نعوم تشومسكي: إسرائيل رأس حربةِ قتل الديمقراطية

نعوم تشومسكي: إسرائيل رأس حربةِ قتل الديمقراطية

يرى نعوم تشومسكي أن النيوليبرالية هي السبب الأساسي وراء صعود الشعبوية (رويترز)

كانت أوتوبيا الآباء المؤسسين لليبرالية وكأنها تتحقق أخيرًا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن الماضي، حيث صار من المحتمل أن يكون رأي الأغلبية، الذي هو الركيزة العملية للديمقراطية، داعمًا للحريات أخيرًا، بعد سقوط الأنظمة الفاشية والنازية وانهيار شعبيتها، وبالتالي فإن "الديمقراطية الليبرالية" لم تعد مجرد حلم نظري وغير واقعي. وبدا أن لا شيء على الإطلاق يمكن أن يعيق شبح هذا النوع من الديمقراطية من التخييم على أوروبا، حتى تلك المعارك المحسومة مع الشرق السوفياتي. حدث ذلك، بينما توقع منظرون متحمسون، منهم فرانسيس فوكوياما، أن التاريخ قد انتهى بالفعل، وأن "الإنسان الأخير" سيتمتع بخيرات هذا الرفاه إلى الأبد.

إن فشل الديمقراطية الليبرالية مرتبط بشكل عميق وممنهج، بصعود النيوليبرالية، التي سلطت اهتمامها على الربح أكثر من أي شيء آخر

ومثله مثل كل أوتوبيا، بدا واضحًا أن هذا النموذج قد فشل بشكل حاسم مع صعود الأنظمة الشعبوية واليمين البديل، في مطلع القرن الواحد والعشرين، لكن فشله الفعلي كان قد سبق ذلك بكثير، كما يوضح الفيلسوف الأمريكي المعروف، نعوم تشومسكي، الذي يصر أن مسألة انهيار هذا الحلم الوردي، أكثر تعقيدًا من نتائج الانتخابات الأوروبية والأمريكية في السنوات الأخيرة.

إنه مرتبط بشكل عميق وممنهج، بصعود النيوليبرالية، أو هذه النسخة من المطالبة بالحريات، التي سلطت اهتمامها على الربح أكثر من أي شيء آخر، وأدخلت العالم في مرحلة من الكساد، لتعزيز نوعين من التفاوت الاقتصادي. النوع الأول هو التفاوت بين الطبقات داخل المجتمعات الأوروبية نفسها، ثم ثانيًا التفاوت بين الدول الغربية التي لم تنفق بعد كل الامتيازات التي حظيت بها من الاستعمار، وبين دول العالم الثالث التي كانت ضحية هذا الاستعمار.

اقرأ/ي أيضًا: مستقبل الديمقراطية والرأسمالية.. بربرية التضليل

في ظل ذلك، فإن تشومسكي في هذه المقابلة المطولة والمفصلة، التي تبدو أشبه بدراسة مفصلة وموثقة عن تاريخ صعود الاستبداد السياسي في أوروبا في العقود الأخيرة، يجادل أن هناك دورًا حاسمًا للاقتصاد، ولتدخل القطاعات المالية في السياسة، وللصيغة المتطرفة من النيوليبرالية، في تفسير نشوء هذا الاستبداد من جديد.

إن أهم ما يميز الشعبوية في الغرب، وكذلك في نماذج مثل روسيا وإسرائيل، أن زعماء الأنظمة الديكتاتورية قد وصلوا إلى السلطة من خلال الانتخابات بالفعل. لذلك فإن كثيرًا من ناقدي الديمقراطية يستغلون ذلك للقول إن هناك مشكلة بنيوية داخل المفهوم نفسه. لكن تشومسكي يبدو إجرائيًا أكثر، إذ يوضح أن النيبوليبرالية أقرت بنوع من التغاضي عن نزعات لاديمقراطية داخل الانتخابات والمؤسسات القومية، حيث يتم تقرير معظم ما يتعلق بالشؤون المالية بدون اللجوء إلى الشعب أو من يمثله في البرلمان، من خلال مجموعة من رجال التكنوقراط الذين لا يتم انتخابهم. بالإضافة إلى أن النسخة الجديدة من الليبرالية المهووسة بالربح، جعلت من إجراء الانتخابات بشكل حر أمرًا مستعصيًا، نتيجة حملات الدعاية والبروباغاندا التي تتدخل فيها الشركات الكبرى، من خلال دعم المرشحين الذين يحققون مصالحها.

تحظى هذه المقابلة، مثلها مثل غالبية آراء عالم اللغويات المعروف، بكثير من الأهمية بالنسبة للقارئ العربي، لعدة أسباب. منها أنه وفي حين أن صعود الشعبوية في أوروبا، يخلق نوعًا من النفور من الديمقراطية ومؤيديها، ويعزز من حجج الاستبداد العربي، فإن تشومسكي الواقعي والمعتدل والنقدي في نفس الوقت - الذي ينطلق من الإيمان بالحريات والمساواة، وجزئيًا بالنسخة غير المهووسة بالسوق من الليبرالية -  يبدو حريصًا على نقد "الديمقراطية النيوليبرالية" من دون الوقوف ضد المطالبة بتكوين مجتمعات وأنظمة ديمقراطية. بكلمات أخرى، فإنه ينتمي إلى هذا الرأي، الذي يريد تخليص الديمقراطية من سطوة المال والتفاوتات الطبقية، التي تتسبب بنجاح الشعبوية.

ثانيًا، فإن المقابلة تتطرق إلى التغيرات الأخيرة داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وتحاول فهمها ضمن التطورات المذكورة في النظام السياسي الغربي.

اقرأ/ي أيضًا: ما وراء خطوط الشعبوية.. هل هو عصر إذابة الدولة القومية الحديثة؟

وتكمن قوة طرح تشومسكي بخصوص إسرائيل، وهو المتابع الدقيق لتفاصيل الصراع العربي الإسرائيلي، أنه يضع صعود اليمين في سياق الخطاب الاستعماري، وليس ضمن مساجلة ليبرالية محضة، تختزل نقد نتنياهو في كونه ينتهك حقوق الأقليات. وقد بدا هذا واضحًا في حديثه الموجز والدقيق حول سن قانون القومية، أو الدولة اليهودية، الذي تم إقراره مؤخرًا.

تستفيد إسرائيل بالتأكيد من كونها جزءًا من التحولات غير الديمقراطية، أو من الانقلاب على الليبرالية الديمقراطية في العالم، ولكن عندها أسبابها الخاصة، التي تنبع من بنيتها الاستعمارية، كما يوضح الفيلسوف المعروف.

تكمن قوة طرح تشومسكي، أنه يضع صعود اليمين الإسرائيلي في سياق الخطاب الاستعماري، وليس ضمن مساجلة ليبرالية محضة، تختزل نقد نتنياهو في كونه ينتهك حقوق الأقليات

كما أن تشومسكي يلاحظ المأزق الحقوقي الذي تتعرض له إسرائيل، التي تدرك جيدًا أنها "تفقد الدعم بين قطاعات الرأي العالمي المهتمة ولو قليلًا بحقوق الإنسان والحقوق المدنية"، ويربط ذلك مع العلاقات التي بدأت تل أبيب ببلورتها في السنوات الأخيرة من أجل تعويض ذلك، مع دول أقل اهتمامًا بالمسائل الحقوقية، مثل الهند والصين، ومع دول عربية تشبهها من ناحية الاعتماد على الولايات المتحدة، وإهمال الحقوق والحريات، على غرار السعودية والإمارات ومصر.

