إعادة بناء قوات الأسد.. جيش من المليشيات والطلاب والموظفين

إعادة بناء قوات الأسد.. جيش من المليشيات والطلاب والموظفين

تسعى روسيا إلى إعادة هيكلة قوات النظام السوري (رويترز)

تحاول روسيا منذ تدحلها العسكري في سوريا لجانب نظام الأسد في أيلول/سبتمبر من العام 2015، إعادة بناء جيش النظام الذي تكبد خسائر كبيرة جراء العمليات العسكرية المستمرة منذ ثماني سنوات، وتخلف الشبان السوريين عن الخدمة الإجبارية فيه، واعتمد النظام إثر ذلك على تشكيل الميليشيات المحلية وفتح الحدود أمام المليشيات الأجنبية المدعومة من إيران لمساندته في عملياته العسكرية، إلا أن هذه المليشيات أصبحت ذات نفوذ أكبر من جيش النظام الذي تضاءلت سطوته.

تحاول روسيا إعادة بناء جيش النظام بالاعتماد على الشبان والمقاتلين السابقين في مناطق التسويات، إضافة لمحاولة استمالة اللاجئين إلى العودة

استهداف شبان مناطق التسويات

أصدر النظام أواخر الشهر الماضي تعديلات جديدة على قانون الخدمة الإجبارية، يستهدف في أحد بنودها شبان المناطق التي وقعت فيها تسويات ومصالحات مع المنقطعين عن الدراسة في الجامعات والمعاهد، إذ ينص أحد الشروط على أن يكون الطالب مواظبًا على الدراسة ولم ينقطع عنها منذ دخوله سن التكليف، وهذا الشرط صعب التحقيق بالنسبة لعدد كبير من الشبان في مناطق التسويات الذين انقطعوا لأعوام عن الدراسة بسبب الأعمال العسكرية والملاحقات الأمنية.

اقرأ/ي أيضًا: رهان موسكو الأخير.. المال مقابل السلام في إدلب

ويشير مراقبون إلى أن نظام الأسد اعتمد إستراتيجية تجنيد مقاتلي فصائل المعارضة السابقين في قواته المنهارة والميليشيات الموالية له.

وتختلف طرق تجنيد الشبان المعارضين والمقاتلين السابقين من مدينة إلى أخرى، ففي درعا جنوب سوريا، تم ضم العديد منهم إلى الوحدات المتمركزة في الجنوب مثل الفيلقين السابع والتاسع بينما تم وضع آخرين تحت قيادة المخابرات العسكرية  في حمص وحماة، إضافة لـ "قوات الدفاع الوطني".

وبذلك تحاول روسيا إعادة بناء جيش النظام بالاعتماد على الشبان والمقاتلين السابقين في مناطق التسويات، إضافة لمحاولة استمالة اللاجئين إلى العودة بضمانة موسكو التي قالت في نيسان/أبريل الماضي إن النظام يخطط لتمديد فترة تأجيل الاستدعاء العسكري للخدمة في قواته مدة سنة للسوريين اللاجئين العائدين إلى بلادهم.

وقال مدير المركز الوطني لإدارة شؤون الدفاع لروسيا الاتحادية، اللواء ميخائيل ميزينتسيف، خلال مؤتمر موسكو الثامن للأمن الدولي "إن تسهيل منح وثائق الهوية يتيح للمواطنين التوظف في العمل بعد مرور فترة وجيزة على عودتهم إلى الوطن. بينما يحصل الذكور بفضل تقديم تأجيل السوق العسكري على 6 أشهر لترتيب الحياة الكريمة لعائلاتهم".

وأضاف ميزينتسيف: "تنوي الحكومة السورية في أقرب وقت تمديد فترة تأجيل السوق العسكري للمواطنين العائدين بمرتين أي حتى عام واحد". وكان رأس النظام السوري بشار الأسد أصدر أواخر عام 2018، مرسومًا تشريعيًا يقضي بمنح عفو عام عن كامل العقوبة للمتخلفين في الداخل والخارج  من الخدمة في قواته.

روسيا والمليشيات الإيرانية

من تبعات اعتماد الأسد المتزايد على روسيا، إلى جانب إيران وميليشيا حزب الله، انتشار الميليشيات المدعومة من إيران والفيالق العسكرية المدعومة من روسيا؛ إذ إن لموسكو وطهران العديد من المصالح المشتركة في سوريا، إلا أن لديهم أيضًا مصالح متعارضة. 

وعلى وجه الخصوص، تخشى موسكو من أن التصعيد غير المنضبط بين إيران وإسرائيل قد يعرض استقرار النظام للخطر. وللاستمرار في التمكن من إدارة هذه المواجهات، اتّخذ الرئيس الروسي فلاديمير  بوتين خطوتين أساسيتين هما السماح لإسرائيل باتخاذ تدابير من وقت لآخر ضد التوسع العسكري الإيراني في سوريا، وإعادة بناء جيش النظام من أجل إنهاء اعتماد الأسد على إيران ووكلائها.

أواخر عام 2018 ومع انتهاء العمليات القتالية الرئيسية، بدأت قوات النظام مرحلة إعادة هيكلة جادة بمساعدة الجيش الروسي. وفي هذه المرحلة يتم إعادة بناء جيش النظام كجيش مشاة، لديه القدرة على نشر الجنود الموالين بسرعة في في جميع أنحاء البلاد.

جيش من المليشيات والموظفين والطلاب

عام 2014 أطلق النظام السوري حملات تجنيد جديدة استدعت ما يصل إلى 70 ألفًا من جنود الاحتياط؛ قسم منهم موظفون في مؤسسات النظام وخريجو جامعات ومعاهد، بالإضافة إلى اعتقال الآلاف من الرجال للخدمة الاحتياطية في النصف الأول من العام نفسه.

