هل يحدد مصير الشمال السوري مستقبل سوريا؟

هل يحدد مصير الشمال السوري مستقبل سوريا؟

تشكل الأوضاع في الشمال السوري ملفًا إقليميًا معقدًا (Getty)

منذ بدء الأعمال العسكرية في سوريا، راهن النظام والمعارضة على أن سير المعارك وتغير موازين القوى العسكرية يحدد سير العملية السياسية التي عادة ما يصفها مراقبون بالتفاوضية، ومع تحقيق النظام بدعم روسي تقدمًا عسكريًا في إدلب وإحراج روسيا للضامن التركي في أستانا، تتجه أنقرة لحشد جهودها على جبهة اللجوء المخيفة لأوروبا، والتي ربطتها الرئاسة التركية بإنشاء منطقة آمنة شرق الفرات لإعادة مليون لاجئ سوري إليها، بدا ذلك حسمًا لمصير إدلب الذي شبهه الرئيس التركي بمصير حلب.

عقب خسارة المعارضة العسكرية المدعومة من تركيا لمناطق استراتيجية في حماة وإدلب أمام قوات النظام وروسيا، بدا واضحًا أن تركيا تتجه لتفاوض على جبهة أخرى وهي جبهة اللجوء إلى أوروبا

ماذا ينتظر إدلب؟

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن محافظة إدلب تتعرض لسيناريو مشابه لما تعرضت له مدينة حلب نهاية عام 2016، لافتًا إلى الهجمات التي تتعرض لها المدنية، التي سقط فيها نحو 700 مدني قتيلًا في الآونة الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: مقاتلو تنظيم الدولة وعائلاتهم في سوريا.. تهديد وورقة ضغط

وأضاف: "قد تكون هناك (في إدلب) عناصر مسلحة متورطة بالإرهاب، إلا أن إدلب تتعرض للتدمير رويدًا رويدًا، فكما دمرت حلب وسويت بالأرض فإن إدلب تتعرض لسيناريو مشابه وبنفس الطريقة".

ومن الجدير ذكره أن حلب لم تتعرض للتدمير فقط على يد النظام وروسيا، بل سقطت أيضا تحت سيطرة الأسد والميليشيات الإيرانية بعد حصار ومعارك انتهت لصالح النظام وروسيا وفشلت الفصائل العسكرية المدعومة من تركيا في الدفاع عن المدينة.

وتابع أردوغان: "طبعًا لا يمكننا التزام الصمت إزاء كل ذلك، وحاليًا نجري مباحثات مع روسيا، وستكون هناك مباحثات تركية روسية إيرانية قريبًا، ونهدف لاتخاذ بعض الخطوات قبل (اجتماعات) جنيف". وفي الوقت ذاته أعلن أن بلاده تضع على أجندتها حاليًا مسألة تطهير شرق الفرات من "التنظيمات الإرهابية" في سوريا، وستحل هذا الأمر خلال بضعة أسابيع.

ويتزامن وقف إطلاق النار في إدلب مع اقتراب إطلاق أعمال لجنة الدستور السوري قبل نهاية أيلول/سبتمبر الجاري. ويرى مراقبون أن وقف إطلاق النار يجب أن يدخل حيز التنفيذ بمجرد البدء بأعمال اللجنة الدستورية التي من المفترض أن تنطلق أعمالها الشهر الجاري، وبالتالي سيكون وقف إطلاق النار جزءًا من إجراءات بناء الثقة التي نص عليها ذات القرار الدولي، مضافًا إليها كل ما جاء في البندين 13 و14 من إيصال المساعدات الإنسانية وإطلاق سراح المعتقلين.

ويشير المراقبون إلى أن التفاهمات التركية ـ الروسية وقبلها التفاهمات التركية ـ الأمريكية سابقًا، كانت لا تسمح بخيار العمل العسكري الواسع، لكن السكوت الأمريكي عما جرى بإدلب في المعارك الأخيرة، يشير إلى رضى وموافقة أمريكية ضمنية عما يحدث، لذلك من المرجح أن يتم الاتفاق على ترتيبات جديدة.

من بين تلك الترتيبات فتح الطريقين الدوليين، وبقاء خان شيخون وريف حماة الشمالي تحت سيطرة النظام، في مقابل بقاء وسط إدلب وشماله بيد المعارضة، وهذا مؤداه حصار المهجرين إلى إدلب من الغوطة وحمص، ومعهم المعارضة السورية، في مساحة أصغر، من أجل إجبارهم على قبول الأمر الواقع، والرضى بالحل السياسي الذي تراه موسكو.