يقدم ألترا صوت من خلال ترجمة هذه المقابلة المنشورة على موقع تروث آوت، موجزًا لأهم أفكار نعوم تشومسكي حول علاقة النيوليبرالية والرأسمالية بالأنظمة السياسية الجديدة في الغرب، وبصعود الاستبداد السياسي، وبأفول الديمقراطية الليبرالية. وفوق ذلك، والأهم، أنه يقدم للقارئ العربي، تطبيقات لرؤى تشومسكي النظرية، من خلال الراهن السياسي.


في عام 1992، نشر فرانسيس فوكوياما كتابًا محرجًا من الناحية الفكرية بعنوان "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، الذي تنبأ فيه بـ "نهاية التاريخ" بعد انهيار الكتلة الشيوعية، مجادلًا أن الديمقراطية الليبرالية ستصبح "الشكل الأخير للحكم الإنساني". ومع ذلك، فإن ما حدث في هذا العقد على وجه الخصوص هو أن مؤسسات وقيم الديمقراطية الليبرالية تعرضت للهجوم من قبل عشرات القادة الاستبداديين في جميع أنحاء العالم، وبدأت النزعات القومية المتطرفة وكراهية الأجانب و"الفاشية الناعمة" في إعادة تشكيل المشهد السياسي في أوروبا والولايات المتحدة. كيف تفسر عودة الاستبداد السياسي إلى الظهور في مستهل القرن الحادي والعشرين؟

 في الحقيقة، إن "المشهد السياسي" منذر بالشؤم. فعلى الرغم من أن الظروف السياسية والاجتماعية اليوم تعد أقل خطورة، فإنها تذكرنا بتحذير أنطونيو غرامشي من زنزانته في سجون موسوليني حول الأزمة الشديدة التي عاشها في أيامه، والتي "تنطوي بشكلٍ دقيق على حقيقة أن القديم يموت والجديد لا يمكن أن يولد. وفي هذه الفترة الانتقالية الفاصلة، تظهر مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأعراض المرضية".

يتمثل أحد تلك الأعراض المرضية في عودة الاستبداد السياسي، وهو مسألة بالغة الأهمية تحظى بقدر كبير من الاهتمام في النقاشات العامة. ولكن عندما يكون هناك أمر يحظى "بقدر كبير من الاهتمام العام" ينبغي أن يكون ذلك دائمًا بمثابة علامة تحذير:

هل تعكس الطريقة التي تتشكل من خلالها القضايا مصالح السلطة، التي تصرف الانتباه عما يمكن أن يكون أهم العوامل الكامنة وراء الشواغل العامة؟ في الحالة الراهنة، أعتقد أن الأمر كذلك، وقبل أن أتطرق إلى المسألة بالغة الأهمية المتمثلة في عودة الاستبداد السياسي، أود أن أتحدث عن بعض المسائل ذات الصلة والتي يبدو لي أنها لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، بل إنها في حقيقة الأمر تكاد تكون مستبعدة كليًا من الاهتمام العام واسع النطاق.

ليس هناك أدنى شك بل إنه من الصحيح تمامًا أن "مؤسسات وقيم الديمقراطية الليبرالية تتعرض للهجوم" بصورة غير عادية، ولكن ليس فقط من قبل القادة الاستبداديين، وليست هذه المرة الأولى. أفترض أن الجميع يتفقون على أن الأولوية بين قيم الديمقراطية الليبرالية هي أنه يتوجب على الحكومات أن تستجيب للناخبين. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن "الديمقراطية الليبرالية" ليست سوى مجرد مهزلة.

وقد ثبت تمامًا أن الأمر ليس كذلك. إذ تُظهر مجموعة واسعة من الدراسات الموثوقة في العلوم السياسية السائدة أن غالبية الناخبين لا يتم تمثيلهم من قبل ممثليهم المنتخبين، الذين يستمعون إلى أصوات مختلفة، منها أصوات الجهات المانحة وأولئك الذين يتمتعون بالثروة الضخمة وقطاع الشركات، ومن بين هذه الأبحاث والدراسات نجد: كتاب من قبل مارتن جيلنس بعنوان، "الثراء والنفوذ: التفاوت الاقتصادي والقوة السياسية في أمريكا"، مطبعة جامعة برينستون، عام 2014، وكتاب من قبل بنجامين بادج ومارتن جيلنس بعنوان، "الديمقراطية في أمريكا؟ ما الخطأ الذي حدث وما يمكن أن نفعله حيال ذلك"، مطبعة جامعة شيكاغو، عام 2017؛ وكتاب من قبل لاري بارتلز بعنوان، "الديمقراطية غير المتكافئة: الاقتصاد السياسي للعصر المذهب الجديد"، الطبعة الثانية، مطبعة جامعة برينستون، عام 2018.

فضلًا عن ذلك، يكشف البحث الثاقب الذي أعده توماس فيرغسون، في عام 2016، أن الانتخابات منذ وقتٍ طويل، يتم شراؤها بدرجة كبيرة، بما في ذلك انتخابات الكونغرس الأمريكي الذي يُعد المؤسسة الدستورية الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية ويعتبر الهيئة التشريعية في النظام السياسي، ويستمر هذا الحال ليومنا هذا.

تبين هذه الحقائق وحدها أن الغضب من التدخل الروسي المزعوم في عمليتنا الديمقراطية النقية، يكشف عن عملية غرس الأفكار والمواقف والاستراتيجيات المعرفية العميقة للقيم الرأسمالية، وليس الديمقراطية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن أولئك الذين يجدون التدخل الأجنبي مزعجًا بشكلٍ خاص على الرغم من ضعفه، يجب أن يبحثوا بوضوح في مكانٍ آخر. فلا شك في أنه حتى إسرائيل قد تدخلت بشكلٍ كبير في الانتخابات الأمريكية وفي الحكم، بكل فخر وتباهٍ.

يتم شراء الانتخابات منذ وقتٍ طويل بدرجة كبيرة، بما في ذلك انتخابات الكونغرس الأمريكي الذي يُعد المؤسسة الدستورية الأولى في الولايات المتحدة

تجلت إحدى الحالات الأخيرة التي وصمت بكونها سافرة على نحو غير عادي في عام 2015، عندما خاطب رئيس الوزراء نتنياهو الكونغرس دون أن يبلغ الرئيس أوباما حتى يقوض برنامجه المتعلق بالشأن الإيراني، وهذا مجرد جزء من جهود إسرائيل المستمرة وواسعة النطاق للتأثير على السياسات الأمريكية.

وإذا نحينا جانبًا هذه المسائل الثانوية، فإن الهجوم الرئيسي على مؤسسات وقيم الديمقراطية الليبرالية يتم من قبل طبقات الأعمال القوية، التي أخذت في التصاعد منذ عهد ريغان، إذ أن كلا الحزبين السياسيين قد جنحا نحو تبعية أكبر لمصالحهما، لدرجة أنه وبالنظر إلى التطرف الذي وصل إليه الجمهوريون اليوم، يمكن بالكاد اعتباره حزبًا سياسيًا. وأي شخصٍ يجد ذلك أمرًا مثيرًا للدهشة، فهو غير مطّلع على المجتمع الأمريكي وكيف يعمل.