اتخذت الميليشيات شبه العسكرية دورًا متزايدًا كما عملت المناطق الموالية على إنشاء وحدات مسلحة خاصة بها للقتال في مدنها، في حين تم إرسال آخرين إلى جبهات بعيدة.

وفي خطاب ألقاه في 26 من حزيران/يونيو 2015 ، ذكر بشار الأسد أن "النقص في القدرات البشرية" لقواته يعني أن الجيش سوف يضطر إلى الانسحاب من بعض أنحاء البلاد. وبحلول نهاية عام 2017، حدد محللون عدد المقاتلين القادرين على الهجوم بما لا يزيد عن 25 ألفًا غالبيتهم كانوا في الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة.

إن كثرة الوحدات شبه العسكرية واعتماد النظام عليها لم يضعف فقط قدرة القيادة العليا لقواته على تنسيق العمليات الهجومية والدفاعية، بل خلق أيضًا تحديًا  لقدرة نظام الأسد على الحفاظ على النظام في المناطق التي يسيطر عليها.

ويشير مراقبون إلى أن قوات الدفاع الوطني وهي ممولة من إيران قد تنضم للحرس الجمهوري  في الأشهر المقبلة حيث تبدأ في خسارة التمويل من طهران. ويقوم النظام تدريجيًا بدمج القوات شبه العسكرية الموالية، وإجبار من  تنطبق عليهم شروط التجنيد مثل السن للانضمام إلى قواته. 

في حين دعمت روسيا "الفيلق الخامس"، وكان المقصود من الفيلق في بدايته الاعتماد على السكان غير المستغلين من موظفي الدولة الذين يُعفون من الخدمة الإلزامية والرجال الذين أكملوا بالفعل خدمتهم العسكرية. من خلال تقديم رواتب تنافسية علاوة على الراتب المدني "للجندي".

أما التعديل في قانون الخدمة الإجبارية وتأجيل الطلاب فقد حدد أعمار الطلاب الذين لايحق لهم التأجيل الدراسي، وتنص التعديلات على ألا تتجاوز أعمار المؤجلين دراسيًا 26 سنة لطالب الكليات الجامعية التي تكون مدة الدراسة فيها أربع سنوات، أي يحق للطالب أن يعيد سنته الدراسية (الرسوب) مرة واحدة فقط، في حين تجاوز عشرات آلاف الطلاب في مناطق التسويات المنقطعون عن الدراسة منذ عام 2011 السن المحددة، حيث رفضت شُعب التجنيد منحهم تأجيلًا دراسيًا.

وزارة التعليم العالي التابعة للنظام أصدرت بتاريخ 21 من حزيران/يونيو 2018، قرارًا سمحت بموجبه للطلاب المنقطعين عن جامعاتهم منذ العام الدراسي 2010/2011 وحتى العام الدراسي 2016/2017 بالعودة لدراستهم، إلا أن النظام عاد لينقلب على القرار بالتعديل الجديد.

وذكرت وسائل إعلام موالية للنظام، أنه تم إلغاء الفقرة (ح) من المادة 25 من المرسوم التشريعي رقم 30 للعام 2007 من قانون خدمة العلم. وبناء عليه، أُلغيت كافة موافقات الشطب للدعوات الاحتياطية الصادرة بموجب تلك الفقرة، وكل من تم شطب اسمه أو تم تأجيله حسب الفقرة المذكورة، سيتم استدعاؤه مجددًا للتجنيد، أما المعفى طبيًا فسيعاد عرضه على لجنة طبية مستقلة.

وسيصبح الإعفاء مقتصرًا على الحالات المعروفة فقط، كالابن الوحيد أو من أصبح وحيدًا لأهله، وتقول الفقرة الملغاة بحسب التعديل "كل من ترى القيادة العامة استبعاده".

جنود النظام يحتجون

في تموز/يوليو الماضي نظم عناصر من قوات النظام حملة على وسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان (بدنا نتسرح)، للمطالبة بإنهاء خدمتهم بعد أكثر من ثماني سنوات على التحاقهم بالخدمة الإلزامية ومشاركتهم في المعارك.

اقرأ/ي أيضًا: معركة إدلب الكبرى.. تحرير الشام عتبة لـ"حمام دم" الأسد

وطالب المشاركون في الحملة بتسريح آلاف العناصر من الدورات السابقة، والذين تم الاحتفاظ بهم، بسبب تخلف الشبان عن الالتحاق بقوات النظام، ورغم اعتماد الأسد على المليشيات المحلية والأجنبية إلا أنه لم يصدر سوى قرار واحد العام الماضي بتسريح إحدى الدورات القديمة.

كثرة الوحدات شبه العسكرية واعتماد النظام عليها لم يضعف فقط قدرة القيادة العليا لقواته على تنسيق العمليات الهجومية والدفاعية، بل خلق أيضًا تحديًا  لقدرة نظام الأسد على الحفاظ على النظام في المناطق التي يسيطر عليها

ويلفت مراقبون أن الانهيار في قوات النظام حدث بين عامي 2012 و 2013 حيث تحول الصراع إلى عمل عسكري مسلح منظم وفقد جيش النظام نصف قوته. وازدادت حالات الانشقاق وسقوط القتلى وسوء الإدارة العامة لقوات الأسد بسبب تدفق المليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية المدعومة من إيران، إضافة للميليشيات المحلية التي يسيطر عليها الموالون للأسد. 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مدنيو الرقة.. من مقصلة "داعش" إلى انتهاكات القوات الكردية

لماذا لن تنتهي "داعش" بعد الموصل؟