تركيا على جبهتي اللجوء والمنطقة الآمنة

عقب خسارة المعارضة العسكرية المدعومة من تركيا لمناطق استراتيجية في حماة وإدلب أمام قوات النظام وروسيا، بدا واضحًا أن تركيا تتجه لتفاوض على جبهة أخرى وهي جبهة اللجوء إلى أوروبا.

أشار أردوغان إلى أن إدلب ستكون أبرز ملفات مباحثاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حال لقائهما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد أن كان ملف إدلب محصورًا بين موسكو وأنقرة، إلا أن حسم ملف إدلب قد يمر عبر بوابة المنطقة الآمنة التي تسعى تركيا إلى إقامتها وطرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منها وهو ما تعتبره أنقرة مهددًا لأمنها القومي.

وشدد أردوغان أن مسألة إدلب تعد قضية تركيا، كون أي هجرة منها ستكون باتجاه حدودها، مضيفَا: "نحن من يعاني تبعات ذلك، ونحن من نمتلك حدودًا مع سوريا بطول 910 كم، وأي حريق هناك سيحرقنا، ولن تحرق تلك الدول".

أما نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي، فعاد ليؤكد أن حديث  أردوغان عن فتح أبواب تركيا أمام أمام اللاجئين نحو أوروبا "ليس تهديدًا أو مخادعة وإنما حقيقة". وجاء ذلك في تصريحات صحفية على هامش مشاركته في منتدى "أمبروسيتي" بنسخته الـ 45 في مدينة "تشيرنوبيو" شمالي إيطاليا.

وشدد أوقطاي أن "تركيا ليست حارسة لأي دولة ولا مستودع مهاجرين، وليست أيضًا بلدًا يدفع فاتورة الأزمات التي افتعلها الآخرون". وكرر أوقطاي أن الاعتقاد بأن تركيا ستحتضن موجة هجرة جديدة إذا بدأت، في جميع الأحوال، وعدم المبالاة إزاء هذه القضية، مقاربة خاطئة تمامًا.

ولفت أوقطاي أن تركيا تنظر بحساسية بخصوص إدلب لأنها مهمة بالنسبة لها ومتأزمة وتؤثر بشكل مباشر على تركيا، مبينًا أن كلًا من منبج وشرق الفرات مهمتين أيضًا.

التحذيرات التركية من موجة اللجوء ومطالبتها لإقامة منطقة آمنة لاقت صدى عند رئيس الوزراء التشيكي أندري بابيس، الذي أشاد بمقترح الرئيس التركي حول المنطقة الآمنة في سوريا، مشيرًا إلى أن أنقرة لا تطلب المال بل إعمار المنطقة. وقال بابيس "إن مقترح الرئيس أردوغان للحل جيد جدًا، وتركيا لا تطلب إرسال المال بل تقول يجب بناء المنازل والمدارس هناك".

ولفت إلى وجود 4 ملايين لاجئ سوري في تركيا. مشددا على ضرورة إيجاد واشنطن وموسكو وتركيا والدول المجاورة لحل في سوريا.

هل أدارت تركيا ظهرها لإدلب؟

عارضت تركيا بشدة أي هجوم للنظام وروسيا على إدلب، ويرى مراقبون أن ذلك يعود جزئيًا إلى قضية اللاجئين، أما السبب الرئيسي فلأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يرد الابتعاد عن هدفه الأول المتمثل بمنع ميليشيا "وحدات حماية الشعب" الكردية من تعزيز سيطرتها على الحدود الشمالية الشرقية لسوريا. وعندما بدت الحملة على إدلب وشيكةً في أيلول/سبتمبر الماضي، توصّل الأتراك والروس إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في سوتشي لمنع الأسد من شنّها.

ومع ذلك، ففي كانون الأول/ديسمبر، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستنسحب من شمال شرق سوريا، متخليةً على ما يبدو عن شركائها القدامى في "وحدات حماية الشعب". وقد تكون المحادثات اللاحقة المتعلقة بمستقبل المنطقة قد خففت بعض المخاوف التركية إزاء الأكراد، وحدّت ربما من قلق أنقرة من أن الهجوم على إدلب سيبعدها عن هدفها الأساسي.

وقد أدان أردوغان بصرامة روسيا لسماحها بتنفيذ العمليات الراهنة، لكن من غير الواضح ما إذا كان مجرد حفظ لماء الوجه، محذرًا الأسد بالفعل بالبقاء خارج شمال إدلب بسبب مخاوف تركيا الأمنية الداخلية، أو تأكيد دوره في عملية إرساء الاستقرار طويلة الأمد في سوريا.

ويضيف المراقبون أن تركيا خلال المرحلة القادمة، قد تستعمل إدلب كوسيلة لضمان حرية التصرف ضد الميليشيات الكردية وقد منحت روسيا مثل هذه الضمانات سابقًا في عفرين، وربما فعلت ذلك مجددًا.

