موت

موت "سودان".. وحيد القرن الشمالي الأخير وصراع "ترميز" الهوية السودانية

وحيد القرن الراحل "سودان" رفقة حراسه الشخصيين (Getty)

عن عمر ناهر الـ"45" عامًا رحل وحيد القرن الأبيض الشهير بـ"سودان" بعد قرار الأطباء في كينيا إنهاء معاناته، إذ لم يعد قادرًا على النهوض بسبب المرض والشيخوخة، وخلف موته حالة أشبه بالحزن والحداد وسط السودانيين، وعموم المهتمين بالحياة البرية، سيما وأنه لم يتبق من هذا النوع تحديدًا سوى ابنة وحفيدة تطوقهما الوحشة وشبح الفناء، ما يعني أن "سودان" سيلحق بالديناصورات المنقرضة عما قريب. 

عاشت السودان سجال الهوية بين العروبة والأفريقانية طوال تاريخها الحديث ما بعد الاستعمار

وبالرغم من أن العلماء احتفظوا بخلايا من سودان، في ثلاجات خاصة، على أمل استنساخ ذكر ليتزاوج مع الأنثيين الباقيتين، إلا أنها محض محاولة غير مضمونة النتائج. وكانت قد أعلنت محمية "أو.آي بيجيتا-Ol Pejeta" الكينية يوم الإثنين الماضي وفاة آخر ذكر في العالم من حيوان وحيد القرن الأبيض الشمالي، وقال المدير التنفيذي للمحمية الواقعة بوسط كينيا ريتشارد فيغن أن "سودان"  الذي كان يخضع لحماية مكثفة على مدار الساعة من الصيد غير المشروع، بإشراف العديد من أفراد الحراسة المسلحين كان يعاني من مضاعفات مرتبطة بتقدمه في العمر، وهو ما أدى إلى حدوث تغيرات انتكاسية في عضلاته وعظامه، إلى جانب جروح جلدية منتشرة على مساحة واسعة من جسده. 

فيغن برر إنهاء حياة وحيد القرن الشمالي، ووصف قرار الأطباء إنهاء معاناته بالموت الرحيم، بينما اعتبرها البعض عملية اغتيال يائسة وعجز عن التعامل بحذر مع حيوان نادر والحفاظ على حياته بطريقة أقل كلفة، عوض استعجال انقراضه، وحرمان الأجيال القادمة من رؤيته، وليصبح العالم خاليًا للأبد من حيوان عملاق جميل يسمى سودان.  

اقرأ/ي أيضًا: حيوانات غريبة لم تسمع عنها من قبل!

"سودان" الذي ولد في عام 1973، وقضى الجزء الأول من حياته في حديقة حيوان بجمهورية تشيكوسلوفاكيا السابقة، قبل نقله إلى محمية "أول بيغيتا" في كينيا، كان بمثابة شعار للدولة السودانية، يعبر عن عظم ثروتها الطبيعية، وأخذ صيته على طابع العملة لسنوات عديدة، قبل أن يقرر الرئيس الراحل جعفر نميري استبداله بالمرة . 

يشكل موت ذكر وحيد القرن الأبيض الأخير تمثيلًا للواقع المأساوي الذي تعانيه الحياة البرية في أفريقيا

الأستاذ محمد سليمان عبد الرحيم رسم صورة لأجواء اختيار وحيد القرن الأبيض الشمالي رمزًا للدولة السودانية، وقال في مقال تداولته مواقع التواصل الاجتماعي أن وحيد القرن الأبيض كان، وحتى 1970، شعارًا لدولة السودان. وعند اختياره آنذاك دار صراع عنيف بين مؤيديه الذين رأوا فيه، كحيوان نادر الوجود، رمزًا فريدًا، وبين رافضيه الذين تعجبوا كيف لدولة فتية أن تختار "حيوانًا غبيًا، أحمق، ضعيف النظر -كما وصفوه- رمزًا لها". تطور "الصراع" ليصبح صراعًا بين أنصار العروبة وأنصار الأفريقانية، حيث رأى هؤلاء الأخيرون أنه طالما اخترنا نشيدًا عربيًا إسلاميًا "نحن جند الله"، كسلام جمهوري للوطن، فيجب، وللموازنة، أن نختار شعارًا يرمز إلى أفريقيا "وحيد القرن". 

المثير في الأمر أن رئيس الوزراء الأسبق محمد أحمد المحجوب في تلك المعمعة وصف وحيد القرن الأبيض ساخرًا بأنه "أكثر ذكاء من قيادات أحد الأحزاب المعارضة للاقتراح!" فضلًا على أنه لم يحسم الأمر إلا باقتراح حكيم من نائب برلماني بتكوين لجنة للنظر في الأمر وتقديم توصية، حيث تم قبول الاقتراح وقدمت اللجنة توصيتها باختيار وحيد القرن الأبيض شعاراً للسودان. 