في الوقت الحالي، عندما تم إطلاق العنان لسلطة الأعمال من قبل القائمين على خدمتها في الحزب الجمهوري، وصل الهجوم التجاري التقليدي على "مؤسسات وقيم الديمقراطية الليبرالية" إلى مستويات لم نشهدها حتى في العصر المذهب، وحتى ذلك الحين.

بطبيعة الحال، من القانوني تمامًا شراء الانتخابات، وإرسال جماعات الضغط إلى مكاتب الكونغرس لكتابة التشريعات، وبطرق أخرى "لتشكيل السياسة العامة بطريقة تخدم المصالح الضيقة للسلطة الخاصة".  في الواقع، يشكل ذلك "عنصرًا أساسيًا ومقصودًا في استراتيجية الأعمال" كما جاء في الدراسة القيمة التي أجرتها الناشطة زفير تتشوت.

التي تضيف أن التحقيقات قد أظهرت أن استثمار الرؤساء التنفيذيين في تغيير القوانين لخفض معدلات الضرائب المفروضة على الشركات، يحقق عائدًا أكبر بكثير من الاستثمار في خفض تكلفة الإنتاج. لا عجب أن كل هذا يُمثل استراتيجية عادية للأعمال.

وتستشهد تيشاوت بقرار المحكمة العليا رقم 1874، والذي خلُص إلى أنه "إذا وظفت أي شركة من الشركات الكبرى أشخاصًا محتالين يستغلون السوق لتعزيز مصالحهم، فإن الحس الأخلاقي لكل الأشخاص الصالحين سوف يدين بشكلٍ غريزي الموظِّف وسوف يعتبره غارقًا في الفساد".

وقد كان ذلك بالتأكيد، قبل أن تصعد ايديولوجية سيادة الأعمال التجارية إلى مستوى "الحس المسيطر السائد"، بحسب تعبير غرامشي. كما يوضح هذا التحول الحاد قوة التلقين العقائدي في المجتمع من خلال الوعي العالي وقوة مجتمع الأعمال.

يُمثل مشروع ريغان- تاتشر لتعزيز قوة الأعمال غير المقيدة، الذي واصل حلفاؤهما العمل على تحقيقه وتوسيعه، الانعكاس السياسي لحملة متفانية ومنسقة من قبل رجال الأعمال لعكس "أزمة الديمقراطية" في الستينات، والتي أزعجت بشكلٍ عميق النخب الليبرالية الدولية، التي كرست أول منشور رئيسي للجنة الثلاثية لهذا الداء الخطير.

وكان اهتمامهم الرئيسي هو زيادة مشاركة الطبقات الشعبية في الساحة السياسية بغية ممارسة المزيد من الضغوط في سبيل تحقيق مطالبهم، والتي بدورها تفرض المزيد من الضغوط على الدولة، مهددةً بذلك - على الرغم من أن هذا لا يزال ضمنيًا- هيمنة عالم الأعمال.

وكما قال المقرر الأمريكي، وأستاذ مادة الحكم في جامعة هارفارد، صامويل هنتنغتون، بنوعٍ من الحنين، "كان هاري ترومان قادرًا على حكم البلاد بالتعاون مع عدد صغير نسبيًا من المحاميين والمصرفيين في وول ستريت"، لكن تلك الأيام السعيدة كانت تختفي في ظل هجوم الغالبية العظمى، التي كان دورها في الديمقراطية الليبرالية سلبيًا ومذعنًا لعقيدة ذات نَسب ثري، وقد تناولت ذلك بالحديث والمناقشة في حوارٍ آخر لي.

كانت تلك هي النهاية الليبرالية لجميع الأطياف السياسية. وفي سبيل التوجه نحو النهاية المحافظة، دعت "مذكرة باول" المؤثرة، في الوقت نفسه، والموجهة إلى غرفة التجارة من قبل محامي الشركات لويس باول (الذي عينه ريتشارد نيكسون في المحكمة العليا لاحقًا)، إلى حرب مفتوحة يشنها عالم الأعمال للدفاع عن نفسه من الاستيلاء الافتراضي على البلاد من قبل القوى المتطرفة التي كانت تدمر "المشاريع الحرة"، تحت قيادة رالف نادر وهربرت ماركوز وغيرهما من "المتطرفين الخطرين".

كانت الرسائل متشابهة إلى حد كبير، لكن الخطاب كان مختلفًا تمامًا. إذ إن الخطاب الليبرالي محدود إلى حد كبير، في حين أن الخطاب التجاري يصل إلى طفل متحمس عمره ثلاث سنوات، يمتلك جميع الألعاب ويئن إذا ما حدث وأن أخذت منه إحداها.

بالطبع، لم يكن عالم الأعمال بحاجة إلى هذه التذكيرات لتكريس موارده لعكس مسار التقدم الديمقراطي والنجاح العالي للرأسمالية المنظمة، في حقبة ما بعد الحرب التي كانت في الواقع تُمثل تعديًا صريحًا على قوة الأعمال، وتهديدًا جوهريًا لمعدل الربح، كما أظهر الخبير الاقتصادي السياسي روبرت برينر.

هزم الهجوم المضاد النيوليبرالي بشدة هذه التهديدات، مما أدى إلى حدوث زيادة حادة في السلطة الخاصة وثروة شريحة صغيرة من السكان، بينما تُركت الأغلبية لمواجهة الركود الاقتصادي، وظروف الحياة المحفوفة بالمخاطر على نحوٍ متزايد، والخسارة الطبيعية للنفوذ السياسي باعتبارها قوة اقتصادية خاصة مركزه تكتسب هيمنة أعظم مما كانت عليه من ذي قبل.

اقرأ/ي أيضًا: هل ستصمد الديمقراطية أمام شعبوية ترامب؟

ولا يزال كل ذلك يستمر في ظل انتعاش الأزمة المالية والسكنية التي تطورت في ظل أوباما وترامب. ويخلص أحدث التقارير الصادرة عن وزارة العمل الأمريكية، إلى أنه "منذ أيار/ مايو عام 2017 إلى أيار/ مايو عام 2018، انخفض متوسط الدخل الحقيقي في الساعة بنسبة 0.1%، بحسب معامل التعديل الموسمي".

وقد أسفر الانخفاض في متوسط الدخل الحقيقي في الساعة، الذي اقترن بزيادة بنسبة 0.6% في متوسط ساعات العمل الأسبوعية، إلى ارتفاع متوسط الأرباح الأسبوعية بنسبة 0.5% خلال هذه الفترة". وفي الوقت نفسه، تضخمت أرباح الشركات بشكلٍ أكبر بسبب عملية الاحتيال الضريبي التي تعتبر بمثابة جوهرة تاج حزب ترامب الجمهوري، والتي تستخدم بشكلٍ كبير في عمليات الاستحواذ وفي غيرها من الأجهزة بغية زيادة ثراء الأثرياء بالفعل، بدلًا من الاستثمار الإنتاجي الذي يفيد المجتمع ويرفع الأجور.

