكّان الطوابق فوق منزلي، وحيدًا في الطابق الأرضيّ، القريبِ من قبرٍ فرعونيّ، أستذكرُ كلّ الكلام، أبعثرُ الأوراق التي أودعها الأب قبيل رحيله، أخصّ النظرَ للورقة البيضاء التي تحمل ختمًا أزرقَ باهتَ اللون، خُطّت باليدِ وصيّة لا يمكن لأحدٍ أن يتيقّنها، "أريدُ أن أُدفَن تحت تراب باحة البيت! أُريد لنور مصباح الكاز أن يضيء الفسحة الترابيَّة".

هل نسيَ الأب أن البيت ليس مُلكه؟، يقال: قبيل الموت تغدو الذاكرة مشوَّشة والأصابعُ تتعثّر ويغدو الإنسان غير قادرٍ على تصديق ما حوله، ثمّة غشاوةٌ ما تحولُ دونَ الرؤية الصّادقة، هذا كلّ ما في السرّ، كان يخوضُ الموتَ عقليًّا قبل أن يستسلمَ بدنه للغياب اللامتناهي.
**

شارعٌ مستقيم، أب نزق، ودرّاجة هوائيَّة، فقط هذا كلّ ما يزيُّن الحيّ الفقير، همهمات النسوة على الشرفات، وسيلة تصديقِ أنّ الحياة بطيئة جدًّا وأنّ البشر كُسالى، وحده الكلبُ الأسودُ يضفي رونقًا ما على التشكيل الطبيعانيّ، يوقِظني الأب بنفخِ هواءٍ رحيم على وجهي المنمّش: "هل نمتَ جيّدًا؟"، سؤالٌ مفرد لا غيره يستنهضُ فيّ ألَم العبور إلى حياة النوم مجدَّدًا، جوازُ سفرٍ خياليّ يهبني إيّاه الشخص الذي في اللوحة المعلّقة فوق السرير، "لا"، أُجيبُ فقط بمفردةٍ وحيدة وأدسّ رأسي تحت الشرشف الأبيض، لم يوبّخني الأبُ على صنيعي ذا، فقط كنتُ أراه يمدُّ يده السمراء ليتأكّد من أنَّني لا زلتُ حيًّا، يجسّ بأناملهِ جسدي ومن ثمّ يمضي تاركًا الفراغ المريع لنفسي الذائبة.
**

على رِسلَك يا ولَد، لا يزالُ الترابُ ثقيلًا! لم أعرف كُنهَ العبارة حتّى اللحظة وأنا الآن أشارف من العمر عتيًّا، حَّدث ذاته دون توريَةً أو غياب، وكانَ الإبريقُ الفضي ذاته الذي سكب منه ماء على يد الأبِ حاضرًا، لكن ماذا حدث يا أبي وأنت تبتسمُ للمارَّة ومن ثم للزوّار في المشفى القَذر؟! "أخرجوني من هنا، أريدُ أن أموت على فراشي المغبرّ".. لم يكُ لأحدٍ أن يخرِجَه، فاقَ الألمُ كُلّ شيء، ألمٌ يلطّخ الجدران القذرة، ألَمٌ خبيرٌ في تعرّجاته واستدارتهِ على الكلّ المندهش، ألَمٌ يخطّ ألَمًا، وحدهُ الترابُ الأحمر المنهال على جسده أضفى الرّونقَ الأبهى. في البعيد كان ثمّة رجلٌ يدوّن بعينيه عباراتٍ ويزرعُ الوصايا في باحةِ فؤادهْ. 

اقرأ/ي أيضًا: 

طيور مذعورة في حلب

الرقم 3