من تحت الأنقاض

من تحت الأنقاض

عبد الله العمري

مرحبًا أيها الظلام، مرحبًا يا رائحة الغبار والبارود التي تملأ أنفي ورئتيّ.. لقد قذف ذلك الصوت المريع ألعابي بعيدًا، وهنالك قطعة كبيرة من سقف الغرفة تجثِمُ على عنقي ورأسي..!

لون دمي رمادي.. لم أر الدم في السابق رغم كل الكلام الذي سمعته عن تدفق أنهاره في بلدي..
الآن أتساءل، هل ستوبخني أمي، حين ترى ملابسي مليئة غبار ودماء..؟ أمي التي كانت منهكة جدًا من غسيل ملابسنا، بعدما انتظرت طويلًا حتى توفرت المياه؟

أين أخي..؟ العنيد الذي ينادونه بـ "الكوتش"؟ دائمًا ما كان يقول إنه عندما تنتهي أنهار الدماء سوف يفتح "نادي حديد" ويصبح مدربًا عظيمًا لأبطال عالميين. ولكن في أي مكان مظلم هو الآن..؟

قطعٌ من فستان أختي التي كانت ترتديه مزهوة بشبابها وألوانه الجميلة، وبعض من طعام الأخرى منثورين هنا.. وأنا مللت من هذا الشلل الذي أصابني بعد الصوت المريع.

لا صوت لأمي الآن.. لقد غرق في فجوة الصمت الأبدي.. آه أيها الحجر الضخم الذي تسحقني.. أريد حضن أمي لأعيد نفسي، أريد أن أذهب إلى المدرسة في أول عام لي، أريد أن أرى أطفال يشبهونني، لايعرفون الدم يلعبون وينامون سريعًا.. أريد أمي.. ولكن الصوت خطفها مع إخوتي!

مرحبًا أيها الظلام.. لا أعرف كم مضى من الوقت وهذه القطعة الحجرية الكبيرة ما زالت تسحق جسدي.. رائحة دمنا نفسها نحن أولاد أمي، لكن ربما أصبحت رائحتي تتغير ولون جسدي يميل للزرقة أكثر من قبل.. 

أسمع هسيسًا وأصواتًا وطرطقاتٍ تجيء وتذهب.. "بات الكلام ثقيلًا ومتقطعًا"..

- يا الله.. يا الله.. 
- هل أرى الضوء الآن؟ هل هذا صوت أبي.. 
- الله أكبر.. الله أكبر
- نعم.. هذا.. هذا هو أول صوت وأول كلمات تم تلاوتها في أذني بعد ولادتي.. "الله أكبر.. الله أكبر".
إنه صوت أبي.. ونشيجه..
إنه صوت هسيسه المقهور!!

اقرأ/ي أيضًا:

نكاية بالوجع

مقطع من "المتطوعون".. رواية مواسير سكلير