تُظهر مجموعة واسعة من الدراسات الموثوقة أن غالبية الناخبين لا يتم تمثيلهم من قبل ممثليهم المنتخبين، الذين يستمعون إلى أصوات مختلفة، منها أصوات الجهات المانحة

 ويتمثل الوجه الآخر من العملة في تعدي ريجان - ثاتشر على الاتحادات، الأمر الذي حقق تقدمًا في الوقت الحالي من خلال منح الحق في استجداء القوانين (المعروفة في المصطلحات الأورويلية باسم قوانين "الحق في العمل") عن طريق المحكمة العليا الأكثر رجعية على مدى أكثر من قرن. ويهدف المذهب الإرشادي إلى خلق عالم من الأفراد المنعزلين تحت رحمة القوى الخاصة المتكتلة، التي تتوافق مع المذهب الثاتشري المتمثل في "عدم وجود مجتمع"، وهي إعادة صياغة قامت بها ثاتشر على نحو غير متعمد، لموقف ماركس اللاذع في إدانة الزعماء السلطويين الذين سعوا إلى تحويل المجتمع إلى "شُوَالٍ من البطاطس".

 هناك مصادر أخرى للضيق الذي يشعر به عامة السكان. إن عملية الأمْوَلَة الجذرية للاقتصاد Radical Financialization خلال سنوات الليبرالية الجديدة وإعطاء الأولوية لقيمة السهم، الذي جرى تسريع وتيرته عن طريق جماعة ريجان المعروفة باسم "صبية شيكاغو Chicago Boys"، قد حوّلت سلوك الشركات بشكل حاد من نموذج الاحتفاظ والاستثمار خلال السنوات التي شهدت نموًا كبيرًا في الرأسمالية المنظمة، إلى "اقتصاد إعادة الشراء" الذي ظهر نتيجة لردة فعل الليبرالية الجديدة، وجرى التعرف على هذه الأمور من خلال نظرة أكثر تعمقًا من قبل ويليام لازونيك.

أوْلت شركة أبل، أكبر شركة في العالم من حيث القيمة السوقية، في يوم من الأيام عناية خاصة بابتكار وتطوير المنتجات. وفي ظل المدير التنفيذي الجديد، تيم كوك، أصبحت الشركة "ملك عمليات إعادة الشراء"، مما أثرى المساهمين (والإدارة). تقوم شركات أخرى بالشيء ذاته.

وتشير تقديرات لازونيك إلى أن "تريليونات الدولارات التي كان من الممكن إنفاقها على استثمارات إنتاجية قد جرى استغلالها بدلًا من ذلك في إعادة شراء الأسهم لرفع أسعار الأسهم"، مما أدى إلى ثراء الأغنياء دون تقديم أيّ عملٍ هادف ومنتظم أو سلع مفيدة. تحظى خدعة الضرائب التي طرحها الحزب الجمهوري عام 2018 بنفس التأثيرات، إِذْ تسببت جميعها في الإضرار بالعاملين وعامة السكان. كما أن الزيادة السريعة في عمليات المضاربة كانت لها عواقب مشابهة. وينطبق الأمر ذاته على الأزمات المالية المتكررة في أعقاب إلغاء القيود التنظيمية، والتي تسببت في إلحاق أضرار جسيمة بالفقراء والعاملين، رغم أنه لم يعد هناك مذنبين في الصناعة المالية، ممن جرى إنقاذهم من قبل الجمهور وظهروا أكثر ثراء من ذي قبل.

هناك سبل لعلاج الأمر، لكن المؤيدين ما زالوا متواجدين على هامش الاقتصاد السياسي في الوقت الحالي، رغم أن ذلك ربما لا يستمر لفترة طويلة.

هذه، بالتأكيد، هي العموميات. فعلى غرار معظم العمليات المعقدة، يعد ظهور الزعماء السلطويين والنزعات المعادية للمجتمع التي تصاحب ذلك، من المسارات المحددة أكثر من اللازم. هناك العديد من العوامل الأكثر تحديدًا، لكن أعتقد أن الجوهر يتماشى مع الخطوط المحددة.

يتمتع أقوى زعماء العالم السلطويين اليوم أمثال: فلاديمير بوتين في روسيا، وفيكتور أوربان في المجر، ورجب طيب أردوغان في تركيا، وبنيامين نتنياهو في إسرائيل ودونالد ترامب في الولايات المتحدة -على سبيل المثال لا الحصر- بشعبية واسعة لدى الجماهير، وفي الواقع، تصادف وصولهم إلى السلطة عبر وسائل ديمقراطية. إذًا ما الذي يجري؟ هل هناك خطب ما في الديمقراطية المعاصرة؟

هنا تتداخل أسباب محددة. في حالة الديمقراطيات الغربية -ترامب، وأوروبا الغربية- فإن الخطأ في الديمقراطية المعاصرة هو انحسارها وتدهورها، مع الهجوم المصاحب على احتمالات الحياة الكريمة في الوقت الذي يتهاوى خلاله النظام السياسي أكثر من المعتاد، في ظل سيطرة القوى الخاصة المكثفة ومن ثم يُصبح أقل استجابة للاحتياجات الإنسانية. هذه هي النتائج الطبيعية لتركيز الثروة في ظل الاعتداء النيوليبرالي على التوجهات الاجتماعية الديمقراطية خلال العقود الأولى بعد الحرب. كما تجدر الإشارة إلى أن الكساد الكبير الذي بدأ في عام 1929، والحرب العالمية الثانية، قد تسببا في إطلاق قوى ديمقراطية راديكالية في معظم أنحاء العالم، وعلى الرغم من أن ردة فعل عالم الأعمال كانت سريعة (مثل، "قانون إدارة علاقات العمل" قانون تافت-هارتلي في عام 1947)، إلا أن ردة الفعل تلك كانت ضعيفة حتى حدوث الاضطرابات الاقتصادية التي جرت في سبعينيات القرن العشرين، ما أتاح الفرصة لاندلاع حرب طبقية قوية.

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن الاعتراف المتأخر نوعًا ما في عام 1978 من قبل دوغ فريزر، رئيس نقابة العاملين في قطاع السيارات United Auto Workers، بأن رجال الأعمال "قد اختاروا شنّ حرب طبقية من جانب واحد في هذه الدولة، حربًا ضد العاملين والعاطلين والفقراء والأقليات، والشباب وكبار السن، وحتى الكثيرين من الطبقة المتوسطة في مجتمعنا، كما خالفوا وتخلصوا من الاتفاق الهش غير المكتوب الذي تواجد أثناء فترة النمو والتقدم". في الواقع، كانت الحرب الطبقية جارية خلال الأيام الأخيرة من سنوات "الاتفاق الجديد- New Deal"، (مجموعة من البرامج الاقتصادية التي أطلقت في الولايات المتحدة بين عامي 1933 و1936)، السابقة للحرب، لكنها لم تكن من جانب واحد، خاصة بعد ظهور حركة عمالية قوية؛ والتي مثلت هدف الحرب الطبقية المريرة أحادية الجانب بشكل متزايد في سنوات ما بعد الحرب.

