نظرة في تاريخ الطبيعة الذكورية للمجتمع الإنساني

نظرة في تاريخ الطبيعة الذكورية للمجتمع الإنساني

"تدمير الوهم" لـ كارين ماك

للتَقاليدِ التي نتَّبِعُها أصول تاريخية قديمة، فَهي خُلاصةُ أفكارِ أسلافنا بعدَ قرونٍ منَ التجربةِ والخطأ، امتزجت بِأُسِس حَضارَتِنا مُنذُ أيامِ نَشأَتِها وعاشت معنا آلافَ السنين، لِذلك علينا أن نَتَعاملَ مَعها بِتأنٍ وعمقٍ يُراعِيانِ تغلغلَ جذورِها في مُجتَمعاتِنا.

مثلَ أيِّ تحولٍ اقتصادي؛ وَلَّدَ التحوُّلُ منَ الصيدِ إلى الزراعةِ حاجاتٍ اجتماعيةٍ جديدة

أمّا إذا أردنا أن ندرُسَ تقاليدَ المجتمعاتِ الذكوريةِ بعمقِ أصولها؛ تَحتَّم علينا الرُجوعُ لِتاريخِ اكتشافِ الزراعة، أي قبلَ أكثرِ من عشرةِ آلاف سنة. وهو التاريخُ الذي بدأت تترسخُ فيهِ السيطرةُ الذكورية، إذ كان البشرُ في مجتمعاتِ الصيدِ ينعمونَ بمساواةٍ نسبيةٍ في المهامِ بين الذكورِ والإناث. ولكنَّ الخطوةَ التي خطاها الإنسانُ نحوَ اكتشافِ الزراعة، صاحبتها خطوةٌ أخرى نحوَ الملكيّةِ الخاصة، لأنَّ نعمةَ الزرعِ تأتي ملازمةً لملكيةِ الأرض، وإلا فلِمَ يزرعُ الإنسانُ أرضًا لا يأمنُ حصادَها؟!

اقرأ/ي أيضًا: المرأة العربية كزهرة!

ومثلَ أيِّ تحولٍ اقتصادي؛ وَلَّدَ التحوُّلُ منَ الصيدِ إلى الزراعةِ حاجاتٍ اجتماعيةٍ جديدة، فزراعةُ الأرضِ لِما فيها من مهامٍ مختلفةٍ تطلَّبت زيادةً في الأيدي العاملة، لذلكَ تظافرت جهودُ البشرِ على إنجابِ الأطفال، فالحياةُ الزِراعيةُ حولت هؤلاء الصغار من عبئٍ تُجبِرُنا الغَريزةُ على احتماله الى ثروةٍ يدفعنا طمعنا لتنميتها.

ونتيجةً لضرورةِ تقسيمِ هذه الثروةِ البشريةِ وتنظيمها؛ ظَهرت الحاجةُ لتحديد الأنساب، فابتدع الإنسانُ الزواجَ كأوَّلِ عقدِ ملكيةٍ يؤكِّد نسبةَ الأطفالِ الى آبائهم. وهكذا وُلِد تنظيمُ الأسرة-أعظمُ وأجملُ تنظيمٍ عرفه الإنسان- من تزاوجِ الزراعةِ بالملكيةِ الخاصة.

لكنَّ نزعةَ التوحشِ التي ترَسَّخت في البشرِ عبرَ مئتي ألفِ سنةٍ منَ حياةِ الصيد؛ تطلَّبت وجودُ قائدٍ يُخضِعُهم للتنظيمِ الجديد، فالوحشيةُ المفيدةُ في مجتمعِ الصيد صارت رذيلةً يجب ترويضُها في المجتمعِ الزراعي، وقد تكفَّل الرجلُ بهذهِ المهمة، وظلَّت على عاتِقه آلافَ السنين، وكانت هي أساسَ سيطرته الاجتماعيةِ والسياسيةِ والاقتصاديةِ على الحضارةِ الإنسانية. لكن لماذا لم تَقم المرأة بمهمةِ القيادةِ هذه؟!

للإجابةِ على هذا السؤالِ علينا أولا أن ندرسَ الاختلافات بين الرجلِ والمرأة، لأنها تخبِّئ تعليلَ هذه السيطرةِ في ثناياها، فإذا درسناها جيدًا لم نجد منها إلا اختلافينِ جوهريينِ وحيدين يميزان بين جنسي الإنسان، هما: القوةُ البدنية، وعملُ الأعضاءِ التناسلية. وقد كانا العاملينِ الأساسيين في منحِ الرجلِ أفضليةَ قيادةِ الأسرة في تلك الفترة. فالقوةُ دائمًا ما كانَ في حدِّها الحدُّ بينَ الجدِّ اللعبِ في تاريخِ الإنسان، ووظيفةُ المرأةَ كحاملٍ للأجنةِ جعلت قيادةَ الأسرةِ المهمَّةَ الأكثرَ منطقيةً بالنسبةِ للرجل، فعندما يكونُ أحد طرفي الزواجِ مسؤولًا عن انتاجِ الثروةِ البشرية والاعتناء بها؛ ألا يتحتمُ على الطرفِ الآخرِ قيادتُها وتنظيمُها؟! أما من الناحيةِ العقليةِ أو النفسية، فلا أعتقدُ إنَّ الاختلافاتِ لها وجودٌ واقعيٌ مؤثر. فهي نسبيةٌ ومختلفةٌ بينَ الأفراد، لا يمكنُ أن تكونَ إلا عاملًا مساعدًا في تشكيلِ المجتمعِ الأبوي، إن كانت كذلك.