بالنسبة لمحمد سليمان فإن تغيير وحيد القرن كرمز للدولة السودانية تعبير عن جدلية الهوية السودانية، ما بين العروبيين والأفريقانيين، لافتًا إلى أن دعاة العروبة وجدوا فرصتهم في سيطرة تنظيم القوميين العرب على السلطة في مطلع انقلاب أيار/مايو 1969، ولم ينسوا الطعنة التي وجهها لهم ذات يوم وحيد القرن بقرنه الوحيد، فعملوا على اجتثاثه من شعار دولتهم، وعبر مسابقة مشبوهة، على حد وصفه، وأضاف سليمان "استبدلوه بطائر قالوا عنه أنه حاد الذكاء دون أن يطلعونا حتى اليوم على "الآي كيو" الذي حصل عليه، وحاد البصر، دون أن ندري في أية عيادة قاسوا نظره، ولكنه، في المحصلة النهائية، وهذا هو الأهم وبيت القصيد، كان شبيهًا أو متشبهًا بالنسر المصري". 

اختارت العديد من الدول الأفريقية حيوانات برية شهيرة في جغرافيتها رموزًا للدولة وعملتها وطوابعها البريدية

جدير بالذكر أن أغلب الحيوانات البرية تعيش في أفريقيا، ولذلك أصبحت العديد منها تضع صور الحيوانات على عملاتها وطوابع البريد، رمزاً للقوة وتعبيرًا عن الثروة الطبيعية التي تذخر بها، لكنها مع ذلك فشلت في مقاومة غريزة الصيد العشوائي التي تهدد بانقراض  كثير من تلك الأجناس، ولم يكن السودان استثناء من فوضى الصيد الجائر. 

اقرأ/ي أيضًا: صحافية أردنيّة تصطاد الضباع والأردنيّون غاضبون

بالنسبة لرئيس مجلس الحياة البرية والمحميات الطبيعية الدكتور محمد عبد الله الريح فإن موت وحيد القرن "سودان" يعدّ حدثاً يستحق إثارة انتباه العالم، لأننا بموته نفقد آخر ذكر من "الخرتيت"، وقال الدكتور محمد الريح لـ"ألترا صوت" إن وحيد القرن الأبيض أقل عددًا من الأسود، وأكثر ما أضر به عمليات الصيد من أجل الحصول على قرونه حيث تباع مستخلصاتها في الصين والهند كمضاعف جنسي.   

وبالنظر إلى اختياره رمزاً للسودان أيام الرئيس الراحل إبراهيم عبود، فقد كان السبب أن وحيد القرن نادر عالميًا وأكثر تواجدًا في السودان، بيد أن من صمم شعاره، بحسب محمد الريح، قد أخفق في تجسيده بشكل سليم، وصوره بالقبح الذي ظهر في العملة السودانية وقتها، وأعطاه رأس خرتيت بالفعل ومؤخرة "حلوف" ولذلك بدا غريبًا، حتى أن المطالبين بتغييره وجدوا ضالتهم في تلك الصورة الشائهة.  

هل السودان أفريقية أم عربية، أم أنها شيء من هذا وذاك، هذا السؤال الذي يذكر به موت وحيد القرن "سودان"

ينبهنا الدكتور محمد الريح إلى أن معظم الدول الأفريقية اتخذت من الحيوانات البرية شعارًا لها، رامزة إلى معان تتسم بها تلك الحيوانات، وتنشدها الدول من قوة وسرعة وذكاء، ولذلك "أوغندا جعلت من القرنوف شعارًا لها، بينما اختارت مصر النسر تعبيرًا عن السمو، وأثيوبيا لديها حيوان أبو قلادة وثيق الصلة بقردة البابون والذي يعيش فقط في الهضبة الأثيوبية، أما السودان فقد جعل من الفيل رمزاً للعاصمة الخرطوم، ووحيد القرن رمزًا للدولة.

يبدو أن الرحالة الذين توافدوا على أفريقيا قبل قرون عديدة أكثر ما استرعى انتباههم تلك الحيوانات، ولذلك اتخذوها في طوابع البريد، فضلاً على أن النساء الأفريقيات أصبحن يتسمين بأسماء حيوانات تتتمع بالجمال والخفة وتناسق الألوان، مثل الغزلان والطاؤوس والطيور، دون أن يكون هنالك مانع من التشبه بالطبيعة. ولم يقتصر أمر الحيوانات البرية على ذلك، ولكن ثمة أسد شهير كان يسمى "ليون" تم ترحيله إلى الولايات المتحدة وأصبح شعارًا لشركة ميترو غولدوين ماير للإنتاج السينمائي في النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد موته نصب له ضريح في هوليوود.  

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أسرع حيوان في العالم معرض للانقراض

بالصور.. تعرف على القط تومبي الذي يذهب إلى المدرسة في تركيا!