 في أوروبا، يجري تضخيم الهجوم على الديمقراطية من خلال المؤسسات غير الديمقراطية التابعة للاتحاد الأوروبي إلى حد كبير. وتُتخذ القرارات الرئيسة بشأن السياسة بواسطة الترويكا الأوروبية غير المنتخبة -المفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي- مع تواجد البنوك الشمالية إلى جانبهم مباشرة. لا رأي للسكان في كثير من الأمور، ويعرفون ذلك، ويعد ذلك من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى الانهيار العام لأحزاب الوسط التي حكمت دول أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

 في تحقيق مفصل للغاية، يستعرض الاقتصادي مارك ويسبروت، تقارير مشاورات صندوق النقد الدولي المنتظمة مع الحكومات الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتوصل إلى "نمط ثابت ومزعج بشكل ملحوظ". لقد جرى استغلال الأزمة المالية كفرصة لغلق الباب على إصلاحات النيوليبرالية: والتي تتمثل في خفض الإنفاق في القطاع العام بدلًا من زيادة الضرائب، وخفض المزايا والخدمات العامة وتخفيض حجم الرعاية الصحية، وتقويض المفاوضات الجماعية، وبوجه عام، التحرك لخلق مجتمع ذو قدرة أقل على التفاوض بشأن أمور العمالة وانخفاض الأجور، وترتفع فيه نسبة عدم المساواة والفقر، وتوجد به حكومة وشبكات أمان اجتماعي أصغر، بالإضافة إلى الإجراءات التي تقلل من النمو وفرص العمل".

اقرأ/ي أيضًا: كريم مروة: ثورات الربيع العربي بوصلة نحو المستقبل

ويخلُص ويسبروت إلى أن "وثائق صندوق النقد الدولي تفصل جدول الأعمال الخاص لمتخذي القرار في أوروبا، وقد أنجزوا الكثير منها على مدار السنوات الخمس الماضية". ويعد جدول الأعمال مألوفًا إلى حد ما في الولايات المتحدة، وأينما مضى هجوم النيوليبرالية في واقع الأمر.

في إنجلترا، أحدث حزب العمال الجديد الذي ينتمي له كل من تاتشر وميجر وبلير، متبوعًا بتقشف توري تأثيرات مشابهة. ويعد تحرك كوربين بمثابة ردة فعل تشجيعية، والتي واجهت معارضة شديدة من قبل النقابات العمالية ومعظم وسائل الإعلام. وتتمتع الحالات الأخرى المشار إليها بسماتها الخاصة.

يبدو أن بوتين كان يتمتع بشعبية حقيقية طوال فترة ولايته. ومن الواضح أن سكان جزيرة القرم يؤيدون سيطرة روسيا. كما بدا أن هناك احتمالات للتطورات الديمقراطية الاجتماعية في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وربما حتى تطورات في روابط الدعم المتبادل مع دول أوروبا الديمقراطية الاجتماعية. لكن تلاشت هذه الآمال نتيجة للتأثيرات الحادة للإصلاحات السوقية المدعومة من قبل الولايات المتحدة، والتي دمرت الاقتصاد وأدت إلى موت الملايين، بالإضافة إلى أنها فتحت الطريق أمام فسادٍ كبيرٍ نظرًا لاستيلاء الأوليغاركية "حكم الأقلية" على أصول الدولة. كان ينظر إلى بوتين من قبل الجماهير على أنه "تصحيح للكارثة النيوليبرالية، وتراجع روسيا على الساحة العالمية". بلا شك، فإن السلطوية غالبًا ما تكون وحشية، لكنها على ما يبدو تحظى بشعبية جماهيرية.

في إسرائيل، أيضًا يحظى الائتلاف القومي الديني اليميني بشعبية حقيقية. ويتعرض نتنياهو للتهديدات في المقام الأول من حزبه اليميني. ويعد هذا تغييرًا كبيرًا عن الفترة التي احتلت فيها إسرائيل الأراضي الفلسطينية عام 1967، حيث سُرعان ما شرعت إسرائيل في برامج الاستيطان غير القانوني. جرى التنبؤ بهذا التغيير في وقت مبكر من قبل هؤلاء الذين تفهموا الديناميكيات الطبيعية لسحق الناس تحت حذائك العسكري. ومن بين المعلقين الذين تحدثوا صراحة وبصفة خاصة الحكيم الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش، إِذْ أدان الاحتلال بشكل لاذع، ليس بسبب قلقه على الفلسطينيين، الذين أعرب أن مصيرهم هو فقط الاحتقار، بل بسبب التأثير المتوقع على اليهود، الذين حذرهم بأنهم سيصبحوا "نازيين يهود" نظرًا لقيامهم بعمليات القمع والتهجير.

تعتبر الدلائل دراماتيكية حتى الآن، من ناحية الإجراءات والتشريعات، وفيما يتعلق بالأعمال الإجرامية في الأراضي المحتلة والتحول إلى العنصرية السافرة في الداخل. تشمل الأراضي المحتلة غزة، على الرغم من مزاعم إسرائيل المخالفة لذلك، والتي تعتبر غير مقبولة حتى من مؤيدها المخلص المتمثل في الولايات المتحدة. وفي ظل الإدراك التام بأن موطن 2 مليون شخص من المرجح أن يُصبح "غير قابل للعيش فيه" حرفيًا في غضون بضع سنوات، كما توقع المراقبون الدوليون، تواصل إسرائيل تضييق الخناق، الذي يهدف رسميًا إلى إبقاء سكان القطاع في "حمية غذائية"، في حين يمارس الجيش الذي يصف نفسه بأنه "يتمتع بأعلى درجة من الأخلاق في العالم" بارتكاب فظائع تروع العالم.

تعتبر تركيا أيضًا من الحالات الخاصة، إِذْ تتمتع بتاريخ طويل ومعقد منذ أن اتخذت الدولة التركية شكلها الحالي في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وعلى مدار العصور الحديثة، في التسعينات، كانت تركيا ساحة لبعض أسوأ الفظائع خلال الفترة التي مارست فيها إرهاب الدولة ضد الأكراد. قُتِل عشرات الآلاف ودُمِرت آلاف المدن والقرى، وأُجبر مئات الآلاف -ربما الملايين- على الخروج من ديارهم، وبالكاد يعيش البعض منهم في الوقت الحالي في المباني المهجورة في اسطنبول. وكانت واشنطن هي الداعم الرئيسي لجرائم الدولة: إِذْ أمدهم كلينتون بـ80 بالمئة من الأسلحة مع زيادة تدفقها كلما ازدادت الأعمال الوحشية. في الواقع، لم يرد إلا معلومات قليلة عما يحدث على الرغم من وجود مكاتب صحفية كبيرة في تركيا. وتأتي الكثير من المعلومات المتاحة من التقارير المفصلة للباحث الكبير التابع لمنظمة هيومن رايتس ووتش، جوناثان سوتشين، والتي كانت بارزة ومفصلة للغاية ما دفع الحكومة في النهاية إلى طرده. وكان لوجود مجموعة المثقفين الأتراك المميزة أهمية خاصة -والتي تضم كبار الكتاب والفنانين والصحفيين والناشرين وآخرين- الذين لم يحتجوا فقط على الجرائم، بل أقدموا أيضًا على القيام بعصيان مدني وواجهوا الأمن، وفي بعض الأحيان تكبدوا عقوبات طويلة وصارمة. لا أعرف أي مجموعة مثلهم في أي مكان بالعالم.

