06-يونيو-2018

لم تخل أسواق المتعة في العراق من الدم والامتهان (واشنطن بوست)

قد لا يخلو بلد ما، من شكل لتجارة الجنس سواء كان سرياً أو علنياً، منظماً أو عشوائياً. لكن قصة تجارة الجنس والدعارة في العراق، هي الأكثر إثارة من حيث سياقها التاريخي، فمنذ العام 1994 حتى هذه اللحظة، شهد سوق المتعة في العراق ثلاث تحولات جوهرية في بنية هذا المجتمع، ولم يغب الدم خلال هذه التحولات.

على مدار أعوام طويلة، ارتبط سوق تجارة الجنس في العراق بالعنف والدماء، على مدار تحولاته الثلاث الجوهرية من قبل نظام صدام وحتى الآن

مُسيّجة الكوالية وتجارة المتعة

قبل الحرب العراقية الإيرانية، كان أمين العاصمة بغداد، خالد عبد المنعم رشيد، قد شيد مجمعاً سكنياً ملحقاً بسجن أبو غريب، بالقرب من تجمع خيم لـ"الكاولية" الغجر، وكان صدام حسين نائب رئيس الجمهورية آنذاك، في زيارة لتلك المنطقة فسأل عن ماهية الخيم والمجمع، فأوضح له رشيد الأمر، فوجه صدام بتمليكها للغجر، أو كما يروي أحد مسؤولي المجلس البلدي لفضاء أبو غريب، لـ"ألترا صوت". وهكذا شيدت "المسيجة"، مدينة الغجر، وسوق تجارة الجنس، في قلب فضاء أبو غريب، غربي العاصمة العراقية بغداد.

اقرأ/ي أيضًا: أن تكون في بغداد

لكن في عام 1993، أعلن رئيس نظام البعث في العراق، صدام حسين، عن انطلاق الحملة "الإيمانية" في البلاد، بإشراف نائبه عزت إبراهيم الدوري. وبعد أشهر من انطلاق الحملة، تأسست مليشيا ذات زي مرعب وطبيعة سرية، وسميت بـ"فدائيي صدام". ارتدوا السواد، وحملوا الحراب والسيوف أكثر من الأسلحة النارية، وكان هدفهم الأساسي محاربة الدعارة.

واشتهر الفدائيون بتنفيذ أحكام إعدام ميدانية بالذبح بحق نساء متهمات بالدعارة. تتحدث صحيفة واشنطن بوست الأميركية، في تقرير لها نشر عام 2015 عن مقارنة بين وحشية فدائيي صدام ووحشية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وتقول: "خلال العامين الأخيرين لحكم الرئيس صدام حسين، نفذت حملة لقطع الرؤوس استهدفت بشكل أساسي النساء المتهمات بالدعارة".

تقاطعت تجارة الجنس بتحولات المشهد العراقي (تعبيرية/ Getty)
تقاطعت تجارة الجنس بتحولات المشهد العراقي (تعبيرية/ Getty)

وتضيف الصحيفة الأمريكية: "فدائيو صدام نفذوا هذه الحملة، وقتلوا نحو 200 امرأة بحسب تقرير لمجموعة معنية بحقوق الإنسان". يعرف العراقيون أن الذبح بدأ قبل داعش بكثير، مع تأسيس مليشيا فدائيي صدام.

ويبين المسؤول المحلي -الذي فضل عدم ذكر اسمه- في ختام حديثه لـ"ألترا صوت"، قائلًا: "عملت وحشية النظام على جمع ما تبقى من النساء العاملات بالدعارة في جزء من حي حطين بقضاء أبو غريب، والذي يعرف باسم المُسيّجة، لأنها كانت مسورة ومراقبة من جهات أمنية عدة".

وأصبحت المسيجة على مدى عدة أعوام مركزاً للدعارة المقننة والحفلات، التي لا يجرؤ الكثير على ارتيادها، لفرط انتشار قوات الأمن فيها، ومواجهة المجهول القابع هناك.

الطريق إلى الطوايل 

بعد سقوط نظام صدام في الغزو الأمريكي للعراق، لم تحافظ المسيجة على سياجها وتفرق سكنة الحي من العاملين بالدعارة، وتوزعوا على مناطق عشوائية عدة، سكنت مجموعة منهم، في دائرة بحوث زراعية تابعة لما يعرف بالطاقة الذرية، والتي تعرضت لقصف خلال الحرب سوّاها بالأرض. هذه المجموعة كانت صغيرة، لا يتجاوز عددهم 20 فرداً، وكانوا شديدي الانطواء، ويتحاشون أي احتكاك مباشر بجيرانهم في حي الزيتون بأبي غريب.