كما أكد رئيس هيئة الأركان العامة التركية، يشار غولر، السبت لنظيره الأمريكي جوزيف دانفورد، ضرورة إنشاء المنطقة الآمنة شمالي سوريا دون إضاعة الوقت". جاء ذلك في اتصال هاتفي جمع غولر ودانفورد، وفق بيان صادر عن وزارة الدفاع التركية عبر حسابها على "تويتر".

ويأتي ذلك عقب تصريح دانفورد، بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى تدريب ما بين 50 و60 ألفًا من القوات المحلية لضبط الأمن شمالي سوريا، في إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية. وأعرب دانفورد عن قلقه من "اتباع عناصر تنظيم الدولة تكتيك حروب العصابات، وأزمة اللاجئين، والمحتجزين من أفراده  لدى قوات سوريا الديمقراطية".

اللجنة الدستورية والتغييرات على الأرض

مع تسارع التطورات في الشمال السوري، انتقل المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون من طهران إلى أنقرة، حيث التقى نائب وزير الخارجية التركي سيدات أونال وبحث معه آخر التطورات في سوريا، خصوصًا ما يجري في إدلب، إلى جانب موضوع تشكيل اللجنة الدستورية.

كما أطلع بيدرسون الأتراك على فحوى محادثاته في إيران. ومن المقرر أن يزور بيدرسون دمشق قريبًا، للاجتماع مع مسؤولي النظام السوري. كما أعلن في وقت سابق عن زيارة سيقوم بها إلى واشنطن أيضًا، لبحث التطورات النهائية للجنة الدستورية، وذلك بعد أن أعلن بيدرسون، خلال إحاطة أمام مجلس الأمن في 30 آب/ أغسطس الماضي، أن اللجنة قد يعلن عنها قبل نهاية الشهر الحالي.

وأوضح بيدرسون أن إطلاق اللجنة يجب أن يكون مصحوبًا بتغييرات لها تأثير على أرض الواقع، بما فيها إحراز تقدم في ملف المعتقلين والمغيبين قسرًا. إلا أن التغييرات التي حصلت على الأرض كانت تقدم قوات النظام وروسيا والسيطرة على كامل ريف حماة الشمالي، ما سيعطي النظام قدرة على المناورة والضغط لتحقيق مصالحه في ملف اللجنة.

بيدرسون شدد على أهمية التوصل إلى اتفاق متين حول إنشاء "لجنة دستورية ذات مصداقية ومتوازنة وشاملة لتلتئم تحت رعاية الأمم المتحدة في جنيف، كخطوة أولى نحو فتح الطريق أمام مسار سياسي أوسع".

وقال المتحدث باسم هيئة التفاوض العليا في المعارضة السورية يحيى العريضي، لصحيفة "العربي الجديد"، إن بيدرسون اجتمع بعد عودته من طهران مع مسؤولين أتراك، وكان له أيضًا لقاء مع الهيئة السورية للتفاوض برئاسة نصر الحريري، مشيرًا إلى أنه ما زالت هناك خلافات بشأن تشكيل اللجنة الدستورية تتعلق "بالقضايا الإجرائية، وما الذي ستتم مناقشته؛ دستور كامل أم شيء آخر؟" وأضاف العريضي أنه ليس أكيدًا أن يتم الإعلان عن اللجنة خلال الشهر الحالي.

اقرأ/ي أيضًا: مصير نقاط المراقبة التركية.. هل يكشف صراعًا بين أنقرة وموسكو؟

وقال: "سيذهب بيدرسون إلى دمشق، وهو مصمم ولديه تفاؤل أنه يستطيع إنجاز شيء ما. لكن لا نعرف ما الذي سيحدث معه هناك، حيث لا يكف النظام عن اصطناع العقبات أمام تشكيل هذه اللجنة". وأكد أن اللجنة الدستورية "مدخل للحل السياسي المتوازن الذي يلبي تطلعات الشعب السوري في الحرية والديمقراطية، ونحن في هيئة التفاوض لن نتنازل عن هذه الرؤية أبدًا".

شدد أردوغان أن مسألة إدلب تعد قضية تركيا، كون أي هجرة منها ستكون باتجاه حدودها، مضيفَا: "نحن من يعاني تبعات ذلك، ونحن من نمتلك حدودًا مع سوريا بطول 910 كم، وأي حريق هناك سيحرقنا"

وتابع: "نحن نعرف أن المعوقات تأتي من محور النظام وروسيا وإيران الذين يتبنون الحل العسكري الذي يؤمن لهم خططهم وأهدافهم، بينما الحل السياسي يؤمن نسبيًا حقوق كل الشعب السوري".

 

اقرأ/ي أيضًا:

 كيف غيّرت سوريا مقاربة إيران العسكرية؟