بحلول نهاية القرن، كان الوضع يتحسن، بسرعة على نحو كبير، بما في ذلك السنوات الأولى لأردوغان. لكن سُرعان ما بدأ التراجع تحت قيادته، وأصبح شديدًا للغاية. تمتلك تركيا أسوأ سجل في العالم فيما يتعلق باضطهاد الصحفيين، وامتد القمع إلى الأكاديميين وآخرين كثيرين. وتزايدت الهجمات الوحشية على المناطق الكردية. وانقسمت الدولة بين القطاع الليبرالي–اليساري العلماني والسكان شديدي التدين، ومعظمهم من سكان الريف. سعى أردوغان الإسلامي المتفاني، إلى حشد الدعم من هذا القطاع كما يعتمد عليه لتأسيس دولة استبدادية قاسية وقمعية تتمتع بعناصر إسلامية قوية. إن ما يحدث يعد مؤلمًا بشكل خاص عند ملاحظته، ليس فقط بسبب الجرائم، بل بسبب التوقعات المبشرة التي كانت ماثلة أمامنا قبل بضع سنوات فقط، بالإضافة إلى حقيقة أن تركيا كان يمكن أن تمثل جسرًا قيمًا، من الناحية الثقافية والاقتصادية، بين الغرب والشرق.

 منذ سَنّ قانون القومية أو الدولة اليهودية أُنشئت 700 مستوطنة، كلها لليهود، باستثناء مدن قليلة للبدو المُهجّرين

تعد المجر من الحالات الخاصة الأخرى. إنها جزيرة ثقافية/ لغوية، إِذْ حققت إنجازات ثقافية هائلة، كما تمتلك أيضًا سجلًا قبيحًا من الفاشية والتعاون مع النازيين. علمتُ من المعلومات التي قرأتها -إذ لم يكن لدي أي معرفة وثيقة- أن البلاد انشغلت طويلًا بهاجس الخوف من التراجع والتدهور، أو حتى الزوال والاضمحلال؛ تلك المخاوف التي تفاقمت نتيجة مرور اللاجئين إلى أوروبا الغربية عبر المجر. تتراجع أعداد السكان، بسبب انخفاض معدل الخصوبة من ناحية، وبسبب الهجرة الكبيرة إلى الغرب من ناحية أخرى. واستغل فيكتور أوربان هذه المخاوف لإنشاء "ديمقراطية غير ليبرالية" مكرسة لـ "إنقاذ المجر" و"القيم التقليدية" بالإضافة إلى العناصر المعتادة المتمثلة في كراهية الأجانب والعنصرية لمثل هذه المطالبات.

هناك الكثير مما يمكن قوله عن العنصرية في أوروبا، وهي من الأمور غير المرئية عندما يكون السكان متجانسين إلى حد كبير، إلا إنها سرعان ما تظهر بمجرد وجود أي "تلوث" من جانب هؤلاء الذين يختلفون عن العرق السكاني قليلًا. وليست هناك حاجة للتعليق على تاريخ اليهود، وحق الغجر إلى الآن.

بالحديث عن الزعماء السلطويين، صُدِمت من ردة فعل المؤسسة السياسية في الولايات المتحدة تجاه تعامل ترامب في قمة هلسنكي مع بوتين. ما الخطأ في أن تعمل الولايات المتحدة وروسيا معًا لمعالجة القضايا الدولية الرئيسة التي تواجه العالم في الوقت الحاضر، بما في ذلك تهديد الأسلحة النووية؟ ما هي ردة فعلك على هذا الأمر؟ هل كان ترامب مخطئًا؟ هل كان "معاديًا لأمريكا"؟

من المؤكد أنه لا يوجد خطأ في أن تسعى الولايات المتحدة وروسيا إلى التقارب والتعاون في مثل هذه القضايا. ويعد ذلك من الأمور الضرورية لتحقيق آمالنا حول مستقبل أفضل، وحتى من أجل البقاء والنجاة. كما ينبغي ألا ترفض روسيا التعامل مع الولايات المتحدة وأن تفرض (إذا أمكن ذلك) عقوبات على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بسبب غزو وتدمير العراق، وكل ما نتج عن ذلك من عواقب إقليمية بشعة، أو قيامهم (بالاشتراك مع فرنسا) في تدمير ليبيا متسببين في آثار مروعة بدءًا من غرب إفريقيا وحتى بلاد الشام، بالإضافة إلى الجرائم الأخرى التي يصعب حصرها، أو خلافًا لذلك "تجاهلهم حجم ونطاق هذه الجرائم".

هناك العديد من القضايا التي يجب على الدول التعاون فيها، وفي بعض الأحيان القيام بأفعال، كما هو الحال في سوريا لتجنب الصدامات التي قد تؤدي إلى نشوب الحرب. والاحتياج لذلك أكبر بكثير على الحدود الروسية، حيث -بسبب توسع الناتو وحشد القوات- يمكن أن تقع حوادث ذات عواقب خطيرة بسهولة. وهناك العديد من الحالات الأخرى التي تحتاج بشدة للتدخل الجاد المتبادل. وتزداد هذه الحاجة خاصةً فيما يتعلق بالقضايا النووية. كما ناقشنا في مكان آخر، زادت برامج أوباما لتحديث الأسلحة النووية من "قوة القتل" بما فيه الكفاية لخلق "ما يتوقع المرء حدوثه بالضبط، إذا خططت دولة نووية للقتال والفوز في حربٍ نووية عن طريق نزع سلاح الأعداء بضربة أولى مفاجئة"، كما هو موضح في دراسة مهمة في موقع نشرة علماء الذرة. وزادت برامج ترامب النووية التهديد أبعد من ذلك، مع وجود أنظمة تسليح جديدة وخطيرة للغاية، وتخفيض حاد في موعد البداية المحتملة للحرب النووية - ما يمثل تهديدًا وجوديًا لروسيا والعالم. حتى المهاجم سوف يُدمر بعد الضربة الأولى. في عهد جورج بوش الابن، انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، والذي مثّل تهديدًا خطيرًا آخر لروسيا. وبالمثل ترفع مبادرات الأسلحة وردود الفعل الروسية أيضًا من خطر التدمير النهائي.

وبالنظر إلى ترامب، فإن أفعاله غير منطقية على الإطلاق إذا كانت تتبع استراتيجية جيوسياسية محددة. فمن ناحية، يتحدث بأدب مع بوتين (يدعوه البعض ركوعًا) ويدعو إلى تقليل التوترات، بينما من ناحية أخرى، يتسبب في تصاعد التوترات والتهديدات بشكلٍ كبير. البرنامج النووي الذي ذكرناه للتو هو مثال خطير للغاية على ذلك. ويُرسل ترامب كذلك أسلحة إلى أوكرانيا ويزيد قوات الناتو وعملياته على الحدود الروسية، وهي إجراءات قد يعتبرها أي زعيم روسي تهديدًا شديدًا لبلده. كما فُرضت عقوبات أشد على روسيا، وهي مدركة بكل تأكيد للتهديدات المتزايدة - وكيف يمكن لها ألا تكون كذلك؟ ولاحظت الصحافة الاقتصادية -مستشهدة بتقارير وزارة الخزانة الأمريكية - أن روسيا "تقوم بتصفية أصولها الدولارية بوتيرة قياسية، وباعت أربعة أخماس مخزونها من ديون الحكومية الأمريكية بقيمة 81 مليار دولارخلال شهرين"، من أجل حماية الأصول في حالة استمرار تدهور العلاقات.

اقرأ/ي أيضًا: حوار | يانيس فاروفاكيس.. الحياة قصيرة الحرب أطول!