ومِن سيطرةِ الأب على أسرَته نَمت سيطرةُ القائدِ على القبيلة، وكان إخضاعُ مجموعة قبائٍل لقائدٍ واحد هوَ أولُ أشكالِ الدولة، وبذلك أصبحت الأسرةُ بقيادةِ الأب الوحدةَ الأساسيةَ التي تقومُ عليها الأنظمةُ الاقتصاديةُ والسياسيةُ لعشرةِ آلاف سنة، فلا عجبَ إذًا إذا ما كانت كل التقاليدِ والأحكامِ الدينيةِ ترسِّخ السيطرةَ الأبوية وتدعمها.

في ظلِّ هذهِ السيطرةِ الأبويةِ تطوَّرت مهامُ الرجالِ معَ تطورِ المجتمع، فأُجبر على أن يغيِّر نُظم الحكمِ مع زيادةِ عدد من يحكُمهم، وأن يطوِّر آلاتِ الزراعةِ مع كِبرِ مساحةِ الأرضِ التي يزرَعُها، ثم كان عليهِ أن يكتُبَ ويؤرخَ ويتفلسف ويفسِّر الكتبَ المقدسةِ، بالإضافةِ الى مهامٍ أخرى كثيرةٍ احتاجها المجتمعُ المتطورُ منه، بينما بقيت المهمةُ التي يحتاجُها المجتمعُ من المرأةِ كما كانت قبلَ آلافِ السنين، فظلت تنجبُ وترضعُ وترعى الثروةَ البشريةَ الوليدة خلفَ ضجيجِ المجتمعِ المتحضِّرِ ومنازعاتِه. كانت المرأةُ دائماً وراءَ الرجلِ العظيم.

واستمرت التركيبةُ الأبويةُ للمجتمع حتى منتصفِ القرنِ الثامن عشر، أي بدايةُ الثورةِ الصناعيةِ التي قلبت كلَّ شيءٍ رأسًا على عقب، وكان تأثيرها على الطبيعةِ الذكوريةِ للمجتمع حاسمًا، فقد أعلت قيمةِ الفرد الاقتصادية بعدما كان لا يساوي شيئًا إلا بانتمائهِ لأسرةٍ في المجتمعِ الزراعي، وحوَّلت كلَّ الأعمالِ الى أنظمة رأسماليةٍ كبيرةٍ لم تستطع الأسرُ منافستها، فترك كلَّ شيءٍ للمصانع والمزارع الكبيرة، واحتاجت تلك الأخرى أيدٍ عاملة أكثرَ من قبل، فأخذت عمّالها من الأفراد، وأصبحَ بِذلك لكل فردٍ قيمةٌ اقتصاديةٌ مستقلة لا يحتاجُ الى أسرةٍ تؤكِّدها له.

مِن سيطرةِ الأب على أسرَته نَمت سيطرةُ القائدِ على القبيلة، وكان إخضاعُ مجموعة قبائٍل لقائدٍ واحد هوَ أولُ أشكالِ الدولة

 ثمَّ كانت الأعمالُ المطلوبةُ في المشاريعِ الكبيرةِ أعقد وأصعب من أن يقومَ بِها الأطفال، وكان المجتمع أصلًا متخمًا بالبالغين العاطلين، ففقد الأطفال قدرًا كبيرًا من قيمتهم الاقتصادية، وهذا أَضعَفَ بدورهِ أهميةَ الزواجِ المبكرِ وقيمته، وتظافرت هذهِ كلّها على تحجيمِ القيمةِ الاقتصاديةِ لعمليةِ الإنجاب والعنايةِ بالأطفال، فأصبحت المرأةُ لأولِ مرةٍ في تاريخ الحضارةِ مفيدةً خارجَ بيتها أكثرَ من فائدتها في داخله، فخَرجت وتعلَّمت وعَمِلت وشاركت الرَجُلَ في كل شيءٍ تقريبًا.

اقرأ/ي أيضًا: دفاعًا عن الكاتبات المتزوجات والعاملات

وفي خضمِ هذا التحول، تعرَّضت السيطرةُ الأبويةُ الى ضربةٍ قاضيةٍ تركتها تترنَّحُ وسطَ تسارُعِ المجتمعِ الجديد، ولكنَّ عشرةَ آلافِ سنةٍ من التقاليدِ لم تلفظ أنفاسها بسهولة، فظلّت هذه العجوز المحتَضِرةُ مؤثرةً في حياتنا المعاصرةِ تأثيرًا يتناقصُ كلَّما تقدَّمت في السن، فهَل نَقتُلها الآن ونُنهي تأثيرَها ونتحمَّل الفوضى الناتجةُ عن تغييرٍ مفاجئ، أم نتركها تحتضرُ بهدوءٍ تكريمًا لما قدَّمته لنا في عشرة آلاف سنة؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

النظام السوريّ يحوّل "أبو عصام" إلى فيمينيست

النسوية.. عندما تضل المعركة وجهتها