شهد سوق المتعة وتجارة الجنس الحديثة، منذ ما قبل عهد صدام حسين وحتى الغزو الأمريكي، نقلات عدة لناحية جغرافية العمل وشكل تنظيمه

يقول أحد سكان الحي لـ"ألترا صوت"، والذي رفض الكشف عن اسمه لـ"حساسية الموضوع": "سمعنا أنهم أقاموا بعض الحفلات على مستوى ضيق في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، لكن لم يكن هناك ضجيج كبير يصدر منهم". ويضيف: "على أية حال، الحمد لله أنهم ذهبوا، لا أحد يريدهم قربه، أنا لدي بنات وأخاف على سمعتهم من هذه الجيرة".

اقرأ/ي أيضًا: لماذا منع محمد علي الدعارة في مصر؟

في الوقت نفسه، كان هناك مجموعة أكبر استوطنت في منطقة "الطوايل"، وهذه المنطقة كانت قبل سقوط النظام مخصصة لاسطبلات الخيول الرئاسية، وهي تجاور كليتي الزراعة والبيطرة بجامعة بغداد، كما تجاور محكمة الثورة سيئة السمعة، بالإضافة إلى أحد أسوار مطار بغداد الدولي، والعديد من المعسكرات التابعة للجيش العراقي والحرس الجمهوري آنذاك.

تحولت الطوايل إلى منطقة تلوذ بها الغانيات وعاملات الجنس من شتى أنحاء البلاد، وصار مرتادوها يقصدونها في الليل وفي وضح النهار. جميع القصص التي تخرج من هناك مخيفة بدرجة ما، بدءاً من الأمراض المنتشرة بين مرتاديها، وصولاً إلى القصص الشخصية لعاملات الجنس القابعات فيها.

أحد زائري المنطقة، قال لـ"ألترا صوت"، إن "الكثير من البنات هناك هاربات من أهلهن لأسباب عدة بعضها يتعلق بالشرف وبعضها يتعلق بسوء الوضع المادي". وأضاف: "تم استدراج العديد منهن عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، حياة بعض الأسر لا تطاق، وهناك الكثير من الانتهاكات التي دفعت النساء إلى هجرة بيوتهن وبيع أجسادهن بغرض النجاة".

ويصف أنه شاهد في إحدى زياراته هناك "بعض الفتيات المعروضات للمتعة الجنسية وهن في حال يرثى لها"، مفصلاً: "كانت كمية مساحيق التجميل الموضوعة على وجوههن هائلة، ورغم التمثيل الذي قمن به، لكن الحزن والانكسار كان جلياً للأعمى".

باتت مراكز المساج في العراق مواخير تحت أعين السلطات (تعبيرية/ Getty)
باتت مراكز المساج في العراق مواخير تحت أعين السلطات (تعبيرية/ Getty)

وختم حديثه بالقول: "سمعنا عن نية لإغلاق الطوايل ونشاطاتها، فالكثير من الفضائح حدثت وتحدث لمسؤولين وشخصيات خطيرة، لكن لا أحد يستطيع الإفصاح عن ذلك"، موضحًا: "لقد أصبحت مراكز المساج مفضلة بشكل أكبر للزبون، إنها أماكن نظيفة، ومحمية من جهات تأخذ المال مقابل غض النظر عنها، يمكنك مشاهدة دعاياتهم في فيسبوك، كأنهم مطعم أو مقهى للعوائل!".

مراكز المساج

أما مراكز المساج، أحدث صيحات تجارة الجنس المستترة، فهي مكاتب في أبنية تجارية، يكتب على واجهتها أنها مراكز لـ"الساونا" أو "الجاكوزي" والتدليك والعلاج بالإبر الصينية، لكن الواقع أنها بيوت دعارة مخفية خلف غطاء "المساج". يتم الاتفاق بين العميل والفتاة داخل الغرف المخصصة وبأسعار شبه معلنة، تحت مسمى "الخدمة الخاصة".

وانتشرت هذه المراكز في بغداد بشكل كبير، كما شهدت عدد من الاستهدافات المحدودة، قال مطلعون إنها بسبب خلافات بين إدارة المراكز والجهات السياسية التي تقف وراءها.

مراكز المساج هي أحدث صيحات تجارة الجنس المستترة في العراق، يفضلها الزبائن لأنها محمية من جهات تأخذ المال مقابل غض الطرف عنها

ويتعرض العاملون في تجارة الجنس إلى خطر التصفية المستمرة في العراق، ففي الوقت الذي تتغاضى فيه السلطات عن نشاطاتهم الجنسية، لا تستطيع تأمين مقراتهم في مراكز المساج أو غيرها من أسواق المتعة، لكن تبقى قصتهم الممتدة على مدى نحو نصف قرن من السريالية، لم يخل الدم من تفصيلة فيها، ولا الامتهان، قصة فارقة في تاريخ سوق المتعة في جميع أنحاء العالم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

دور البطاقات البريدية الاستعمارية والنساء في صناعة الحرب

دعارة القاصرين في مراكش.. وجهة الباحثين عن المتعة الشاذة