وفي حين لا تبدو سياسات ترامب غير منطقية من وجهة نظر جيوستراتيجية، إلا أنها متسقة مع الافتراض القائل إن ترامب يستمر في السعي إلى تحقيق أجندته التي شعارها "أنا أولًا"، ولا تهم أية عواقب تقع بعد ذلك في العالم، وقد ناقشنا هذه المسألة من قبل. تتطلب هذه الأجندة الحفاظ على ولاء قاعدته الجماهيرية والتأكد من بقائهم موالين له إذا نتج عن تحقيق مولر شيء يضر به. وقد كان محور مؤتمره الصحفي مع بوتين -الذي أدانته بشدة آراء العديد من المنتمين إلى النخبة- هو سعيه لتشويه سمعة مولر. ينجح هذا التكتيك بشكل جيد. إذ توافق أغلبية كبيرة من الجمهوريين على الطريقة التي تعامل بها ترامب مع بوتين، وتُظهر استطلاعات الرأي أن صورة مولر العامة متدنية بشكل لم يحدث من قبل.

وفي نفس الوقت، يُرضي هذا التصعيد والتهديد الحاد صقور الأمن القومي.

يُرضي هذا الأمر الأخير طيفًا واسعًا من الناس. وبينما يصعب تصديق هذا أحيانًا، ولكن لا يمكننا أن نتغاضى عن حقيقة أن المعتدلين الأكثر تقديرًا يلتزمون بشدة بآراء غريبة للغاية -بشكل حرفي- لدرجة نعجز عن نقاشها. على سبيل المثال، يخبرنا ريتشارد هاس، وهو باحث ودبلوماسي محترم والذي ترأس مجلس العلاقات الخارجية المؤثر لفترة طويلة، بينما يرتسم على وجهه تعبير جاد، "لقد استند النظام الدولي الممتد لمدة أربعة قرون إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، واحترام سيادتهم. ولقد انتهكت روسيا هذا المبدأ عن طريق الاستيلاء على شبه جزيرة القرم والتدخل في الانتخابات الأمريكية عام 2016. يجب أن نتعامل مع روسيا بوتين باعتبارها دولة مارقة".

تعجز الكلمات عن الرد على مثل هذا الكلام.

في إسرائيل، تم تمرير مشروع قانون مثير للجدل حول "الدولة القومية اليهودية" لم يشر إلى حقوق الأقليات. هل هناك شيء جديد وراء إصدار هذا القانون، شيء لم  يكن يعتبر واقعيًا دائمًا من وجهة النظر الإسرائيلية؟

للأسف، داخل إسرائيل نفسها، لم يكن قانون القومية الجديد الصادر في تموز/يوليو 2018 مثيرًا للجدل، رغم أنه أثار رعبًا بين الليبراليين في جميع أنحاء العالم. وما يحدث في الولايات المتحدة هو الأمر المعتاد، والتي كانت منذ عام 1967 المؤيدة الرئيسة لإسرائيل. لفترة طويلة، كانت إسرائيل محبوبة للرأي الليبرالي والتقدمي. ولكن اليوم، تغير هذا إلى حدٍ كبير. "ووفقًا لمسح أجراه مركز بيو للأبحاث في نيسان/أبريل 2018، من وصفوا أنفسهم بأنهم ديمقراطيون ليبراليون أصبحوا متعاطفين مع الفلسطينيين ضد إسرائيل أكثر بضعفين مما كانوا عليه قبل عامين فقط. وزاد تعاطف 40% من الليبراليين مع الفلسطينيين -وهي النسبة الأكبر منذ عام 2001- في حين زاد تعاطف 33% مع إسرائيل".

صار أتباع اليمين المتطرف والمسيحيين الإنجيليين هم الداعمون لإسرائيل - وكثير منهم يجمع بين التأييد العاطفي المُنفعل لإسرائيل والعقيدة بأن المجيء الثاني - الذي ربما سيحل في وقتٍ قريبٍ جدًا، سيرسل جميع اليهود إلى عذاب الهلاك الأبدي، باستثناء عدد قليل جدًا من الذين سيتبعون المسيح قبل حلول الوقت، وهو مستوى معاداة للسامية لا يضاهيه حتى ما كان موجودًا في ألمانيا النازية.

كانت إسرائيل محبوبة للرأي الليبرالي والتقدمي. ولكن اليوم، تغير هذا إلى حدٍ كبير

تدرك إسرائيل جيدًا أنها تفقد الدعم بين قطاعات الرأي العالمي التي تهتم -ولو قليلًا- بحقوق الإنسان والحقوق المدنية. لذا تسعى إلى توسيع قاعدة دعمها تجاه الشرق، وفي المقام الأول الصين والهند، حيث يمكن أن تصبح الأخيرة حليفًا طبيعيًا للغاية لعددٍ من الأسباب، بما في ذلك الانجراف الموجود في كلا المجتمعين نحو النزعة الوطنية المتطرفة، والسياسات الداخلية الرجعية، وكراهية الإسلام. كما تعمل على تعزيز ما كان يُعد سابقًا تحالفات ضمنية مع الدول العربية الأكثر رجعية ووحشية؛ السعودية والإمارات، والتي انضمت إليهما الآن مصر في ظل الديكتاتورية العسكرية الوحشية الحالية.

ينص قانون القومية الجديد على أن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، ويُدني من وضع اللغة العربية ويشرع رسميًا تكوين المجتمعات التي لا تضم سوى اليهود. يؤدي هذا إلى بعض الأمور الجديدة، لكن ليس إلى حدٍ كبير. الجديد هو رفع هذه المبادئ العنصرية إلى مستوى قوانين الأساس- الدستور. فمنذ فترة طويلة، قررت المحكمة الإسرائيلية العليا أن إسرائيل "دولة ذات سيادة للشعب اليهودي".. لكن ليست دولة لمواطنيها غير اليهود الذين تبلغ نسبتهم 20%، وهو في جوهره المعتقد ذاته.

تُذكّرنا إحدى المقالات المنتقدة للقانون الجديد، للكاتب الإسرائيلي الكبير يتسحاق لاؤور، أنه في المناقشات حول قانون الأراضي لعام 1960، أعلن زيراح فرهابتيغ، مؤسس الحزب القومي الديني وأحد الموقعين على إعلان الاستقلال، "نتمنى أن يكون واضحًا أن أرض إسرائيل هي ملك لأمة إسرائيل. أمة إسرائيل هي مفهوم أوسع من الأمة التي تعيش في صهيون، لأن أمة إسرائيل موجودة في العالم بأسره ... [في هذا القانون الجديد] توجد بدعة قضائية كبيرة جدًا: فنحن نمنح غطاءً قانونيًا للوائح الصندوق القومي اليهودي".

تلزم لوائح الصندوق القومي اليهودي المنظمة بالعمل لصالح "الأشخاص ذوي الأصل أو الدين أو العرق اليهودي". هذا بالإضافة إلى أن هذه الانتهاكات الراديكالية للحقوق المدنية تلقى تمويلها من قبل دافعي الضرائب الأمريكيين بفضل إعفاء الصندوق القومي اليهودي من الضرائب بصفته منظمة خيرية.

كان فرهابتيغ محقًا تمامًا منذ ما يقرب من 60 عامًا. فقد وضعت مجموعة من القواعد القانونية والإدارية لضمان حيازة الصندوق القومي اليهودي للسلطة على جميع أراضي الدولة -93% من أراضي البلد- وبالتالي، السلطة لضمان أن الأراضي ستكون مخصصة لليهود وحدهم، مع استثناءات قليلة جدًا مثيرة للسخرية. التفاصيل مُوضّحة ومُوثّقة في كتابي "نحو حرب باردة جديدة" (1982).

يذكرنا لؤور أنه منذ سَنّ القانون، "أُنشئت 700 مستوطنة، كلها لليهود، باستثناء مدن قليلة للبدو المُهجّرين. (وهو ما يستحق أن نسخر منه)". وفي الوقت نفسه، قُيِّدت الأقلية غير اليهودية البالغة 20% بـ 2% من الأراضي والتي خُصصت لهم عندما تأسست الدولة قبل 70 عامًا.

في عام 2000، وصلت الترتيبات العنصرية لإدارة الأراضي أخيرًا إلى المحكمة العليا في إسرائيل. والتي أصدرت حُكمًا لم يشمل سوى أشخاصًا قليلين بمنح أصحاب الالتماسات -وهما زوجان عربيان يعملان بإحدى المهن- الحق في الانتقال إلى مدينة كتسير التي لا يقطنها سوى اليهود. بعد فترة وجيزة، بدأ ابتكار الإجراءات وتدبيرها للالتفاف حول القانون، لكن لم يعد هناك حاجة لهذا الآن، لأن الفصل العنصري أصبح مرخصًا قانونيًا بموجب قانون الأساس.

يجب أن يكون الكثير من هذا مألوفًا بالنسبة للأمريكيين. فقد اقتصرت مشاريع الإسكان العامة التابعة لبرنامج الصفقة الجديدة الاقتصادي على البيض فقط، من خلال قوانين ظلّت سارية حتى أواخر الستينات، وبعدها كان الوقت قد فات لمساعدة الأمريكيين الأفارقة لأن سنوات النمو السريع والمتكافئ بعد الحرب -والتي قدمت لهم بعض الفرص - كانت قد وصلت إلى نهايتها، وسرعان ما أتى الاعتداء النيوليبرالي، فارضًا الركود. فصل قاتم آخر في تاريخ العنصرية في أمريكا.

ومن الأمور المألوفة لدى الأمريكيين أيضًا عزلة الولايات المتحدة في دعم مثل هذه الإجراءات (مع وجود استثناءات مثيرة أشرت إليها سابقًا)، والتي وصلت الآن إلى مستويات جديدة في ظل إدارة ترامب. في الأيام الأخيرة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الأبارتهايد، كان ريغان وحده في العالم هو من يؤيده، بل وحتى ينكر وجود نظام الفصل العنصري، حتى بعد أن قفزت تاتشر وإسرائيل من السفينة الغارقة. ويمكننا أيضًا أن نتذكر أنه خلال آخر أنفاس نظام الفصل العنصري، في عام 1988، أعلنت إدارة ريغان أن المؤتمر الوطني الإفريقي التابع لنيلسون مانديلا هو "أحد أكثر الجماعات الإرهابية سوءًا" في العالم. وبينما كان مانديلا يحظى باحترام دولي كبير، بقي على قائمة الإرهابيين الأمريكية حتى عام 2008، عندما سمح له قرار الكونغرس أخيرًا بدخول "أرض الأحرار" دون استثناء خاص.

بالفعل، لا توجد في الواقع سوى القليل جدًا من الأمور الجديدة، فكله كان موجودًا سابقًا.

يواصل البنك الدولي دعم الأنظمة الاستبدادية في جميع أنحاء الجنوب العالمي (دول العالم الثالث) من خلال توفير الأموال وكفالات الإنقاذ المالية. كيف يمكن لحكومات الأمم المتحدة والحكومات الديمقراطية الغربية التسامح مع مثل هذا الموقف من جانب البنك الدولي؟

لسوء الحظ، فإن الإجابة واضحة للغاية. وكما توضح ممارساتهم باستمرار، فإن "الحكومات الديمقراطية الغربية" تتبع سياسات مماثلة بحماسة. ينبغي ألا نحتاج لتوضيح ذلك، لكن بما أننا نعيش في جو من الاحتفال والإعجاب بالذات، قد يكون من المفيد النظر في مثال واحد على الأقل. لنتحدث عن الكونغو، التي يجب أن تكون واحدة من أغنى بلدان العالم وأكثرها تقدمًا، بما تمتلكه من موارد ضخمة وتهديدات معدومة من جيرانها. لكن عندما كانت أوروبا تسرق إفريقيا، كانت الكونغو تابعة لملك بلجيكا ليوبولد، الذي تجاوزت جرائمه الشنيعة المعايير الطبيعية للغرب "المتنور". لكن لم يمر هذا دون استنكار. ففي الطبعة الحادية عشرة المشهورة من الموسوعة البريطانية، يشيد مقال عن الملك بإنجازاته، لكنه يضيف عبارة في النهاية تقول إنه عامل رعاياه بقسوة- فهو يذبح الملايين ويأمر بعمليات التعذيب الوحشية لحشو خزائنه الممتلئة بالمزيد من المطاط.

تدرك إسرائيل جيدًا أنها تفقد الدعم بين قطاعات الرأي العالمي التي تهتم -ولو قليلًا- بحقوق الإنسان والحقوق المدنية. لذا تسعى إلى توسيع قاعدة دعمها تجاه الشرق

انتهى "الرعب، الرعب" أخيرًا في عام 1960، عندما أعلنت الكونغو الاستقلال. كان قائدها حينئذ هو الشاب ذا الكاريزما باتريس لومومبا، والذي ربما كان باستطاعته إخراج الكونغو من بؤس الاستعمار. ولكنه لم يكن مقدرًا له ذلك. فقد كُلفت وكالة المخابرات المركزية بمهمة قتله، لكن البلجيكيين وصلوا هناك أولًا، وتعاونا سويًا مع ديمقراطيات ليبرالية أخرى في إعادة الكونغو مرة أخرى إلى الإرهاب والدمار تحت قيادة الشخص المُفضل غربيًا، موبوتو المهووس بالسرقة والقتل، والذي كفل تدفق ثروات الكونغو في الاتجاه الصحيح. وبالانتقال سريعًا إلى عصرنا، نجد أن جميع من يستمتعون بالهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة التقنية يستفيدون من المعادن الكثيرة في شرق الكونغو، والتي تُسلّم إلى الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل بالقرب من الميليشيات المتحاربة والعصابات الرواندية المدعومة من الولايات المتحدة بينما يتصاعد عدد القتلى ليبلغ الملايين.

إن وجوب أن تتسامح الديمقراطيات الغربية مع دعم الأنظمة الاستبدادية ليس أمرًا غامضًا إلى هذه الدرجة.

ما الذي تعتقد أنه يجب أن يحدث لوقف انتشار الاستبداد السياسي في جميع أنحاء العالم؟

النصيحة المألوفة سهلة القول وصعبة التنفيذ - إذا كانت هناك طريقة أخرى فهي محفوظة كسرّ عميق مخفي: مشاركة صادقة ومتفانية وشجاعة ومستمرة، بدءًا من التعليم والتنظيم وصولًا إلى النشاط المباشر، وأن يكون ذلك مشحوذًا ومصقولًا بعناية لتحقيق الفعالية في ظل الظروف الحالية. العمل الشاق، العمل الضروري، من نوع العمل الذي نجح في الماضي والذي يمكنه النجاح مرة أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الدولة ضد الأمة".. خراب العالم العربي

جديد علاقات إسرائيل مع السعودية والإمارات.. ترتيبات ما قبل صفقة القرن